بفعل عوامل محليّة وخارجية عدّة، شهدت الساحة السياسية في لبنان خلال الأيام الماضية ارتفاع منسوب التهدئة الداخلية، والتي تبدو أقرب الى كونها فرصة لكسب الوقت و«التقاط الأنفاس»، أكثر منها تعبيراً عن أن تسوية وشيكة ستحصل أو أن أفكاراً جاهزة قد تبلورت لمعالجة مأزق القرار الظنّي والمحكمة الدولية، حسب إجماع أكثر من مصدر معارِض وموالٍ.

وفي حين لا يزال «الترقّب» موقفًا تتقاطع عنده أجواء مجمل الأفرقاء اللبنانيين المتأهّبين لالتقاط إشارات الـ «س.س» وانعكاساتها لبنانياً، فقد أعطت القمّة الأخيرة التي جمعت الملك عبدالله بن عبدالعزيز والرئيس بشار الأسد في الرياض دفعاً لمساعي التهدئة الداخلية ، في انتظار البحث عن المعالجات بعيداً عن أجواء الاحتقان، أكد مصدر مطلع على أجواء القمة السورية السعودية ل«البيان» أن الاتصالات الإقليمية والدولية التي جرت على أكثر من مستوى أفضت الى تأجيل صدور القرار الظني، مبدئياً حتى ما بعد نهاية العام الحالي، وربما حتى نهاية شهر مارس المقبل. فيما ذكرت معلومات أخرى أن الأميركيين يدفعون في اتجاه صدور هذا القرار في وقت قريب لا يتعدّى الشهر.

تجاوز ملف شهود الزور

وبين استحالة الحلّ وصعوبة الانفجار، والذي بات واقع المشهد السياسي الحالي في لبنان، أتاحت التهدئة الظرفيّة التي طبعت بطابعها أجواء جلسة مجلس الوزراء اللبناني، أول من أمس، تجاوز «مطبّات» ملفّ شهود الزور، بعدما تقرّر مجدّداً تأجيل البحث فيه إلى جلسة لاحقة، في انتظار إيجاد صيغة توافقيّة حول المعالجة القضائية، في ظلّ موقف المعارضة المتشبّث بإحالة الملف إلى المجلس العدلي ورفض قوى 14 آذار هذا المطلب.

وكان استرعى الانتباه ما قاله رئيس الجمهورية ميشال سليمان، عن ملف شهود الزور، من أن «القرار السياسي اتخذ بملاحقة شهود الزور، ولكن تبقى هناك وجهتا نظر: واحدة تقول بالإحالة على المجلس العدلي، وأخرى تقول بترك الموضوع للقضاء العادي. وأنا منفتح على أي اقتراح آخر، وسأتابع الموضوع بإجراء اتصالات مع القوى السياسية من أجل بلورة موقف موحّد».

كما كانت لافتة، أيضاً، الهدنة التي رسّخها الرئيس سعد الحريري على طاولة مجلس الوزراء، عندما صارح الوزراء بوجدانية قائلاً: «لو كان والدي حياً، لرفض إراقة الدماء، وهذا ما أرفضه أنا أيضاً.. لذا، علينا العمل لتفادي الفتنة، خصوصاً المذهبية منها، ومعالجة الأمور بالحوار والمحافظة على الاستقرار لإبعاد أي فتنة داخلية».

إلى ذلك، عكست زيارة مطلِق شعار ال«سين سين»، رئيس مجلس النواب نبيه بري الى دمشق، أول من أمس، حيث التقى الرئيس بشار الأسد، أجواءً مريحة حول مسار العلاقة السورية السعودية وتأثيرها الإيجابي على الوضع اللبناني، إذ إن لقاء بري مع الأسد «منح رئيس المجلس زخماً سياسياً، من أجل تفعيل تحرّكه نحو المساهمة في تكريس التهدئة في المشهد اللبناني»، حسب تأكيد مصدر مقرّب منه ل«البيان».

هو مشهد يدعو الى طرح أكثر من علامة استفهام حول ما ينتظره لبنان في أيامه المقبلة، وهو حراك إقليمي ودولي مكثّف، شهده لبنان في الأيام الأخيرة وكانت الرياض أحد أبرز محاوره، ما يعني، وحسب أكثر من مصدر سياسي لبناني، أن خلطاً للأوراق يحصل، وأن شيئاً ما استجدّ واستدعى هذا الاستنفار.

فبعد زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الى لبنان، ومحطته في الجنوب، وما تسبّبت به من ردود فعل إسرائيلية وأميركية، انتقل رئيس الحكومة سعد الحريري الى الرياض في زيارة وصفتها أوساطه ب«العائلية»، لتعلن بعدها المملكة عن قمة سورية سعودية، سرعان ما تبيّن أنها تزامنت أيضاً مع زيارة مماثلة للرياض قام بها مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط جيفري فيلتمان، الذي عاد وانتقل الى لبنان سريعاً في زيارة أجمعت الأوساط اللبنانية على وصفها ب«المفاجئة».

اتصال هيلاري

وفي خضمّ هذه التطوّرات، مجتمعة، كان لافتاً الاتصال الهاتفي الذي أجرته وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بالرئيس سليمان، ليل أول من أمس واذا كانت زيارة الرئيس السوري بشار الأسد للرياض أعطت دفعاً داخلياً باتجاه إعادة الاعتبار لثلاثيّة بعبدا:

القمّة اللبنانية السورية السعودية التي انعقدت في 31 يوليو الفائت، وبالتالي التزام مفاعيل التوافق السوري- السعودي، فإن زيارة فيلتمان الخاطفة إلى لبنان أعادت أجواء الحذر الشديد.

بدورها، أدرجت أوساط «قوى 14 آذار» زيارة فيلتمان في إطار الصراع الأميركي الإيراني الذي «انتقل بشكل صارخ الى الساحة الداخلية اللبنانية، مما سيعقّد الأمور ويجعل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والقرار التهامي المتوقّع صدوره قبل نهاية العام الجاري، ذريعة لتأجيج الخلافات بين طرفَي النزاع، وإحراج الرئيس الحريري أكثر».

بيروت - وفاء عواد