يشهد السودان حاليا، مرحلة من أدق وأخطر المراحل في تاريخه الحديث، خاصة مع اقتراب مع الاستفتاء المقرر في يناير المقبل، والذي يحمل معه خطر انفصال الجنوب عن الشمال. هذا الخطرالمحدق بوحدة السودان، تقف وراءه قوى دولية على رأسها الولايات المتحدة الاميركية، التي باتت تستعجل هذا الانفصال المرتقب، لاحتضان دولة الجنوب المنتظرة، الامر الذي يجعل العلاقات بين واشنطن والخرطوم، تتخطى مراحل التأزيم التي شهدتها على مدى فترات جديدة، الى عهد جديد ربما يكون عنوانه الفراق السياسي الطويل.

وما لاشك فيه ان ملف السودان قفز وبسرعة ملفتة، في الآونة الأخيرة، من الظلّ أو ما يشبه النسيان، إلى واجهة الاهتمامات الأميركية. سيرته زاحمت القضايا الخارجية الساخنة المطروحة، من أفغانستان إلى إيران وباكستان، المنشغلة بها كافة الدوائر المعنية في واشنطن هذه الأيام. دنو موعد الاستفتاء بموجب اتفاق السلام لعام 2005، نقل الموضوع إلى لائحة أولويات إدارة أوباما والكونغرس والوسط الدبلوماسي ، فضلا عن المهتمين بالشؤون الخارجية، في مراكز البحوث ووسائل الإعلام، ناهيك بالأمم المتحدة، وبالتحديد مجلس الأمن الدولي.

هبّة أشبه بالاستنفار، يتقاطع خطاب أطرافها عند عدة نقاط مشتركة. على رأسها التشديد على وجوب إجراء الاستفتاء في تاريخه المحدّد بالاتفاق وعدم المساس به، تحت أي ظرف من الظروف. لا تأجيل ولا تمديد. وكأنه موعد مقدّس. توكيد، يحمل طابع العجلة. وكأن تقسيم السودان مطلب طال انتظار تحقيقه. الحماس الذي لا تخطئه العين، في هذا الخصوص، يطرح تساؤلات: ماذا لو كان هذا الاستحقاق لا يتعلّق بحالة انفصالية، في السودان، هل كان الحرص على الاستفتاء هو نفسه ؟ بل هل كان الإصرار عليه بنفس الدرجة لو كان حظ الانفصال ليس شبه مؤكد ؟.

مهمشة تاريخيا

أفريقيا إجمالاً ومن ضمنها السودان، كانت تاريخيا مهمّشة، في حسابات واشنطن الخارجية. في مرحلة ما قبل الحرب الباردة كان الاهتمام الأميركي بالقارة السوداء يدور حول محاصرة ومنع التمدّد السوفياتي، في أرجائها. بعد نهاية الحرب اكتفت واشنطن بالتعامل مع الأنظمة وتجاهلت أزمات ونزاعات بلدانها. مع إدارة الرئيس كلينتون، بدأ مدّ الجسور مع القارة، في مجالات الصحة والتعاون الأمني وتكثيف الاتصالات على أعلى المستويات.

الاعتقاد كان آنذاك، أن كون مصالح أميركا في القارة ليست استراتيجية؛ لا يعني أنها ليست هامة. خاصة على صعيد الطاقة، التي كانت الشركات الأميركية قد بدأت تدخل سوقها الأفريقية بصورة متزايدة. ثم هناك الروابط الاقتصادية الهامة بين الجانبين. إلى جانب ذلك، هناك العلاقة التاريخية التي تربط بين القارة وبين أكثر من 35 مليون أميركي من أصل أفريقي.

سياسة المبعوثين

الرئيس كلينتون قام بزيارتين لأفريقيا. في عهده بدأت سياسة المبعوثين، حيث جرى تخصيص موفد لكل أزمة. اتخذت خطوات أولية لدعم جهود التنمية. كما صدرت دعوات لخفض ديون القارة « حوالي 227 مليار دولار» ولتعزيز المساعدات. لكن كل هذا الحراك كان من العيار الهامشي؛ بدليل أن مردوده كان كذلك. كان لحماية المصالح الأميركية المتنامية في القارة. وبالذات النفطية منها. نزاعات وحروب القارة بقيت تتفاقم ونزيفها يتعاظم.

واشنطن- فكتور شلهوب