تراجعت صناعات يدوية تقليدية كثيرة كانت مهنة عشرات الآلاف من الجزائريين، وتتجه تدريجيا نحو الأفول التام. واختفت جلسات المحترفين في المروج وتحت الظلال وقرب غدران وينابيع الماء في أرياف الجزائر وهم يمارسون عملهم ويتداولون آخر الأخبار والحكايات والإبداعات أيضا.
فمعظم الأرياف اليوم هجرها سكانها وصارت القرى مرتعا للذئاب والثعالب والضباع والخنازير البرية وغيرها من حيوانات الغابة. يتذكر موسى براج الثمانيني الذي لا يزال يشتغل بحقله شمال مدينة سطيف تلك الجلسات التي وصفها بالجميلة وقال إنها تستقطب العشرات من الشباب يتعلم الكثيرون منهم الصنعة من صناع القفف والسجاد بالحلفا والمكانس ونسيج أسقف المنازل بالقصب الجبلي الرقيق والأواني الخشبية وغيرها. وقال إن الحياة التقليدية تتطلب كثيرا من النشاط ولا يوجد وقت للاسترخاء.
فثمة الأشغال الزراعية المتتالية والمتصلة بحكم تواصل الفصول، وهناك تربية الماشية التي تعد جزءا مهما من حياة الناس في القرية، ثم إن كل الأشغال التي تخص البناء وحفر الآبار ونسج الألبسة والأغطية كلها تجري من أبناء القرية، وحتى الأحذية تصنع من جلد البقر بـ «العربون» لدى حرفيين محليين. ويتذكر «عمي موسى» كما يلقبه السكان تلك الرحلات المتعبة والممتعة أيضا التي تقوده مع عدد كبير من أبناء المنطقة إلى الجبال بحثا عن الاعشاب النافعة لصناعاتهم.
وقال «كنا نشد الرحال عند الفجر ونقطع مسافات طويلة على دوابنا حتى بلوغ المرتفعات حيث تنعم علينا الطبيعة بما نحتاج من القصب و«الديس» وهو نبات يستخدم في إعداد الحبال وتغطية سقوف المنازل.. وعند العودة غانمين بالمجان نقوم بعملية غسل الأعشاب والقصب وتجفيفها وإعدادها للاستخدام في أغراض مختلفة».
وقال «كنا نجلس في المرج تحت ظل أشجار «الدردار» قرب عين ماء عمومية ترتوي منها أربع قرى تحيط بها، ويقوم كل منا بعمله وكان كبار السن يسدون إلينا النصائح كما يحدث مع تلاميذ المدارس في أقسامهم اليوم». أما عبد الرحمن عبدي فقال إنه كان يرتزق من حرفة ورثها عن والده وهي نسج سقوف المنازل بالقصب الجبلي على شكل سجاد كبير بحسب أبعاد المنزل.
يوضع هذا السجاد على ثلاث أو خمس عوارض خشبية تمتد على طول المبنى قبل وضع القرميد فوقه وهي الطريقة التي انتهجها السكان منذ قرون في البناء وتسقيف البيوت.
وقال انه حين يعود إلى البيت كان يجد زوجته وبناته وقد تقدمن في حياكة البرنوس او الزربية أو «حايك الغطاء» الشتوي... الكل يشتغل ولا مجال لتضييع الوقت في امور غير مفيدة، لكن هذا الوضع كان في عقود خلت سماها «الزمن الجميل» قبل ان تسحب المدن معظم ناس الريف وتغير اتجاههم ونمط معيشتهم وتبعدهم إلى الأبد عن حرف جميلة ومفيدة، ولم يبق من صناع القفف وسقوف البيوت التقليدية وسجاد الحلفا وغيرها من الصناعات القديمة غير عدد قليل جدا من المسنين تسمروا في قراهم وبقوا على ما نشؤوا عليه.
قال مولود بعلي وهو شيخ في الثالثة والسبعين من ريف ولاية بجاية «لا أجد لمن اسلم مهنتي... الجميع هذه الأيام يهرب إلى نشاطات أخرى ومنهم من يفضل البطالة على كسب الرزق من العمل اليدوي التقليدي.
ويمارس مولود نسج الطاقيات التقليدية منذ أزيد من خمسين عاما، وقد بدأ المهنة صغيرا حين كان يساعد والده على تحضير الخيط في الإبر التي يعمل بها، ولما مات الوالد في حادث سقوط من شجرة دردار كان بصدد قص أغصانها لإطعام قطيع ماعز يملكه، تكفل الشاب ذو السابعة عشرة بعدها بالعائلة وورث المهنة ووسع نشاطه، حيث كان ينسج أكثر من والده ويبيع عددا اكبر من الطاقيات في الاسواق الأسبوعية.
وبعد أزيد من خمسين عاما فشل في استنساخ صورته من أبنائه، فهم أربعة لم يتمكنوا كلهم من اكمال الدراسة حتى المرحلة الثانوية لكن لا احد منهم اتبع تلك المهنة لأنها باختصار لا تدر أرباحا بالقدر الذي يريدون، وبالسرعة التي يتمنون أن يغيروا فيها وضعهم، واكثر من ذلك إن ممارستها تتطلب الصبر المفقود عند شباب اليوم.. وفي رد جريء على الوالد الذي صار اليوم شيخا هرما قال محمود الابن الأصغر لمولود «كنتم مجبرين على ما صنعتم طيلة حياتكم..
اعلم انك بدأت العمل زمن الاحتلال، ولم تكن لديك معرفة لمهنة أخرى ولم يكن أمامك اختيار، كنتم مجبرين على البقاء في القرية وعمل أي شيء، لكن اليوم الوضع اختلف هناك آفاق واسعة للعيش بطريقة مخالفة نكدح لاستغلالها.. هل يمكن العيش اليوم ببيع طاقيات؟ حتى الناس صاروا لا يحملونها ولا يحتاجونها، فالطاقيات الصينية ملأت الدنيا وبأسعار رمزية».
وقال محمود «كل ما كان هؤلاء الشيوخ يصنعونه بالطرق التقليدية ويضمنون به عيشهم يصنع اليوم بالآلة، وفي مصانع.. لا اعتقد ان شابا يرفض ان يملك مصنعا او حتى ورشة صغيرة للمكانس والافرشة والسجاد والطاقيات.. بصراحة ارى أن كل هذه المهن اليدوية مدعوة للاندثار، كما اندثرت أشياء أخرى كان الناس يمارسونها قبل مئات السنين ولا نعرف عنها شيئا اليوم»..
ولا يقتصر هذا السلوك على الذكور بل يتكرر لدى الإناث، فبنات الريف الجزائري اليوم لا يعرفن الحياكة ولا الخياطة ولا بناء الأواني الطينية كما فعلت الأمهات والجدات، ولا يحسن حلب الماشية أو إعداد الكسكسي التقليدي.. معظمهن يردن الجاهز من السوق، والجاهز عادة يصنع بالمدينة.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي
