في بداية الأمر، قبل اسابيع، تعاملت واشنطن مع خيار التحاور مع طالبان؛ على أنه موضع خلاف مع الرئيس حميد قرضاي، الذي كان بادر إلى طرحه. لكن قبل أيام، كانت ادارة أوباما أول من سارع إلى مباركة هذا التوجه وتشجيعه. وتبيّن أنها عملت على تسهيله، ميدانيا. وربما كانت ضالعة من الأساس، في هندسته بالرغم من التباين الذي بدا مع كابول؛ والذي ربما كان من دواعي الإخراج. قرار من هذا العيار، لا بدّ وأن يكون قد أخذ وقته وجرى طبخه في ضوء كافة معطياته وظروفه.

في الواقع، هذا الخيار كان اعتماده شبه محتوم. فمنذ فترة وحديث المحللين والخبراء في واشنطن وحتى العسكريين منهم، بأن الحسم العسكري الناجز، في أفغانستان، غير وارد. تفوق القوة النارية لوحدها، غير قادر على تحقيق النصر التام، لأسباب كثيرة متداخلة؛ تبدأ من خصوصية الساحة الأفغانية وتنتهي بتعقيداتها الاقليمية المستعصية.

حتى تحقيق اختراق عسكري بالحد الذي يسمح بترجمة وعد الرئيس اوباما بمباشرة سحب القوات مع مطلع الصيف المقبل؛ غير مضمون. بل هو مستبعد. على الأقل، لأن المدة غير كافية. وكان من الملاحظ في الآونة الأخيرة أن خطاب واشنطن كما كابول، طرأ عليه تغيير. بدا وكأنه يؤشر إلى اعادة تموضع. صار التركيز على بناء الدولة القادرة على منع عودة طالبان إلى الحكم، بدلا من الحديث عن ترسيخ الديمقراطية. وتراجع الكلام عن احتمال نقل الجنرال بترايوس لتجربته في العراق إلى أفغانستان بعد تسليمه قيادة قوات الناتو هناك.

حتى ذكر تنظيم القاعدة، غاب عن التداول. من جهته، تراجع الرئيس الأفغاني عن شروطه لفتح حوار مع حركة طالبان. ما عاد مطلوب تخليها المسبق عن السلاح واعترافها مقدما بالدستور. وحتى الحركة نفسها، أو بعضها، بلعت شرط انسحاب القوات الأجنبية أولا؛ قبل الدخول في أية مفاوضات. وقد توقف المراقبون عند كلام الرئيس الأفغاني السابق، برهان الدين رباني؛ عندما قال بأن «هناك في صفوف طالبان من يريد الحوار».

مؤشرات لمسرح أفغاني جديد، قيد التكوّن. لغة «المصالحة» و «الشراكة» في الحكم، صارت عنوان الخطاب ولو مع حرص المسؤولين على ابدأ الحذر والتحفظ الشددين. لكن الادارة في الواقع، تعمل في هذا الاتجاه وعلى خطين متوازيين: احتضان الحوار بين لجنة التفاوض وقيادات من طالبان، وبنفس الوقت تعنيف العمليات العسكرية على شكل غير مسبوق، خاصة في قندهار والجنوب، ضد مقاتلي طالبان. من جهة اغراء.

ومن جهة أخرى انهاك. مراهنة واشنطن، أن هذا الثنائي قد يؤدي إلى تفكيك الحركة، من خلال انسلاخ بعض اجنحتها عنها. أو ربما خلخلة عزمها وبما يؤدي إلى رجحان كفة التفاوض وانضمام معظم القيادات إلى هذا الخط. ويشار في هذا الصدد، أنه كما في طالبان عناصر متشددة ترفض حتى فكرة التحاور، هناك أيضا قوى قد تكون «تعبت» من الحرب. وربما هذه هي التي عناها ربّاني في ملاحظته.

لكن ثمة من يرى أن هذه المراهنة، أقرب إلى المجازفة. فحتى لو توفر الاستعداد للحوار والمشاركة في صيغة حكم ما، لدى أطراف معينة في طالبان؛ فان القوى المؤثرة في المحيط وبالتحديد باكستان، لن تسمح بذلك طالما هي خارج الصفقة. تقارير أميركية ذكرت أنه قبل فترة، عرفت الاستخبارات الباكستانية، بتواصل سرّي حدث بين قيادات من الحركة ومسؤولين في كابول؛ فكان الرد بتوقيف أكثر من عشرين من قيادات طالبان المقيمين في باكستان.

البديل الآخر الذي يتردد ذكره هو الحل الإقليمي. صدر أكثر من رأي ودراسة في هذا الخصوص، كلها تدعو إلى إشراك الدول المجاورة والمؤثرة في معادلات وتوازنات المنطقة. وبالتحديد ، روسيا والصين والهند وطبعا باكستان وإيران، فضلا عن دول مجلس التعاون. كل منها له مصلحة في استتباب الوضع في أفغانستان. الدعوة لإشراك الجوار، تتزايد.

القناعة السائدة في واشنطن، أن التفاوض هو المخرج الإجباري، في نهاية المطاف، لحرب أفغانستان. البديل إقامة مديدة لا يحتملها الأميركيون. الخطر أن لا يصح الحوار بصيغته الحالية. حظه أوفر بتوسيعه، حسب المتداول في هذا الشأن. خاصة وأن أوباما مستعجل على الخروج. لكن الوقت ضاغط. معه فقط عشرة أشهر. بعدها تنهي الحرب عامها العاشر. الرقم عشرة يذكّر بالورطة السوفياتية وكوابيسها.

واشنطن - فكتور شلهوب