في 29 سبتمبر الماضي أقر مجلس النواب الأميركي مشروع قانون بتأييد ساحق، من جانب الديمقراطيين والجمهوريين. يقضي بمعاقبة الصين بفرض رسوم جمركية على البضائع الصينية، لإبقائها على عملتها عند معدل تبادل أقل من قيمتها المفترضة.
يبدو الجميع متفقين على أن هذه الخطوة آن أوانها. لكنها ليست كذلك. فالقانون في أحسن الاحتمالات تظاهر عبثي، وفي أسوئها ديماغوجية خطيرة. وهو لن يحل المشكلة. والأكثر إثارة للقلق، أنه جزء من تيار متنام من المشاعر المناهضة للصين في أميركا، يغفل التحدي الحقيقي الذي تفرضه المرحلة الجديدة من خطة التنمية الصينية.
ليس هناك من شك في أن الصين تبقي قيمة عملتها منخفضة حتى تمكن تجارها من بيع منتجاتهم بأسعار رخيصة في الأسواق الأجنبية، وبخاصة أميركا وأوروبا. لكن هذا عامل واحد من ضمن سلسلة من العوامل الكثيرة التي جعلت الصين القاعدة التصنيعية للعالم. ورفع بسيط لقيمة اليوان لن يكون له مفعول السحر لتغيير هذا الوضع.
الشركات الصينية تنتج الكثير من السلع بتكلفة تقل عن 25% عن كلفة تصنيعها في الولايات المتحدة. ورفع سعر هذه البضائع بنسبة 20% لن يجعل المصانع الأميركية أكثر قدرة على المنافسة (باعتبار أن عدم تدخل الصين في سعر عملتها سيؤدي إلى ارتفاعها مقابل الدولار بنسبة 20%، وهو ما سيرفع سعر منتجاتها بالقيمة نفسها).
النتيجة الأكثر ترجيحا لمثل هذا التصرف (معاقبة الصين) هي انه سيساعد الدول الأخرى، التي يعتمد اقتصادها على الأجور البسيطة مثل فيتنام وبنغلاديش، والتي تنتج البضائع نفسها التي تنتجها الصين. ومثل تلك الدول وغيرها في آسيا تبقي عملاتها منخفضة القيمة أيضا.
التحدي الحقيقي الذي تواجهه أميركا من جانب الصين ليس هو أنها ستواصل إغراق الأسواق الأميركية بالبضائع الرخيصة، بل العكس في حقيقة الأمر. الصين ترتفع في سلم القيمة الاقتصادية. ويمكن أن يشكل ذلك أكبر منافسة جديدة للاقتصاد الأميركي في المستقبل.
لقد ركزت الصين جهودها التنموية، في الجانب الأكبر من العقود الثلاثة الماضية، على بناء بنيتها التحتية. لم تكن في حاجة للاستثمار في شعبها. كانت تستهدف إنتاج بضائع بأجور بسيطة وبهامش سعر منخفض. وطالما عمل عمالها بجد وبأجور رخيصة، فقد كان ذلك هو المطلوب. لكن ظهرت الحاجة إلى جعل المصانع حديثة والطرق على مستوى عالمي، والموانئ واسعة، والمطارات عالية الكفاءة. كل ذلك تم انجازه بسرعة، وعلى نطاق لم تشهده البشرية من قبل.
الآن تريد الصين الانتقال إلى تقديم بضائع وخدمات بجودة أعلى. وهذا يعني أن المرحلة المقبلة من خطة التنمية تستوجب الاستثمار في العنصر البشري بالتصميم نفسه الذي أظهرته في بناء الطرق السريعة.
منذ العام 1998 اعتمدت الصين خطة توسع كبرى في التعليم، حيث ضاعفت ثلاث مرات المبالغ المخصصة لذلك من الناتج القومي الإجمالي. وخلال العقد التالي لذلك، تضاعف عدد الكليات في الصين، كما ارتفع عدد الطلاب خمس مرات، من مليون طالب في العام 1997، إلى 5,5 ملايين في العام 2007. وفي وقت تتداعى الجامعات في أوروبا والولايات المتحدة بتأثير خفض كبير في الموازنات، تسير الصين في الاتجاه المعاكس تماما.
إذن، ماذا يعني هذا الاستثمار غير المسبوق في التعليم لكل من الصين وأميركا؟ لقد قيم الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل من جامعة شيكاغو روبرت فوغل، تأثير العمالة المدربة تدريبا جيدا، وفيما يلي بعض النتائج.
في أميركا ترتفع إنتاجية العامل بمقدار الضعف تقريبا، عند حصوله على الثانوية العامة، وبثلاثة أضعاف حال حصوله على شهادة جامعية، مقارنة بعامل لم يكمل تعليمه الثانوي. ويعتقد فوغل أن تزايد أعداد العمال المهرة في الصين سيرفع إجمالي ناتجها المحلي إلى 123 تريليون دولار في العام 2040، لتصبح حينها أكبر اقتصاد في العالم قاطبة.
وأيا كانت تقديرات فوغل متفائلة أكثر من اللازم، فإن التحدي الحقيقي الذي تفرضه الصين هو تقدمها في سلم القيمة الاقتصادية، لتدخل مجال صناعات وخدمات كانت تعتبر حتى وقت قريب امتيازا غربيا صرفا. والرد على ذلك ليس التهديد والعقوبات، بقدر ما هو الإصلاح الهيكلي والاستثمارات الجديدة الضخمة، لجعل الاقتصاد الأميركي حيويا وعماله مهرة.
بقلم ـ فريد زكريا
