اعتبر المشهد اللبناني في هذه الفترة مشهدا يدعو إلى طرح أكثر من علامة استفهام حول ما ينتظره لبنان في أيامه المقبلة.. فبعد زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى لبنان، ومحطته في الجنوب، وما تسبّبت به من ردود فعل إسرائيلية وأميركية، انتقل رئيس الحكومة سعد الحريري إلى العاصمة السعودية الرياض في زيارة وصفتها أوساطه ب«العائلية»، لتعلن بعدها المملكة عن قمة سورية سعودية.

سرعان ما تبيّن أنها تزامنت أيضاً مع زيارة مماثلة للرياض قام بها مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط جيفري فيلتمان، الذي عاد وانتقل إلى لبنان سريعاً في زيارة أجمعت الأوساط اللبنانية على وصفها ب«المفاجئة».

حراك إقليمي ودولي مكثّف، شهده لبنان في الأيام الأخيرة وكانت الرياض أحد أبرز محاوره، ما يعني، وحسب أكثر من مصدر سياسي لبناني، أن خلطاً للأوراق يحصل، وأن شيئاً ما استجدّ واستدعى هذا الاستنفار الدبلوماسي الذي تجلّى في لقاء الأسد - عبدالله، والمشاورات السعودية المصرية.

وزيارة الرئيس الإيراني للبنان، والقمّة القريبة بين الرئيس ميشال سليمان والرئيس الأسد، وصولاً إلى الجولة التي قام بها فيلتمان على القاهرة والرياض، مروراً ببيروت التي زارها بشكل مفاجئ.

مفاعيل القمة الثلاثية

وإذا كانت زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى الرياض أعطت دفعاً داخلياً باتجاه إعادة الاعتبار لثلاثيّة بعبدا (القمّة اللبنانية السورية السعودية التي انعقدت في 31 يوليو الفائت)، وبالتالي التزام مفاعيل التوافق السوري السعودي، فإن زيارة فيلتمان الخاطفة إلى لبنان أعادت أجواء الحذر الشديد.

كما رسمت أكثر من علامة استفهام حول فحوى الرسالة التي حملها الى لبنان في ظلّ أكثر من إشارة سلبية تجلّت في شكل المؤتمر الصحافي الذي عقده في مطار بيروت الدولي ومضمونه الذي أشار بوضوح إلى نيّة الولايات المتحدة إجهاض مفاعيل زيارة نجاد إلى لبنان الطويلة الأمد، خصوصاً لجهة عملية تسليح الجيش اللبناني، وهذا ما أشار إليه بوضوح من خلال التأكيد على حصريّة الدور الأميركي في مساعدة الجيش.

وفي هذا السياق، أشار مصدر دبلوماسي مواكِب للحركة التي تدور في المملكة العربية السعودية ل«البيان» إلى أن الرياض باتت أكثر من أي وقت مضى «مقتنعة بضرورة إيجاد حلّ لأزمة المحكمة الدولية، وهي أبلغت دمشق رغبتها هذه وطلبت منها المساعدة في تدبير مخرج مشرّف لسياساتها الخارجية ولحلفائها في لبنان، ما أدّى الى ترتيب القمة الثنائية وجدول أعمالها الذي ضمّ بنودا عدّة.

أبرزها الوضع في العراق ومسار تشكيل الحكومة فيها فضلاً عن تداعيات زيارة الرئيس نجاد الى لبنان والأزمة المتفاقمة في لبنان على خلفية المحكمة الدولية وقرارها الظني، إضافة إلى العلاقات المقطوعة والمتوترة بين حليفها رئيس الحكومة سعد الحريري والإدارة السورية».

وحسب المصدر الدبلوماسي، تقصّدت واشنطن إيفاد فيلتمان إلى الرياض فيما يشبه «التحذير من مغبّة تسليم ورقة المحكمة لدمشق أو طهران، وبالتالي تجييرها لحزب الله الذي سيربح حينها معركته ضدّ المجتمع الدولي برمّته..

إلا أن ثبات الموقف السعودي المتّجه لصرف اهتماماته باتجاه العراق دفع بفيلتمان للتوجّه إلى لبنان بهدف إحداث تأثير ما، ما يفسّر اقتصار جولة اتصالاته على الرئيس ميشال سليمان والنائب وليد جنبلاط، دون سواهم من الفاعليات المعنية بمسار الأزمة، ما خلا الاتصال الهاتفي العابر شكلاً برئيس حزب الكتائب أمين الجميل.

وبالاستناد إلى هذه القراءة، أشار مصدر سياسي معارِض ل«البيان» إلى أن زيارة فيلتمان إلى لبنان لم تكن بريئة على الإطلاق، ولا هي جاءت في سياق إبلاغ الرئيس سليمان دعم الولايات المتحدة لسيادة لبنان.

بل لتسويق كلمة سر قد تعيد الوضع اللبناني إلى المربع الأول، لافتاً إلى طبيعة شخصية المسؤول الأميركي الذي «لم ينجح في نسج خيوط تفاهم مع جميع اللبنانيين، حين تولّى مسؤولية تمثيل بلاده في لبنان في الحقبة الماضية، حيث اتهمته فئة من اللبنانيين بتزكية الصراعات الداخلية».

صراع زيارات

بدورها، أدرجت أوساط «قوى 14 آذار» زيارة فيلتمان في إطار الصراع الأميركي الإيراني الذي انتقل بشكل صارخ إلى الساحة الداخلية اللبنانية، مما سيعقّد الأمور ويجعل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والقرار الاتهامي المتوقّع صدوره قبل نهاية العام الجاري، ذريعة لتأجيج الخلافات بين طرفَي النزاع، وإحراج الرئيس سعد الحريري أكثر.

ووفق المعلومات غير الرسمية، فان المسؤول الأميركي حذّر سليمان من مغبّة التعاطي مع القرار الظني قبل صدوره بطريقة غير ملائمة. فيما ذكرت معلومات أخرى أن لقاء فيلتمان والنائب وليد جنبلاط لم يكن ودياً كما أراده الأول، والذي تردّد أنه قال لجنبلاط إن «اللقاء ودّي عندك، وسياسي عند الرئيس سليمان».

إلى ذلك، ورغم الأجواء الإيجابية التي أشاعتها أنباء لقاء الرئيس السوري بخادم الحرمين الشريفين في الرياض، بدا وكأن الوضع لا يزال ضبابياً، إذ تضاربت المعلومات حول نتائج هذه القمّة.

فمنهم من رأى أنها خصِّصت للبحث في الوضع العراقي في ظل القلق السعودي من الاتفاقات الأخيرة التي أتت ناقصة بالنسبة إليها، ومنهم من قال بوجوب التريث لمعرفة الاتجاه الذي سيسلكه الوضع بعد القمة، ومنهم من اعتبر أن عدم مشاركة رئيس الحكومة سعد الحريري المتواجد في السعودية مؤشّر على أن الأمور لم تنضج بعد.

بيروت - وفاء عواد