على مدى نصف قرن مضى كانت القارة الأوروبية هي النموذج الأمثل لدول العالم كله، والتي كانوا يطلقون عليها مجتمع الرفاهية، ليس فقط بسبب التقدم الصناعي والحضاري ومستوى الحريات والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، ولكن أيضا لأن مواطني هذه القارة.
وخاصة الجزء الغربي منها، كانوا يتمتعون بمستوى معيشي جيد ودخول مرتفعة وخدمات حكومية متميزة من تعليم وتأمينات صحية وغيرها، في الوقت الذي كانت فيه دول العالمين الثاني والثالث تعاني من الفقر والمرض والتخلف والاستبداد والقمع، وكان مواطني هذه الشعوب جميعا يحلمون بالسفر إلى أوروبا للاستمتاع بحياة الرخاء والرفاهية فيها.
وأثناء سنوات الحرب الباردة والصراع بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي كانت دول أوروبا الغربية الغنية مع الولايات المتحدة هي النموذج الذي كان يقدم للشعوب الأخرى لتقتدي به وتسعى لأن تكون مثله، وكان الأمر يبدو للجميع كأن هناك نظريات علمية اقتصادية تطبق بشكل صحيح لتخلق مجتمع الرفاهية والرخاء وتمنح الحياة السعيدة للمواطنين.
وذلك بالمقارنة بمجتمعات الدول الاشتراكية والاتحاد السوفييتي التي كانت تعاني فيها الشعوب من الافتقار إلى أبسط الأشياء، لدرجة أنهم كانوا يحلمون بشرب البيبسي والكوكاكولا وتدخين المالبورو والحصول على البنطلون الجينز أو زجاجة عطر شانيل، أو غيرها من الأشياء المتوافرة بيسر وسهولة في الغرب الرأسمالي.
هذا على الرغم من أن المجتمعات الاشتراكية كانت الدولة توفر فيها خدمات مجانية للمواطنين أسعارها باهظة في الغرب مثل الصحة والتعليم والمسكن وأماكن قضاء العطلات وغيرها، لكن مواطني الدول الاشتراكية لم يكونوا يشعرون بالرفاهية والحرية مثل مواطني أوروبا الغربية والولايات المتحدة، وكأنهم كانوا يفضلون الحرية مع الجوع على القمع والاستبداد مع الشبع وتوافر الخدمات.
ورغم انهيار الشيوعية وتحرر شعوب الدول من الاستبداد والقمع الذي كانت تمارسه أنظمة الحكم الشيوعي الشمولي، إلا أن الغرب الأوروبي والولايات المتحدة ظلتا الحلم والنموذج لشعوب الدول الأخرى، وظلت الدول الغربية وحدها تحمل اسم دول المهجر، إلى أن اندلعت الأزمة المالية العالمية الأخيرة التي يعيشها العالم الآن، والتي أسقطت الكثير من الأقنعة الزائفة التي كانت تخفي عيوب ومساوئ النظام الرأسمالي المطبق في الغرب والولايات المتحدة.
وفوجئ العالم كله بشعوب دول أوروبا الغربية يعلو صراخها وتذمرها من وطء تداعيات الأزمة، وفوجئ العالم بحكومات الدول التي كانت تفتخر بمستوى الرفاهية فيها تطالب شعوبها بربط الأحزمة وتحمل الفقر والتقشف، هذا في الوقت الذي لم تتغير فيه الأحوال كثيرا في دول العالمين الثاني والثالث، حيث الفقراء مازالوا فقراء والأغنياء مازالوا أيضا أغنياء.
في الفترة القريبة الماضية اجتاحت كل أنحاء أوروبا.. ما بين دبلن (أيرلندا) إلى لشبونة (البرتغال) موجة من الإضرابات العارمة والاحتجاجات الحاشدة التي تولت تنظيمها النقابات والاتحادات العمالية على مستوى مجمل الاتحاد الأوروبي، بل وشملت موجاتها أيضا أقطار شرقي أوروبا الشيوعية - السوفيتية سابقا والمنضمة حديثا إلى التاريخ الأوروبي.
كان الشعار الذي رفعته هذه الاحتجاجات العمالية هو مواجهة الإجراءات التقشفية التي ما برحت تتخذها حكومات الاتحاد الأوروبي من أجل معالجة أو امتصاص النتائج الفادحة التي نجمت عن الأزمة المالية ؟ الاقتصادية التي بدأت في الولايات المتحدة ومن ثم تحولت آثارها لتصيب أكثر من نظام اقتصادي في العالم، وذلك على نحو ما شهدته كل من اليونان وأسبانيا في الفترة الأخيرة. أضف إلى ذلك أيضا عامل الاقتران بين السياسة والاقتصاد
