«ليس عيباً أن أجلس بجوار حفيدتي أو ابنتي لكي أتعلم..»، «العلم نور وإحنا مش ناقصين ضلمة»، «أول كلمة نزلت على رسولنا «اقرأ» فكيف أخجل من التعليم بعدما جاءتني الفرصة..»، «بعد ما شاب.. لازم يكون في إيده كتاب»..

ليست هذه نصائح أو حِكم اليوم، لكنها اعترافات إحدى العجائز ممن فاتهن قطار التعليم، وتركهن على رصيف الجهل منتظرات بلا أمل، لكن الأمل مدَّ لهنَّ يد العون من خلال فصول محو الأمية، وتجلَّت الظاهرة الإيجابية في نساء مصريات معها ساعيات إلى العلم ولو اقترب بهن العمر من محطته الأخيرة، إيماناً منهن بأن القضاء على الجهل يعني قطع مسافة لا بأس بها في طريق التقدم، أو على الأقل الخروج من الأزمات التي انتابت شعوبنا العربية التي تعاني من سقوط 75 مليون فرد منها في أنفاق الأمية.

العجيب أن سيدات مُسنّات استوعبن الدَّرس، وغيَّرن مجرى الأمثال والأقوال المأثورة لدى الطبقات الشعبية التي لم تنل ثقافة تذكر، فأصبحت وكأنها الراسخة في الثقافة العربية مثل تلك التي تقول: «بعد ما شاب.. ودّوه الكتَّاب» تشير إلى عقلية الكسل التعليمي التي تسيطر على وجداننا، كما يبدو هذا جلياً ليس فقط في الأمثال، لكن في الفنون ومن بينها السينما، فكثيراً ما يحدث نوع من التهكُّم على من يسعى للتعلم بعد تقدم العمر أو يستعين بأحد ليعلمه.

ففي فيلم «كلِّم ماما» بدا الفنان حسن حسني في محاولاته لتعلم القراءة والكتابة على يد طفل وكأنه لص يأخذ ما ليس من حقه، كذلك في فيلم «اللمبي» حين تهكّم الفنان محمد سعد في لجنة الامتحان على رجل تجاوز سن التعليم ووصل إلى شيخوخته وكأنه يرتكب جريمة منكرة.

لكن، وعلى الرغم من موجات التهكم، تظهر موجة إيجابية تعلو على السطح؛ وهي حرص العديد من كبار السن والعجائز على تعلم القراءة والكتابة دون خجل أو شعور بالعار وهن يجلسن على مقاعد الدراسة بجانب أحفادهن وأبنائهن، وهذه الموجة تفرض على الإعلام العربي دوراً مسؤولاً نحو هؤلاء الذين سعوا إلى التعلم ومحو الأمية، فهم بدلاً من التهكم يستحقون منا رفع القبعات تحية وإجلالاً لإدراكهن بأن هناك مشكلة تستحق أن تُحل بسرعة حتى لو كان قطار العمر قد وصل إلى محطته الأخيرة.

الفرصة الأخيرة

في أحد فصول محو الأمية بحي العمرانية الشعبي بمحافظة الجيزة، التقينا مع بعض العجائز والفتيات اللاتي حرصن على حضور دروس محو الأمية رغم صعوبة العمل بهذه الشهادة بالنسبة لكبيرات السن؛ حيث تقول السيدة أم حسين، وهي تقترب من الستين عاماً، إن فرصة التعليم فاتتها وهي صغيرة لظروف خارجة عن إرادتها وربما إرادة الأسرة، لكنها نجحت في تعليم أولادها ولا تودُّ إضاعة فرصة التعليم المجاني في فصل محو الأمية القريب من منزلها.

أضافت أنها تستغل وقت فراغها في التعلّم حتى تفيد نفسها وأحفادها وتستطيع مراسلة أولادها عندما يسافرون إلى الخارج، كما تفخر بالتعلّم في هذه السن، وتؤكد أنه ليس عيباً، لكن العيب - حسب قولها - أن تفوت الفرصة الأخيرة في التعلّم.

تشاركها الرأي الحاجة فردوس أحمد التي تقول إن الزمان لو عاد بها ثانية كانت ستدرس حتى تحصل على شهادة جامعية؛ لأن الجهل أمر محرج للغاية، بالإضافة إلى نيتها خلال شهر رمضان المبارك لحفظ العديد من سور القرآن بعد إتمام محو أميتها.

أما الفتاة عزة حسين فتؤكد أن أسرتها حرمتها من التعليم، لكنها الآن لن تدع فرصة التعليم تمر هباء، مؤكدة أنها لن تتزوج من رجل أمّيٍّ حتى لو كان أكثر استعداداً للزواج من شاب متعلم؛ لأن أمية الأب ستؤثر سلبياً في الأولاد وفي علاقتها الزوجية معه.

كما أكدت هند رضا، 19 عاماً، أنها كانت تشعر بالخجل حين كانت ترى أبناء الجيران في طريقهم إلى مدارسهم في الوقت الذي تظل هي في البيت، وقتها لم تكن تعلم أن شيئاً مهماً ينقصها، لكنها مع الوقت اكتشفت الكارثة.. أضافت: «أن فصول محو الأمية أتاحت لي فرصة تعويض ما فاتني ولو بشكل أقل، لكن المهم أنني نجحت في قراءة الأوراق التي تخصني ولم أعد مكشوفة السر أمام الجميع».

وتجلس إلى جوار «هند» السيدة هدى عبدالمجيد، 66 عاماً، وتؤكد أنها كثيراً ما كانت تسمع جملة «العلم نور» ولم تكن تفهمها أو تفكر في معناها، لكنها حين قدمت إلى فصول محو الأمية بدأت تشعر بالموضوع وكأنه حقيقة ملموسة، كأنها خرجت من حجرة مظلمة لأخرى مضيئة، وأضافت أنها لا تخجل من شيء، لكن المهم أن تتعلم.

فيما يشير أحمد عبدالسلام، مدرس محو أمية، إلى أن كبيرات السن والفتيات الأميّات أكثر التزاماً وحرصاً على التعليم من الأطفال الصغار في المدارس الإلزامية، وأنه ضد مفهوم صعوبة التعليم في الكبر ما دام هناك إصرار وحرص على التعليم.

مع مرتبة الشرف

كانت نماذج كثيرة من النساء المصريات قد حققت نتائج مبهرة في التعليم عن طريق فصول محو الأمية، ومن بين هذه النماذج فتاتان من محافظة قنا بصعيد مصر حصلا على شهادة جامعية بعد أن كانت بدايتهما في فصول محو الأمية؛ حيث تخرجت «مبروكة مرسي عبدالرحيم» في كلية الطب البيطري، وتخرجت «سعيدة شحات جبريل» في كلية التربية من جامعة سوهاج.. الدكتورة «مبروكة» رأت مشهد بنات قريتها ذاهبات إلى المدرسة.

دفعها هذا المشهد إلى دخول فصول محو الأمية لتحسين أوضاعها، ونجحت وتسلمت شهادة النجاح التي جعلتها تقدم على المرحلة الإعدادية بنظام «المنازل» الصعب، وكان اتفاق والدها مع مدير إحدى المدارس بحضور ابنته بشكل ودي بين الطالبات في المدرسة، فظلت تنتقل من مرحلة إلى أخرى حتى حصلت على بكالوريوس الطب البيطري بتقدير عام جيد جداً مع مرتبة الشرف.

أما «سعيدة» فأكدت أن أباها ادَّعى عند بلوغها سن المدرسة أنها خرساء حتى يمنعها من التعليم لتوفير المصروفات، لكنها حين وصلت إلى سن 14 عاماً بدأت تتعلم القراءة والكتابة في فصول محو الأمية، وفي المرحلة الإعدادية حصلت على مجموع 90%، ورفضتها المدرسة الثانوية لتخطيها السن القانوني للالتحاق بالمدرسة، وكانت المصروفات عائقاً أمامها فوجدت الحل في الالتحاق بدبلوم التجارة ومن بعده بمعهد، لكنها تفوقت بالدبلوم وتمكنت من الالتحاق بالجامعة مباشرة دون اللجوء إلى مرحلة المعهد، فدخلت كلية التربية وتخرجت بتقدير عام جيد جداً.

الحلم الوطني

أكد د. رأفت رضوان، رئيس الهيئة العامة لمحو الأمية بمصر، أن محاولات مواجهة الأمية بدأت في العام 1886، لكنها لم تأخذ الشكل القانوني إلى أن صدر أول قانون لمحو الأمية في العام 1944، وأوكل أمر تنفيذه لوزارة الشؤون الاجتماعية، وتنوعت الجهود خلال فترة الخمسينيات والستينيات، إلا أنها لم تحقق الحلم الوطني في القضاء على الأمية ولم تستطع إلا القضاء على 5 % من مجموع الأميين في ذلك الحين، حتى صدر قرار بإنشاء المجلس الأعلى لتعليم الكبار ومحو الأمية ليقوم برسم السياسات العامة وإصدار القرارات المنفذة.

إلى ذلك، أكدت آخر التقارير الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر أن نسبة الأمية في مصر وصلت إلى 26%، وما زالت النسبة العالمية التي تصدر في التقارير الدولية لليونسكو والأمم المتحدة تحدد نسبة الأمية في مصر بنحو 40% طبقاً لأساليب حساب تضع في الاعتبار عناصر التسرُّب من التعليم.