كلما ازدادت معلوماتنا عن كيفية بداية حرب العراق، زاد الأمر سوءا. فبرغم كل ما عرفناه من قبل، تتكشف الآن معلومات سرية جديدة من سجلات حكومتي الرئيس الأميركي السابق جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، لتلقي مزيدا من الضوء على المكائد التي افتعلتها الحكومتان قبل الحرب لإشعالها والدخول فيها.

المعلومات الجديدة تأتي في شكل سلسلة وثائق من ثلاث حلقات، يقدمها أرشيف الأمن القومي الأميركي، مع تحليل متعمق من جانب مديري مشروع أرشيف العراق، الذي أشارك فيه مع جويس باتل والصحافي البريطاني كريستوفر أميس. وتفصل الوثائق القضية بطريقة غير مسبوقة.

يظهر التحليل أن إدارة بوش تخلت سريعا عن الحلول الدبلوماسية، لوقف المغامرات العراقية من خلال العقوبات، وأنها لم تكن لديها أي خطة بديلة لذلك باستثناء الحل العسكري. كما أنها غررت بحليفها البريطاني من خلال تضليل الرأي العام على جانبي الأطلسي لحشد الدعم للحرب.

الجديد أن المعلومات هذه المرة تأتي من خلال سجلات سرية حكومية وليس من خلال تسريبات صحافية، أو تصريحات للمحافظين الجدد.

وتكشف الوثائق أنه بعد مرور ثلاثة أيام فقط على تولي إدارة بوش، أُبلغ وزير الخارجية آنذاك كولن باول بأن تغيير النظام العراقي سيكون على رأس أولويات سياسة بوش.

وتظهر نية إدارة بوش في المضي في طريقها باستخدام التضليل الإعلامي، إذا لزم الأمر، من خلال تصميمها على استغلال الفائدة المتوقع تحققها من إشاعة أخبار مصادرة بعض أنابيب الألومونيوم في العراق في صيف العام 2001، وحتى قبل اكتمال أي تقييم فني لإمكانية استخدامها في إنتاج أسلحة دمار شامل.

وأصدر وزير الدفاع الأميركي آنذاك، دونالد رامسفيلد، أول توجيهاته بشأن خطط الحرب مع العراق إلى هيئة الأركان المشتركة في 29 سبتمبر 2001، أي بعد أيام قليلة من أحداث 11 سبتمبر، عندما كانت أولى فرق الاستخبارات الأميركية لم تكد تصل إلى أفغانستان، وقبل أن تبدأ واشنطن قصف تلك الدولة.

وابتداء من ديسمبر 2001، شرعت القيادة المركزية الأميركية في مراجعة وتنقيح خطط للهجوم، في ظل تشجيع متواصل من جانب رامسفيلد.

وفي حين لا يوجد دليل مسجل على أن بوش اتخذ قرارا مدروسا بالحرب في ذلك الوقت، فإن كل لقاءات البيت الأبيض و«بنتاغون» كانت تهتم بدفع جهود الحرب قدما، بغض النظر عما إذا كانت هذه الحرب مناسبة لأميركا وحلفائها أم لا.

وكانت كل المناقشات تصب في اتجاه دعم مشروع الحرب. علاوة على ذلك، انخرطت الإدارة الأميركية في اتخاذ إجراءات للتهرب من التدقيق بشأن نواياها، حيث دأب بوش على الزعم بأنه «لا توجد خطط للحرب على مكتبه».

وقد أظهرت شهادات ضباط بريطانيين كبار أمام لجنة التحقيق البريطانية في حرب العراق (لجنة تشيلكوت) أن واشنطن أبقت بريطانيا، وهي أكبر حلفائها، بعيدة عن خطط القيادة المركزية للحرب، إلى أن أصبحت «عملية حرية العراق» قيد التنفيذ. كما تظهر تحقيقات لجنة تشيلكوت أن بلير وافق في اجتماع مع بوش، في كراوفورد في إبريل 2002، على المشاركة في الحرب، إذا توفر لها التأييد الدولي.

ويظهر ضعف التزام إدارة بوش باحترام الأمم المتحدة من خلال تدخل كل من بلير وباول مرات عدة للتأكد من أن بوش سعى للحصول على قرار من مجلس الأمن الدولي. وبغض النظر عن كفاية القرار الصادر عن المجلس لتبرير شن الحرب قانونيا، فإن تمنع إدارة بوش عن احترام تعهداتها في هذا الصدد يقدم دليلا إضافيا على نواياها الأساسية.

ويكمن أحد الجوانب الرئيسية للدفع نحو الحرب في التركيز الشديد على تشكيل وتوجيه الرأي العام. وتظهر الوثائق الجديدة أن التواطؤ الأميركي البريطاني في تضخيم «التهديد» العراقي للعامة كان على أشده. كما تظهر أن خبراء الدعاية ولي الحقائق في حكومة بلير كان لهم دور أكبر بكثير مما يعتقد في تدبيج ما يسمى «الملف البريطاني عن العراق»، الذي يعتقد انه مجرد منتج استخباري.

حياة في الوثائق

جون برادوس باحث ومؤرخ وخبير أميركي اختصاصي في شؤون الأمن القومي، ويعمل في أرشيف الأمن القومي الأميركي. له كتابات عدة عن تأثير السياسات الأميركية في أمنها القومي. وكان قدم بالوثائق الدامغة عدم مصداقية مزاعم الإدارة الأميركية بشأن أسلحة العراق المحظورة. كما فند أكذوبة العلاقات بين نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين وتنظيم القاعدة.

وصدر له أخيرا عن جامعة كانساس الأمريكية كتاب «فيتنام.. تاريخ حرب مستحيلة 1945-1975». ويحاول بين دفتيه إعادة تقييم حرب فيتنام من خلال مجموعة كبيرة من الوثائق التي رفعت السلطات الأمريكية عنها صفة السرية قبل فترة وجيزة.

ويحلل برادوس آراء مدرستين فكريتين حول حرب فيتنام، الأولى تقدّم الرواية الملقنة في المدارس، والتي تؤكد أن الحرب كانت سيئة، وأدت إلى هزيمة أميركا، والثانية ترى أن المعسكر الأميركي حقق نجاحات كبيرة في فيتنام على عكس ما يشاع.

بقلم: جون برادوسو

ترجمة: عصام بيومي