وسط احتدام الجدل مجدّدا في واشنطن حول إستراتيجية أوباما في أفغانستان، إثر ما كشف عنه كتاب بوب وودورد من تخبط وخلافات داخل الإدارة؛ جاء التوتر المكشوف والمحرج مع باكستان، ليزيد من سخونة الجدل ويرفع من منسوب المخاوف والشكوك بصوابية هذه الإستراتيجية وصلاحيتها. وفي الوقت ذاته، جاء ليؤشر إلى أن الأزمة الصامتة، المزمنة بين واشنطن وإسلام أباد؛ قد دخلت في طور جديد من التصعيد المرشح لمفاقمة متاعب واشنطن في تلك المنطقة، كما لزيادة تعقيدات وتحديات الوضع الباكستاني الداخلي.

الزعم الأميركي بأن الحادثة وقعت عن طريق الخطأ، لا يستقيم مع الواقع. فالمركز الباكستاني العسكري على الحدود، معروف موقعه. قصفه جرى بالطيران الكاشف وليس من مسافة بعيدة. ثم ان الخرق للمجال الجوي الباكستاني حصل هذه المرة بالمروحيات وليس بطائرات من غير طيار، كما هي العادة المسكوت عليها. ولو كان القصف غير مقصود، لكان من المفترض صدور الاعتذار في حينه وليس بعد عشرة أيام حافلة بالتوتر والتأزيم.

أيضاً قرار باكستان بإغلاق الممر الحدودي، كان أبعد من مجرد رد فعل على العملية بحدّ ذاتها وأكثر من إجراء لرد الاعتبار. كل طرف أراد، بالخطوة التي أقدم عليها؛ توجيه رسالة تحذير وربما إنذار للآخر. التضارب في حيثيات وحسابات الحليفين اللدودين، فيما يخص الساحة الأفغانية؛ أدّى إلى تراكم الاحتقان. فكان الاحتكاك.

المتداول في واشنطن، خاصة في الآونة الأخيرة، أن بعض فصائل «طالبان» الأفغانية، مثل حقاني شورى، كانت ومازالت تحظى بدعم واحتضان الاستخبارات العسكرية الباكستانية النافذة.

كما تمنح هذه الأخيرة دعمها لبعض أطراف «طالبان» الباكستانية. وبالتحديد في شمال وزيرستان. والدليل، يقول الأميركيون، ان الجيش الباكستاني لم يشملها حتى الآن في مواجهته مع أطراف هذه الحركة هناك. وتشير التسريبات المنسوبة إلى مصادر رسمية، بأن إسلام اباد تعمل من خلال هذا الدعم، على تخريب أي محاولة لمدّ جسور التفاوض مع جهات من «طالبان»، من وراء ظهرها.

فهي تريد مقعدها كشريك في صياغة أي تسوية يمكن أن يجري البحث بخصوصها. واشنطن ترى في ذلك، أن الشريك الباكستاني يضع العصي في دواليب إستراتيجيتها الأفغانية. تقديم المساعدة والملاذ لطالبان ليس سوى محاولة لنسف خطتها وبالتالي حرمان الرئيس من ترجمة وعده ببدء الانسحاب من أفغانستان؛ مع نهاية النصف الأول من العام القادم.

المسؤولون الأميركيون لا يخفون امتعاضهم من علاقة بعض المؤسسة العسكرية الباكستانية مع «طالبان». ولا تفوت مناسبة من دون التعبير، بصورة أو بأخرى، عن مدى الانزعاج من هذا السلوك. وقبل أيام نطق الرئيس أوباما بشيء من ذلك ولو مواربة، عندما قال بأن «السرطان موجود في باكستان». وسبق أن سمعت إسلام أباد كلاما أميركيا لا يخلو من التهديد الصريح، سواء في عهد بوش، على أثر عملية 9/11 ـ يومذاك على لسان نائب وزير الخارجية أرميتاج ـ أو مؤخراً بعد إحباط العملية الإرهابية في تايم سكوير بقلب مدينة نيويورك والمتهم فيها مواطن من أصل باكستاني.

على هذه الخلفية، جاءت عملية الحدود باستهدافها لنقطة عسكرية باكستانية. كما جاء الجواب بإغلاق الممر. والمعروف أن 50% من إمدادات التموين والمحروقات لقوات الناتو في أفغانستان، تصل عبر هذه الطريق. الفعل ورد الفعل، كشفا عن مدى التأزم في العلاقة بين البلدين. واشنطن، هزّت العصا لإسلام آباد؛ بضرب المركز العسكري؛ لتقول ان دعم «طالبان» خط أحمر. جاء الرد ليقول إن الجيش في باكستان خط أحمر وان له أوراقا مؤثرة في أفغانستان، لن يتخلى عنها.

مشروع أزمة محكومة بالمزيد من التصعيد، عاجلا أم آجلا؛ طالما بقي المأزق الأفغاني على حاله. على الأقل على مستوى الخطاب المتداول في واشنطن والذي ارتفعت درجة حرارته، في الأيام الأخيرة. نائب مدير السي آي ايه الأسبق يدعو إلى «زحف عسكري» باتجاه الحدود الباكستانية ؟ الأفغانية لإلقاء القبض على زعيم القاعدة «وعبور هذه الحدود إلى الداخل الباكستاني» ولغاية تحقيق المطلوب؛ «بعد وضع حكومة إسلام اباد في الصورة وبلغة لا لبس فيها».

الملفت أن هذا التأزم المكشوف مع باكستان يحصل وسط تغييرات متلاحقة في تركيبة إدارة الرئيس أوباما وعشية إجراء مراجعة لإستراتيجيتها، بعد أسابيع قليلة. وإذا كان المرجح أن لا تأتي المراجعة المرتقبة بجديد، لأن التغيير بقي ضمن دائرة البطانة نفسها؛ فان المؤكد أن الأزمة مع باكستان ليست سوى فرع من أزمة أكبر تعيشها السياسة الخارجية الأميركية، والتي شخصها بدقة الكاتب داراك ليبارت في كتابه الأخير عن الأوهام من كوريا إلى أفغانستان.

واشنطن ـ فكتور شلهوب