«القشف» في معاجم العربية ينصرف إلى معنى سوء الأحوال وضيق العيش ويناقضه بداهة مادة التنعّم والعيش في يسر أو بحبوحة.
أما في معاجم اللغات الهندو- أوروبية فهم يستقون معنى «القشف»ــ التقشف من اللفظة اليونانية «أوستيروس» التي ترادف معنى القسوة والشظف وما إلى ذلك بسبيل.
أما كلمة الساعة في اقتصادات الغرب، ونرجو أن يكون أمرها كذلك في اقتصادات الشرق والعالم الثالث فهى «أوستريتي» المشتقة كما ألمحنا من جدتها العليا في لغة اليونان.. وقد أطلقوها آية على سياسة التقشف التي أعلنوها في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في محاولة، تصيب أحيانا، وتخيب أحيانا لمواجهة عقابيل الأزمة المالية ــ الاقتصادية التي مازالت ممسكة بخناق ميزانيات الحكومات وموارد الأفراد على السواء.
لهذا شهدت الأيام القليلة الماضية مظاهرات حاشدة وحشودا عارمة اجتاحت معظم أنحاء أوروبا في دول الاتحاد الأوروبي وخاصة ما يتعلق منها برفع سن التقاعد وهو ما يؤدي إلى تضييق فرص العمل أمام جموع الشباب من خريجي المدارس والمعاهد العليا، والذين من حقهم أن يطمحوا إلى دخول سوق العمل وطرق أبواب الحياة العملية، هذا فضلا عما شهدته سوق العمل نفسها من جراء الأزمة الراهنة من حالات تقلص في قطاع الإنتاج وانكماش في قطاع الخدمات وهو ما أدى بدوره إلى تسريح أعداد غفيرة أحيانا من الذين كانوا ملتحقين أصلا بسلك العمالة في أقطار شتى.
الاقتصاد والسياسة
ولما كان الاقتصاد هو الوجه الآخر لعملة السياسة فإن الأمر في الولايات المتحدة يتخذ أبعاده السياسية ممثَّلة في انتخابات التجديد التشريعية الوشيكة في نوفمبر القادم بالكونجرس الأميركي، مما جعل أجواء السياسة الأميركية مشحونة إلى حد التوتر الشديد بحالة من الترقب الملهوف من جانب الحزب الديمقراطي الحاكم حاليا فيما تقابلها حالة من التربص المستفز من جانب الحزب الجمهوري المُعارض.
ونحسب أن «الحالة الأميركية» تتخذ أبعادا متداخلة ما بين رفض الجمهوريين لكل أنشطة الدولة الرسمية، باعتبارهم التجسيد السياسي الحي للمصالح الاقتصادية العاتية في القطاع الخاص التي يمثلها حيتان البيزنس وأباطرة الاقتصاد وبارونات الرهونات العقارية والأعمال المصرفية، وما بين استعدادات ومخططات المحازبين الجمهوريين للحيلولة بين الرئيس الحالي باراك أوباما وبين الفوز بجولة الولاية الرئاسية الثانية التي يقضي بها دستور الولايات المتحدة.
لماذا نهتم بأميركا؟
ومن منطلق دور أميركا المحوري موضوعيا في أكثر من مشكلة وقضية ما برحت تؤرق مضاجع عالمنا.. ما بين مباحثات القضية الفلسطينية إلى استشراف آفاق المستقبل السوداني إلى التماس المخارج الصحية للأزمة الاقتصادية إلى تقويم علاقات أميركا مع الصين بكل ما ينجم عنها من ظواهر تؤثر على الاقتصاد العولمي، يصبح الاهتمام بالشأن الأميركي أمرا مندوبا إليه.
كما يقال في مصطلحات الفقه.. خاصة في ضوء الحقيقة التي أكدت أن إمساك الطرف الجمهوري بمقاليد الأمور في البيت الأبيض وفي دوائر البنتاجون العسكرية وفي سلك الخارجية الدبلوماسي الأميركي تجسدت معه ظواهر فادحة الخطورة وشديدة التأثير سلبا بكل معنى الكلمة على مجريات وتطورات الأمور في العالم الذي مازالت تنغص عليه أشباح وكوابيس القرارات والمخططات التي تولت أمرها شخصيات على شاكلة جورج بوش ودونالد رامسفيلد وبول فولفوتز وكوندوليزا رايس.. ومَنْ سواهم من شراذم عصبة المحافظين الجدد في السياسة الأميركية المعاصرة.
من هنا بات المهتمون بهذه السياسة الأميركية يطرحون بإلحاح شديد السؤال البديهي التالي:
لماذا لم يفلح أوباما بعد في تمرير وإبلاغ رسالته إلى جموع الناخبين الأمريكيين؟
هذا السؤال بالذات يطرحه الكاتب والإعلامي الأميركي «جون هاروود» في مقال منشور مؤخرا تحت العنوان التالي:
أوباما: بين التعاطف ومرحلة نصف المدة.
تقدير أوباما
وفي نفس السياق يواصل الكاتب تساؤلاته على النحو التالي:
لماذا لا يتلقى أوباما ما يستحقه من حمد وتقدير رغم نجاحه في توسيع مظلة الرعاية والتأمين الصحي (لصالح الفئات الأقل حظا في المجتمع)، ورغم ما صدر عن إدارته من لوائح وضوابط تحاول أن تنظَّم حالة الفوضى التي كانت قد اجتاحت مضمار النشاط المصرفي والنظام المالي والاقتصادي بشكل عام، إضافة إلى ما اعتمدته رئاسة أوباما من حِزمَ التحفيز لدفع عجلة النشاط الاقتصادي من جديد..
وكان آخرها اعتماد مبلغ في حدود 50 مليار دولار لمكافحة آفة البطالة، وخاصة بين جموع الشباب الأميركي، وهي الآفة التي تهدد في الصميم حالة السلام الاجتماعي وهو ما جعل العديد من خبراء الاقتصاد المستقلين إلى القول بأن هذه الإجراءات التحفيزية من اعتمادات طائلة وإجراءات ضابطة ساعدت على صّد ما كان يتهدد اقتصاد أميركا والعالم من غائلة كساد فادح يكاد يعيد كارثة الكساد الكبير التي ألمت بالعالم في ثلاثينات القرن الماضي.
تراجع أسهم أوباما
بعد هذا كله.. يظل السؤال مطروحا:
فلماذا إذن تتراجع أسهم أوباما؟
الخصوم الجمهوريون يذهبون إلى ما يصفونه بأنه توسيع دور الحكومة وتضخيم آلياتها البيروقراطية على حساب مبادرات وإبداعات فعاليات القطاع الخاص.
أما المؤيدون الديمقراطيون فيذهبون الى شخصية أوباما ذاتها.. ويتوقفون مليا عندما يرون أسلوبه المفرط في الاتزان والرزانة والسكون الى حد الفتور أحيانا في معرض تواصله مع جماهير الناخبين.. وهم يستعيدون بداهة أسلوب سلَفه الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون الذي كان بارعا بشكل مشهود في التواصل مع جموع المواطنين العاديين وفي المزيد يحفها أجواء من الدفء العاطفي بصرف النظر عن أصالتها أو اصطناعها أو حتى جدواها وهو ما يطالبون به أوباما.. وبالتحديد يطالبونه باستعادة أسلوبه التعاطفي مع الجموع التي سبق وخلب ألبابها ببلاغته وسحر بيانه حين أطل على المشهد السياسي في بلاده عام 2008.
مع هذا كله يكاد المحللون يردّون على ذلك بقولهم إن أحوال منتصف الولاية بالنسبة لأي رئيس أميركي.. وخاصة في ظل أزمة تراجع اقتصادي لا يهم الناس فيها عواطف فخامة الرئيس ولا دفء تواصله مع الآخرين بقدر ما يهمهم أساسا حديث الأرقام والميزانيات.. وبمعنى أن الدولارات والسنتات أبقى وأشد خطرا في وقت الأزمة من القبلات والأحضان على نحو ما يعبّر صاحبنا الإعلامي الأميركي «جون هاروود».
بين الأحمر والأخضر
في كل حال يدرك الرئيس الأميركي أن الأمر ليس سهلا، يستوي في ذلك الحيلولة دون تدهور الأغلبية الديمقراطية في مجلسي الكونجرس مع تجديد ثقة الناخبين من أجل الفوز بالولاية الثانية المرتقبة.
ويدرك أيضا أوباما أن البطالة هي جوهر الأزمة: أولا لأنها في حال من الازدياد وليس التراجع في أميركا رغم كل ما سبق اتخاذه من إجراءات التقويم والتصحيح (يبلغ معدلها الحالي نسبة 6,9 في المائة مقابل معدل صادفه السلف الديمقراطي كلينتون عند منتصف ولايته ولم يكن وقتها ليتعدى نسبة 6,6 في المائة بحال من الأحوال).
الإعلامي هاروود يسأل أوباما في حوار متلفز عما إذا كانت حيرة الناس بشأنه تعود إلى تنوع جذوره وأصوله، حيث كان الأب أسود والأم بيضاء والأصول أفريقية والتنشئة تنوعت مسارحها ما بين هاواي الكاريبية إلى اندونيسيا الأسيوية إلى أميركا الشمالية.. الخ.
يجيب الرئيس أوباما قائلا:
ــ عندما يكون معدل البطالة مرتفعا.. وعندما يكابد الناس معاناة في وقت الشدة.. لا يصبح مهما إذا ما كنت أخضر أو أحمر.. فالأهم أن الناس سيظل يراودهم شعور من الإحباط.
والحق أن هذا الشعور من الإحباط يتزايد سواء في أوروبا على نحو ما دلت عليه تظاهرات الاحتجاجات التي ألمحنا إليها، وقد لاحظ المراقبون أيضا أن أكثرها عنفا وأشدها كثافة كانت تلك التي شهدتها أسبانيا ــ الدولة الأوروبية التي كانت مرشحة ــ بعد اليونان ــ لمواجهة أقسى آثار الأزمة الاقتصادية.
من هنا عمد قادة المنظومة النقابية في طول الاتحاد الأوروبي وعرضه ــ بما في ذلك حتى دول من شرق أوروبا ــ الشيوعية سابقا ــ إلى تنظيم أول إضراب عام شامل منذ 8 سنوات حيث خلعوا عليه وصف «يوم القلق» أو «يوم الاضطراب» أو «يوم زعزعة الاستقرار».. انطلاقا من تفسيرهم للإجراءات التقشفية التي ما برحت تتخذها حكومات الاتحاد المذكور ومن تصورهم، بالأدق خشيتهم، أن تتحمل الطبقات العاملة ــ الكادحة أفدح آثار تفضي إليها.
مبادرات مدريد وباريس
من ناحيتها.. بادرت حكومات أوروبية ــ وفي مقدمتها بالذات حكومة مدريد - إلى استباق نتائج هذه التحركات النقابية حيث توصلت إلى اتفاقات مع النقابات العمالية بشأن الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات الميَّسرة للعمال في مجالات النقل وغيرها وهو ما أدى إلى التخفيف من وطأة هذه الإضرابات إلى حد تجريدها من عنصر العنف أو بالأدق عنصر تحويل الإضراب العمالي إلى اضطراب اجتماعي لا تحمد عقباه.
هكذا حق لوزير العمل الأسباني «سلتينو كورباتشو» أن يصرح قائلا غداة تلك الاضرابات:
ــ لقد استطاع مواطنونا أن يمارسوا حقهم في الإضراب وفي العمل على السواء.
ولأن الاقتصاد هو توأم السياسة.. فمازال المراقبون يلاحظون ذلك الاقتران بين الجانبين في كل من فرنسا وأميركا على وجه الخصوص:
في فرنسا حيث تدنت شعبية رئيسها ساركوزي إلى وهدة غير مسبوقة.. عمدت حكومة باريس إلى اتخاذ تدابير شتى تستهدف تشجيع النمو الاقتصادي بما قد يؤدي في تصورها إلى حالة من الانتعاش أو التعافي في هذا المضمار بغير اللجوء إلى الإجراءات التقشفية الصارمة والموجعة التي لجأت إليها حكومات أخرى كان في مقدمتها كل من اليونان وأسبانيا وبريطانيا وأيرلندا.
ولم يفت محللي وكالة رويترز الدولية أن يلاحظوا في هذا السياق بالذات حقيقة الاقتران بين هذه الإجراءات المخففة ــ هل نقول المغرية ــ وبين انخفاض شعبية الرئيس الفرنسي ــ دعك من الاقتراب النسبي لموعد الانتخابات العامة لفرنسا في سنة 2012.
لا عجب إذن أن يدلي واحد من كبار أعضاء المفوضية الأوروبية ــ هو «فريتز بولكستاين» بتصريح ذي دلالة واضحة وقد تناقلته وكالات الأنباء بوصفه المختصر المفيد لحركة الإضرابات والاحتجاجات العمالية الأخيرة وقال فيه:
ــ انتهت الحفلة إذن.. وأصبح يتعين علينا أن نعمل وقتا أطول وأن نبذل جهودا أصعب.. أقصد مزيدا من الساعات في الأسبوع ومزيدا من الأسابيع في السنة.
الاقتراب من القاع
وعلى الضفة الأخرى ــ الغربية من الأطلسي ــ يتأكد، كما ترى، نفس الاقتران بين السياسة والاقتصاد: فرغم ما تبذله إدارة الرئيس أوباما من جهود من حيث توسيع مظلة الخدمات الأساسية لصالح الجموع.. وهي تقصد بالدرجة الأولى جموع المواطنين الذين من المقرر أن يتجهوا إلى صناديق انتخاب أعضاء الكونجرس بعد خمسة أو ستة أسابيع.. وهي أيضا جموع الناخبين المقرر أن يدلوا بأصواتهم في انتخابات التجديد الرئاسي في غضون عامين أو نحوهما ــ رغم هذا كله - فمازال هناك من يحذر من أن الأزمة المالية ــ الاقتصادية مازالت حالَّة (بتشديد اللام) وماثلة ومنذرة بأفدح الأخطار.
هكذا يكتب المحلل السياسي «بوب هربرت» (نيويورك تايمز، عدد 24/9) تحت العنوان التالي:
لم نرتطم بالقاع بعد.
ويواصل الكاتب الأميركي تحليله قائلاً:
ــ إن الأزمة السياسية التي تأخذ بخناق أميركا الآن إنما تنطلق من واقع الأزمة الاقتصادية.. وإذا كان من الصعب أحيانا أن نميّز بين الحقائق وسط صخب محترفي استغلال الأزمات.. إلا أن القضية ــ الأساس مازالت ماثلة تحت عنوانها الأوحد وهو الاقتصاد.
وترجمتها تتمثل في ذلك الارتفاع المطرد في عدد الفقراء وذلك الانحدار المتواصل في أحوال الطبقة الوسطى.. والغريب أن الحجم الحقيقي لكل هذه الأدواء التي أصابت المجتمع الأميركي وما برحت تنتابه لم تجد بعد من يسجلها أو يؤرخ لها على نطاق واسع حتى الآن.
إضاءة:
لاحظ مراقبو المشهد السياسي العام في أوروبا الغربية بالذات تزامن تحرك التنظيمات النقابية ــ العمالية والمهنية مع انعقاد مؤتمر الاتحاد الأوروبي في مقره بالعاصمة البلجيكية بروكسل، في إشارة إلى أن هذه التجمعات المنظَّمة والمعبرة عن احتياجات ومعاناة وتطلعات الملايين لا يمكن صرف النظر عما ترفعه من أصوات الاحتجاج بوجه الحكومات، التي لابد وأن تراعي عنصر التوازن والتواؤم بين ما تستخدمه بين أدوات وآليات لإصلاح النظام الاقتصادي وبين ما تكابده جموع العاملين من آلام الأزمة.
وما قد يجيش في صدور أفرادها من آمال وتطلعات، وكانت التنظيمات النقابية والعمالية والمهنية تأمل من تحركها أن يصل صوتها وتذمرها إلى المجتمعين في مؤتمر الاتحاد الأوروبي في بروكسل ليعلموا جيدا أن صبر الشعوب له حدود، وأن السياسات التي تحمي الأغنياء والأثرياء وتضغط على الباقين هي سياسات فاشلة ومرفوضة من الشعوب.
محمد الخولي
