«أم فالح» سيدة متزوجة «هجرها زوجها وتركها مع أطفالها الخمسة من دون معيل..هي تريد ان يعود زوجها لأسرته ولكن أعيتها الوسيلة. وبعد نصائح وجدت الحل: اذهبي إلى إحدى الفتّاحات «المشعوذات» لإعادته.

ضعف القوانين ذات الصلة في الأردن تحول دون امتناع البعض عن ممارسة الشعوذة والسحر، ويزيد من انتشار المشعوذين، وتواصل الناس معهم، وخاصة من فئة النساء. ولأن الأمر في ازدياد واتساع فقد باتت مقاهي في المملكة تستخدم الشعوذة كخدمة مثلها مثل القهوة والشاي بل أعلى سعراً.

يقول نائب رئيس جامعة الحسين بن طلال للشؤون الإدارية واستاذ علم الاجتماع د. ذياب البداينة: »الشعوذة مفهوم يتعلق بجملة من السلوكيات التي يقوم بها الأفراد طلباً للحاجة أو لتحقيق أو غاية أو أمنية، وغالباً ما تقترن الشعوذة بالغيبيات أو بالقوة الخارقة، أي أن المشعوذ يعطي انطباعا للزبون بامتلاكه قدرات خارقة تفوق معرفة الزبون أو العميل».

ويضيف »الشخص الذي يلجأ إلى الشعوذة غالباً ما يكون شخصا عاجزاً أو يشعر بالعجز في مواجهة ظروف أو ضغوط شخصية أو حياتية، فالشعور بالعجز يدفع إلى البحث عن مصدر قوة أكبر يستطيع هذا المصدر تحقيق ما لا يمكن للشخص العادي تحقيقه في أرض الواقع، أي أن الفشل في مواجهة الواقع عامة يدفع العاجزين إلى البحث عن مصدر قوة «غير واقعي» أي يتجاوز الواقع لتحقيق الآمال والأمنيات وحل المعضلات وكشف الأسرار.

تقول «ام فالح«: وصلت إلى بيت «الفتّاحة «أم وليد» باكرا ولم تكن في البيت، فاستقبلنا زوجها وابنها، فرفضت الدخول فطلبت الفتاحة بعد الاتصال بها من زوجها وابنها الخروج من البيت وترك السيدة لوحدها». «هذا الإجراء زاد من خوفي، ولكن قبل ان يخرج الابن قدم لي العصير ثم استأذن وخرج من البيت حتى تعود والدته».

يقع بيت الفتّاحة في زقاق بأحد المناطق الشعبية في مدينة الزرقاء. تدخله بعد ان تصعد درج غير متناسق إلى الطابق الثاني، حيث البيت.

«عندما خرج الزوج والابن هكذا طواعية ومن دون ضجة زاد خوفي، كدت أهرب رعبا ولكن ما هدّأني قليلا هو ان البيت محاط بمنطقة تعج بالسكان، إضافة إلى ان ابنها قال لي انها في أول الزقاق»، فقلت: انتظر».

المفاجأة التي تلقتها «أم فالح» هي أن البيت الشعبي من الخارج، يحتوي على أثاث فاخر من الداخل. وقد انشغلت في التدقيق في الأثاث قليلا فإذا الفتّاحة قد وصلت.

جاءت الفتاحة أم وليد ولم تكن «أم فالح» قد شربت عصيرها خوفا. سلمت عليها وبدأت العمل. سألتها عن مرادها وما الذي تعاني منه. وفي النهاية نظرت إليها الفتاحة بعينين باردتين لتقول لها: «معمولك عمل»، أي «سحر».

كانت أم وليد الفتاحة تضع على رأسها شالا أسود.. ولأن الأمر يسير عليها كما قالت لام فالح، فقد عمدت فورا إلى الاتصال مع جنّها والطلب منه بكلمات غير مفهومة، فعل أمر ما.

ثم نظرت إلى السيدة المذعورة وقالت لها اذا أردت فك «العمل» السحر فأنت بحاجة إلى 7 حبات من بخور ذكر اللبان مع 7 حبات فلفل اسود وحرق الحجاب قبل الاذان المكتوب باللون الأحمر».

وعندما لم تفهم السيدة شيئا مما قالته بدأت تحدثها عن السحر الأحمر المربوط بالجان الأحمر وان هناك ملك الجان والجان الأزرق والقرين.

كاد لسان أم فالح ينعقد أو هو انعقد بالفعل، حتى انها لم تنتبه عندما بدأت الفتاحة تلوح بكتاب عرفت اسمه لاحقا وهو «شمس المعارف» الخاص بتحضير ملوك الجان من خلال الطلاسم المكتوبة والتحضير بها.

تقول أم فالح: مضى وقت لا اعرف مدته ثم خرجت في انتظار عودة زوجي ولكنه لم يعد، حتى بعد مضي ما يزيد عن الأسبوعين على زيارتي للفتّاحة.

كلفني «الحجاب» الذي قدمته لي 50 دولارا وهو الذي طلبت مني ان احرقه في المكان الذي اعتاد زوجي النوم فيه سابقا.. لكن المكان ما زال فارغا ولم يعد زوجي لي.

كوفي شوب «شعوذة»

يقول عالم الاجتماع د. حسين الخزاعي «الفتاحون والمشعوذون منتشرون في كثير من مناطق المملكة، وانتشارهم لا يخضع لطبقة دون طبقة فهم موجودون في المناطق الفقيرة كما الغنية».

قال لنا بعض مرتادي المقاهي ان بعض «كوفي شوب» باتت تقدم خدمة قراءة فنجان القهوة، عبر تعيين موظف خاص لهذا العمل فقط.

ولأن التجربة جديدة كان لا بد من خوضها. سألنا عن إمكان هذه المقاهي، وذهبنا إلى إحداها. لم نكد نجلس على الطاولة حتى قدم لنا النادل قائمة الخدمات والمشروبات.. المفاجأة ان من بين هذه الخدمات.. خدمة قراءة الفنجان. فسألنا عن ذلك فقال النادل: كل مساء جمعة تأتي إلى المقهى فتاحة ومطرب، ولكن ان أردتم زيارتنا يجب الحجز مسبقا وفاتورة الدخول قبل الشرب 7 دولارات.

هذا ما تم بالفعل، تم الحجز مسبقا، لثلاثة أشخاص وكان الموعد الساعة العاشرة والنصف ليلا.

«وصلنا الكوفي شوب على العاشرة، من دون ان نعلم ان الموعد دقيق كمواعيد عيادات الأطباء فبقينا ثلاثتنا واقفين حتى حان الموعد فشربنا القهوة، ثم انتظرنا موعد «الفتاحة» نصف ساعة.

كانت امرأة في العقد الثالث من عمرها، سلمت وجلست على الكرسي الرابع الموجود على الطاولة، ثم سألتنا إن كنا ما زلنا نريد قراءة الفنجان، فأجبناها بنعم.

قالت أشياء، ثم طلبت منا دفع نحو 5 دولارات على الفنجان الواحدة، وانصرفت. وعلى حد تعبير المحامي محمد خوالدة فانه لم يسمع طوال فترة عمله في المحاماة ان أي محكمة حاكمت شخصا لقراءته الفنجان.

واعتاد الأمن العام على الإعلان عن تحركاته ضد مشعوذات في عدد من المناطق كان آخرها القبض على سيدة ارتكبت قضايا احتيال عن طريق الشعوذة، بإيهام ضحاياها ان بمقدورها أن تجلب لهن الحظ وتشفيهن من الأمراض النفسية وذلك بواسطة مواد خاصة وطقوس معينة كانت تقوم بها مقابل مبالغ مالية عالية جداً.

وفي حينه قال الناطق الإعلامي باسم المديرية الرائد محمد الخطيب أنه بناء على الشكوى المقدمة من إحدى السيدات بتعرضها للاحتيال من قبل المشعوذة التي أوهمتها بقدرتها على شفاء ابنتها من مرض نفسي كانت تعاني منه على أن تدفع الضحية مبلغ «13» ألف دينار، ولكن ابنتها ظلت على حالتها النفسية دون تحسن، ورفضت المشعوذة إعادة أي جزء من المبلغ للضحية.

ولا فرق في ممارسة الظاهرة بين متعلم وغير متعلم. تقول دكتورة في علم الاجتماع لم تشأ ذكر اسمها، عندما مرض ابنها ولم تجد إجابة شافية من الأطباء حملته على أحد المشعوذين.

وقد خسرت كثيراً من أموالها فيما تعرض ابنها للضرب المبرح كأسلوب علاج. يقول الدكتور حسين الخزاعي ان المشعوذين يحسنوا تسويق أنفسهم فمنهم فائقي الذكاء والخبرة في مقابل «زبون» ضعيف الشخصية، ضعيف الثقافة، من السهل التقاطه.

عمان ـ لقمان اسكندر