تفيد الإحصاءات الرسمية الأميركية بأن أكثر من ثلث عدد القتلى الأميركيين في العراق قتلوا في محافظة الأنبار وان ثلثهم قتلوا في بغداد بينما كان عدد القتلى في بقية المحافظات العراقية مجتمعة، اقل من الثلث.
وكانت أعلى النسب في المحافظتين الكبريين، سجلت في الفترة من 2004 إلى 2006 ما يعني أن المقاومة للاحتلال كانت في ذروتها في هاتين المحافظتين، وهذا ما اقتضى تغييرا جذريا في الاستراتيجية الأميركية بهدف عزل تنظيم «القاعدة» عن حاضنته التي كانت بالأساس متذمرة من ممارسات القاعدة في الكثير من الأمور الحياتية.
سكانياً، وبحكم قوة «القاعدة» انخرط الكثيرون في صفوفها، وخاصة من الذين يحتاجون الحماية، لأعمال غير مشروعة يقومون بها كالتهريب وتجارة السلاح أو لمجرد الشعور بالحاجة إلى الحماية.
وكذلك الحاجة المادية وحتى «للتباهي» بالسلاح الذي يحملونه، ما جعل «حواشي القاعدة»، أكثر بكثير جدا من تنظيم «القاعدة»، وهو الأمر الذي تنبه له الأميركيون من خلال اجتذاب هذه الحواشي عن طريق بعض شيوخ العشائر أو حتى من قبل أشخاص كانوا ضمن «القاعدة» واختلفوا معه لأسباب شتى.
وعمد الأميركيون في هذا النهج إلى البذخ المادي لشراء المتعاونين وخاصة من العاطلين عن العمل.
وقد يكون تاريخ 17 سبتمبر 2006 الذي أعلن فيه الشيخ عبدالستار أبوريشة رسميا تأسيس مجلس صحوة الأنبار، يصلح من الناحية النظرية ليكون تاريخاً لانطلاق هذه الظاهرة. التي تفاعلت معها عوامل قبل هذا التاريخ.
ويقول مسؤولون أميركيون في العراق إن 90 في المئة من أفراد «الصحوات» كانوا من «القاعدة» أو من مؤيديه، وهي نسبة مبالغ فيها كثيرا مع الأخذ بالمنطلقات الأميركية، التي تطلق اسم «القاعدة» على كل فصائل المقاومة، وكل العناصر المسلحة وحتى غير المسلحة المناوئة للاحتلال.
إلا أن مفاد القول هنا هو إن دمج عناصر الصحوات بالقوات الحكومية، يفترض، حسب الحكومة العراقية، دراسة ملفاتهم الأمنية، لاستبعاد الذين كانوا من «الإرهابيين» ومحاكمتهم، وهم هنا نفس العناصر التي تصالحت أو تعاونت مع الأميركيين بعد أن كانت في حالة حرب معهم في وقت ترى الحكومة أنهم ما زالوا من المتهمين بحمل السلاح على الرغم من «العفو» بينهم وبين قوات الاحتلال.
ما يعني ان هؤلاء يبقون ملاحقين بعد رفع الغطاء الأميركي عنهم، وبالتالي توفير الأجواء المناسبة لعودة دوامة العنف التي يجيد الأداء فيها عناصر «القاعدة» ومن كانوا مؤيدين لهم.
ويرى المتابعون للشأن العراقي إن مجالس الصحوة، وتسليحها، بهذا العدد (أكثر من 100 ألف) كان أيضا ورقة ضغط ومناورة بيد إدارة الاحتلال لإجبار الحكومة من جهة على تقديم المزيد من التنازلات والتبعية السياسية وذلك من خلال تهديدها بدمج هذه القوّات بوزارتي الدفاع والداخلية.
وهذا ما لا تريده الحكومة، حيث إنها تتفادى تسليح العشائر كونها لا تضمن ولاءها المستقبلي، ومن جهة أخرى إجبار القوى السياسية المحسوبة على السنّة على تقديم المزيد من التنازلات والتبعية السياسية.
إلا أن الإدارة الأميركية لم تتنبه إلى المخاطر المستقبلية وفي مقدمتها تثبيت فكرة أن الاحتلال لا أصدقاء له. وهذا يعني بالمحصلة أن أي خلل سياسي يمكن أن تستغله الحركات المسلحة لاستعادة نفوذها، وهو ما يحصل الآن فعلا، إذ ان الحركات المسلحة بدأت تستفيد من أخطائها السابقة لاستعادة «حاضنتها».
بذخ أميركي
يتقاضى آمر الفوج في «الصحوات» مبلغا قدره 1500 دولار أميركي شهرياً دون المكافآت الأخرى، فيما يتقاضى آمرو السرايا 1000 دولار شهرياً.
أما آمرو الفصائل والمتطوعون الآخرون فتتراوح رواتبهم بين500-800 دولار إضافة إلى أرزاق يومية للجميع بثلاث وجبات (سفريّة)، أما الذين يكلفون بالواجبات غير الثابتة فيصرف لهم بدل قيمته 300 دولار فيما يتقاضى «الشيوخ» مبالغ غير محددة.
ظاهرة اجتماعية
يرى العديد من المراقبين أن الصحوات التي أخذت حيزا كبيرا من الساحة السياسية العراقية، لا يمكن اعتبارها ظاهرة سياسية يمكن البناء عليها وإنما يمكن وصفها بأنها «ظاهرة اجتماعية» تم توظيفها سياسيا لخدمة مرحلة، من قبل طرف ما وهي معدة، وتم تصنيعها للاستخدام لمرة واحدة، وتتلاشى كوسيلة بعد إن يتم استنفادها.
بغداد ـ عراق أحمد