التصويب باتجاه الجنوب، بدأ في وقت مبكر. فمنذ عام 1989 استثمرت واشنطن، ما يزيد على مليار ونصف المليار دولار،على شكل مساعدات إنسانية للسودان، نال جنوبه حصة الأسد منها. التركيز على هذا الجزء من البلاد ومنحه الأفضلية، حمل من البداية بذور اللعب على وتر الحساسيات القديمة بين طرفي البلاد، والتي تولّدت وتراكمت منذ الحرب الأهلية الأولى بين 1955 و 1972، التي بلغت كلفتها البشرية لا أقل من نصف مليون ضحيّة.
صراع نشب حول مطلب الجنوب للحصول على المزيد من الحكم الذاتي. انتهى باتفاق أديس أبابا، الذي لم يكن في الواقع سوى هدنة طويلة استمرت 11 سنة. في أواخر سنوات ذلك النزاع، كانت موسكو مصدر السلاح للخرطوم. على اثر الفتور بين العاصمتين، سارعت واشنطن، منذ اواسط السبعينات، للحلول مكانها وبدأت ببيع الأسلحة للسودان.
الغرض سدّ الفراغ لقطع الطريق على عودة السوفيات وفي الوقت نفسه محاولة لاقامة نوع من التوازن مع الجار الماركسي، أثيوبيا. استمر تزويد الخرطوم بالسلاح ليبلغ ذروته عام 1982. فجأة تراجع وتضاءل حجمه، مع نشوب الحرب الأهلية الثانية، عام 1983، بين الجنوب المطالب بالاستقلال التام هذه المرة، بقيادة جون قرنق قائد جيش التحرير الشعبي، وبين الحكومة المركزية في الخرطوم. ثم انقطع تماما، بعد حوالي ثلاث سنوات من اندلاع تلك الحرب. التوقيت، هذه المرة؛ يؤشر أيضا الى انحياز اميركي نحو الجنوب ومشروعه الانفصالي.
مع بداية عهد بوش الإبن، كانت أزمات القارة في ذروتها. حصل نقاش واسع داخل الادارة الجديدة، حول السياسة المطلوبة للتعامل مع الواقع الأفريقي. توزعت الآراء على موقفين: واحد يقوده وزير الخارجية كولن باول ويدعو الى اعتماد الحوار كسبيل لبلوغ الحلول السلمية. وآخر يقوده المحافظون الجدد، الذين دفعوا باتجاه اعتماد مسار مزدوج: من جهة العمل على احتواء الخرطوم عبر الضغوط المختلفة عليها. ومن جهة أخرى تامين كافة أشكال الدعم لحركة التمرد في الجنوب.
وتحديدا الدعم العسكري. أيضا مرة اخرى، يتحدث التوجه نحو تحقيق الانفصال، عن نفسه. ولو أن ادارة بوش لم تأخذ به آنذاك لاعتبارات متعددة؛ اقليمية ودولية. لكن الخيار الآخر الذي طرحه باول وجرى اعتماده، أدّى بالنهاية نفس الغرض. بدل العمل العسكري، قامت الدبلوماسية بالمهمة. كان المدخل تعيين مبعوث خاص: السناتور الجمهوري السابق، جون دانفورث.
مهمته كانت، العمل على التوصل لاتفاق سلام، يوقف الحرب في مرحلة أولى، ويضع صيغة لمخرج سلمي للنزاع، في مرحلة لاحقة. وهكذا كان. اتفاق نيروبي الذي جرى توقيعه في التاسع من يناير، في نيروبي، حقق المطلوب، وجد فيه كلا الطرفين المنهكين، بحرب سقط فيها حوالي مليوني قتيل؛ فرصة لالتقاط أنفاسه. من خلال الحاجة لشراء الوقت، جرى تمرير لغم الاستفتاء.
واشنطن-«البيان»
