نشرت مجلة «تايم» الأميركية مقابلة مع رئيس الوزراء الصيني وين جياباو على هامش زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة، ألقى فيها الضوء على عدد من القضايا المهمة على رأسها مسألة الإصلاح السياسي في الصين، الذي أكد أنه سيواصله «في حدود قدراته» وشدد على ترادف الإصلاح السياسي والاقتصادي، ورد على المطالب الأميركية برفع قيمة العملة الصينية بالقول إن زيادة الفائض التجاري لا ترتبط بالضرورة بقيم العملات. وفيما يلي نص المقابلة:

هل تشعر أن الاقتصاد العالمي مستقر وقوي؟ أم انك قلق من أن الولايات المتحدة قد تنزلق إلى الركود من جديد؟

- أعتقد أن الاقتصاد العالمي يتعافى، وإن كانت عملية التعافي بطيئة وملتوية بعض الشيء. وآمل في تحسن سريع للاقتصاد الأميركي، لأنه الأكبر في العالم. وأحسب أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تسير في الطريق الصحيح لتحقيق ذلك.

ما الدرس الذي تعلمته من الأزمة المالية العالمية؟ هل فقدت الثقة في الإدارة الأميركية للاقتصاد الكلي؟

- الدرس الأكبر الذي تعلمته من الأزمة هو أنه عند إدارة شؤون دولة يجب الانتباه إلى المشكلات الهيكلية في الاقتصاد. لقد حققت الصين تقدما كبيرا في التنمية، لكنني من أوائل الذين حذروا من أن التنمية الاقتصادية الصينية تفتقر إلى التوازن، والتنسيق، والاستدامة. وقد عززت الأزمة المالية رؤيتي هذه. مهما كان وضع الاقتصاد الأميركي، فهو باعتقادي مبني على أساس متين. وأيا كانت العقبات فستتغلب أميركا عليها.

هل يمكن للصين أن تصبح دولة قوية وخلاقة مع كل القيود المفروضة على حرية التعبير ومراقبة الانترنت؟

- أعتقد أن حرية التعبير شيء لا غنى عنه لأي دولة. وهي أمر منصوص عليه في الدستور الصيني. وفي الصين نحو 400 مليون مستخدم للانترنت، ونحو 800 مليون مشترك في خدمات الهاتف المحمول.

ويمكنهم استخدام الانترنت للتعبير عن آرائهم بما في ذلك الآراء النقدية. واعتقادي الدائم هو أنه لا يجب إطلاق حرية التعبير فقط، ولكن يجب أيضا، وبدرجة أهم، إيجاد الظروف المناسبة لتمكينهم من تقييم عمل الحكومة. ويجب أن يتم ذلك في إطار الدستور والقانون، حتى يستتب النظام، في دولة مثل الصين بها 3,1 مليار نسمة.

يشكو الكثير من الصينيين من عدم وجود إصلاحات سياسية في السنوات الأخيرة. كيف ترى ذلك؟

- لقد لخصت مبادئي السياسية في الأفكار الأربع التالية: تمكين كل فرد من أن يحيا حياة سعيدة وكريمة. وأن يشعر كل فرد بالأمن والأمان. وأن تسود المجتمع المساواة والعدالة. وأن يثق كل فرد في المستقبل. وبرغم وجود بعض المناقشات والآراء المختلفة، وبعض المعارضة، في المجتمع، فسأواصل العمل وفق هذه المبادئ ولا أحيد عنها، وأتقدم في حدود قدراتي لإعادة الهيكلة السياسية.

لقد تحدثت عن إصرارك على مواصلة الإصلاح الاقتصادي، فهل تعتقد أن الجيل المقبل من السياسيين الصينيين سيواصلون هذا النهج؟

- أولا، حسبما يقول المثل الصيني، مثلما تتدفق أمواج نهر يانغتسي متتابعة، فإن الأجيال الجديدة ستتفوق حتما على القديمة. وأنا واثق من أن القيادة السياسية الصينية في المستقبل ستبز سابقتها. ثانيا، إن قوة الشعب هي التي تحدد مستقبل البلاد وتاريخها. لا يمكن إيقاف آمال وإرادات الشعوب. والذين سيسيرون مع التيار سيفوزون، أما الذين سيسبحون ضد التيار فسيفشلون.

أليس من مصلحة الصين السماح بتقييم أدق لعملتها؟

- هناك ثلاث نقاط في هذا الصدد. أولا، الصين لا تسعى لتحقيق فائض تجاري. فهدفنا من التجارة الخارجية هو ممارسة تجارة متوازنة ومستدامة مع الدول الأخرى. ونحن نسعى للوصول إلى توازن أساسي في ميزان مدفوعاتنا. ثانيا، زيادة الفائض التجاري لدول ما لا يرتبط بالضرورة بسعر صرف عملة تلك الدولة. ثالثا، الاختلال التجاري بين بلدينا سببه الأساسي في الأصل هيكلي.

الكثير من الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة لا يتم إنتاجها في أميركا، ولا أعتقد أن واشنطن ستستأنف إنتاجها مرة أخرى. وإذا لم تشتر واشنطن تلك المنتجات من الصين فستشتريها من دولة أخرى، مثل الهند أو سريلانكا، أو بنغلاديش. ولن يحل ذلك مشكلة اختلال الميزان التجاري بين أميركا والصين.

بكين ترفض تناول دواء لمرض أميركا

دأب الاقتصاديون الليبراليون الغربيون على ترويج فكرة اقتصاد السوق الحر على أنها العلاج الناجع لكل مشكلات العالم الاقتصادية. اقتنعت الكثير من الدول النامية بالنظرية وبدأت في تقليص دور الحكومة في المجالات الاقتصادية وتحرير أسواقها.

وكانت النتيجة هي «العولمة»، وتحكم الشركات متعددة الجنسيات دائما في دول العالم الثالث. وحقيقة الأمر أن الدول القوية لا تحتاج إلى حماية أسواقها. وإذا لم تحم الدول الضعيفة أسواقها، فسيتم سحقها من قبل الاقتصادات القوية.

لقد حمت الولايات المتحدة أسواقها، عندما كانت ضعيفة. ووصل الأمر إلى نشوب حرب أهلية لحل الخلافات الأساسية بين ولاياتها الشمالية الصناعية التي أرادت فرض رسوم جمركية عالية لحماية صناعتها الناشئة آنئذ، وبين الولايات الزراعية الجنوبية، التي أرادت شراء منتجات أوروبية أرخص لتشغيل مزارعها والإفلات من دفع الرسوم الجمركية العالية.

في السابق، أرسلت الدول الغربية جيوشها لاستعمار العالم الثالث وفتح أسواقها أمام منتجاتها. وفي عالم اليوم، تستخدم أميركا صندوق النقد الدولي وبرامج ضبط هيكلي أخرى لفتح الأسواق العالمية أمام منتجات شركاتها متعددة الجنسيات. لقد وقفت حكومات الدول الغربية في السابق، كما تفعل أميركا الآن، وراء شركاتها. وهي مستعدة أيضا لدخول حروب لتحقيق مصالحها الاقتصادية عبر البحار.

اليوم، تضغط أميركا على الصين لرفع قيمة عملتها. وتهدد بفرض رسوم جمركية عالية على المنتجات الصينية. وكل دولة في العالم تتحكم في قيمة عملتها، لأنها، ببساطة، عملتها الخاصة.

وعلى الحكومة الصينية أن تقاوم الضغوط الأميركية في مسألة قيمة العملة الصينية، شأن أي دولة مستقلة وذات سيادة. ويجب اتخاذ قرار كهذا في ضوء المصالح الصينية فقط، من دون انصياع لأي ضغوط.

ترجمة ـ عصام بيومي