مع تفاقم الجمود السياسي في العراق، تتدخل إدارة الرئيس الأميركي الآن علانية وبنفاد صبر واضح، للضغط على الأطراف المتنافسة للتفاهم فيما بينها وتشكيل حكومة وحدة وطنية ائتلافية، تضم كل الأطراف الرئيسية. وقلق واشنطن له وجهان.

في المقام الأول، ينتظر صانعو السياسات الأميركيون بكثير من القلق رؤية حكومة عراقية فاعلة وناجحة، حتى تتمكن واشنطن من الدفع باتجاه اتفاق يسمح ببقاء عشرات الآلاف من القوات الأميركية، بعد انتهاء الموعد النهائي الرسمي لانسحاب كامل للقوات الأميركية من العراق بنهاية العام المقبل.

كما تحتاج واشنطن إلى شريك في المفاوضات، من أجل التوصل إلى اتفاقات تسمح لشركات الطاقة الكبرى التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها باستغلال مصادر النفط العراقية.

ثانيا، تتمسك وزارتا الخارجية والدفاع الأميركيتان، بتصميم شديد، بمنع أي حكومة عراقية من التماهي مع قوى خارجية إقليمية وتدعيم نفوذها في العراق. وقد تزايدت المخاوف من وصول نظام كهذا إلى السلطة في بغداد منذ الإعلان أخيرا عن تفاهم بين رئيس الوزراء نوري المالكي وحركة مقتدى الصدر.

وفي السابق، كان الصدر من أشد معارضي المالكي، الذي تبنى هجوما عسكريا بقيادة الولايات المتحدة في العام 2008، لدحر الميليشيا العسكرية التابعة لحركة الصدر. وبدا أن هذا التحول ربما يكون حدث بسبب تدخل قوى إقليمية خارجية. كما تردد أن الصدريين طلبوا في المقابل الحصول على الوزارات الأمنية، فضلا عن عدد محدد من الوظائف الحكومية المهمة.

ونقل عن مسؤولين عراقيين مطلعين على المفاوضات الجارية لتشكيل الحكومة أن «الإدارة الأميركية حصلت على تطمينات، كانت قد طلبتها، بأن رئيس الوزراء نوري المالكي لن يمنح أنصار الصدر مناصب قيادية في قوات الأمن العراقية، مقابل تأييدهم بقاءه في منصبه لفترة ثانية».

ومارست الإدارة الأميركية ضغوطا هائلة على المالكي لتحجيم نفوذ حركة الصدر، التي حققت مكاسب مهمة في انتخابات مارس الماضي، بفوزها ب39 مقعدا، نتيجة دعوتها لنهاية فورية للوجود الأميركي في العراق.

وقال السفير الأميركي جيمس جيفري، في مؤتمر صحافي في بغداد، أخيرا.

إن:«المشكلة التي نراها، ويراها الآخرون هنا، وأحب أن أشدد على أن الآخرين يرونها هنا، هي أن هناك عدم وضوح بشأن ما إذا كانت حركة الصدر حركة سياسية أو ميليشيا مسلحة، تقوم بمهام سياسية من خلال استخدام العنف. والنظام الديمقراطي لا يسمح بذلك».

لم تسفر انتخابات مارس الماضي عن فائز واضح حيث فازت «القائمة العراقية» المكونة من تحالف أحزاب عدة، بزعامة إياد علاوي، الذي عينته سلطات الاحتلال رئيسا مؤقتا للوزراء في العام 2004، بالعدد الأكبر من المقاعد، محرزة 91 مقعدا من مقاعد البرلمان البالغة 325 مقعدا.

وفي حين أعلن علاوي حقه في تشكيل الحكومة، فإنه فشل في تحقيق أغلبية كافية، ولم يثبت قدرته على إقناع أطراف أخرى بتشكيل حكومة ائتلافية فاعلة. وفاز «ائتلاف دولة القانون» بزعامة المالكي ب89 مقعدا، لكنه يتحرك نحو تشكيل حكومة ائتلافية مع فصائل أخرى.

الآن تضغط واشنطن من أجل إشراك «العراقية» في الحكومة المنتظرة. لكن زعماء القائمة أطلقوا إشارات متضاربة خلال الأيام الماضية. فقد أعلن علاوي في تصريحات لصحيفة «وول ستريت جورنال» استعداده للتفاوض بشأن حكومة الوحدة الوطنية إذا كانت كل المناصب متاحة للجميع، بينما طرح آخرون استعدادا لبقاء المالكي في رئاسة الوزراء.

بشرط الحصول على نفوذ كبير في الحكومة الجديدة. وقال الشيخ عدنان الدنبوس، وهو عضو بارز في «العراقية» لوكالة أسوشيتد برس: «لا نمانع في أن يكون المالكي رئيسا للوزراء، ولكن يجب أن تكون لنا كلمة في صنع القرار».

ولكن ليس من الواضح على الإطلاق كيف سيتم تحقيق ذلك. فالأحزاب الكردية التي أحرزت 57 مقعدا تسيطر على منصب الرئيس الذي يشغله حاليا الرئيس جلال طالباني، وألمحت إلى أنها لا تنوي التنازل عنه.

ويبدو من المرجح أن مفاوضات الكواليس الجارية حاليا لتشكيل حكومة عراقية جديدة ستستمر لبعض الوقت.

وليس من المضمون أن ينجح علاوي في تمثيل مؤيديه من خلال حكومة يسيطر عليها المالكي وأنصاره، حيث ان نفوذه في مثل هذه الحكومة سيكون اقل مما حازه في الحكومة السابقة. كما أن ثقة أنصار علاوي بالمالكي باتت أقل مما مضى، بعد سجن الكثير من زعمائهم خلال السنوات الماضية.

احتمالات شائكة

قال مراسل «نيويورك تايمز» في بغداد خلال محاضرة في جامعة «وسط أوكلاهوما» إن «هناك الكثير من اللغط عن احتمال حدوث انقلاب عسكري في العراق، يتوقع أن يقوم به الجيش». وقال: «أعتقد أن هناك الكثيرين في العراق يعتقدون أن الوضع بات لا يحتمل.

وهناك قدر هائل من الاستياء إزاء الطبقة السياسية في العراق». وكانت توقعات حدوث انقلاب عسكري في العراق قد ظهرت منذ العام الماضي، من خلال كتاب للاسترالي توماس ريكس، نقل فيه عن جنرال أميركي قوله إن كل الظروف الكلاسيكية للانقلاب متوفرة في العراق.

بقلم: بيل فان أوكين