صعد بائع الشاي والقهوة المتجول «علي.ز» وابنتاه سطح عمارة في جبل الحسين - أحد أشهر جبال العاصمة الأردنية ــ مهدداً بإلقاء نفسه مع ابنتيه احتجاجاً على مصادرة موظفين في أمانة عمان الكبرى لعربة القهوة والشاي التي اعتاد ان يطوف بها في شوارع وأسواق الجبل ليعيل أسرته.
ووفق شهود عيان فإن البائع المتجول- وهو أحد بائعي القهوة المشهورين في منطقه الحسين - هدد بالانتحار، بعد ان رفع لافتة تطالب الأمانة إعادة عربته والسماح له «بالاسترزاق منها»، إلا أن رجال الأمن العام ورجال الدفاع المدني تدخلوا لثنيه عن الانتحار.
وكان علي يملك عربة لبيع الشاي والقوة ولكن موظفي أمانة عمان صادروها منه، وهو ما فهمه «مطاردة لرزقه وطعام أطفاله».
ونقل شهود عيان عنه صراخه أثناء تهديده بالانتحار: «شو بدكم مني أنا مش حرامي ليش بطاردوا رزقي».. ماذا تريدون مني أنا لست لصاً فلماذا تطاردون رزقي.
عرفت «عمان» كما باقي مدن المملكة الباعة المتجولين منذ بداية تشكلها، بل إن كثيراً من المحلات المشهورة وذات الاسم العريق في العاصمة يفخر أصحابها ان آباءهم بدأوا أعمالهم من خلال «عرباي ــ عربة» كانوا يطوفون بها في الشوارع والأزقة، إلى أن فتح الله عليهم أبواب الرزق.
والبائع المتجول ــ وفق ما تعرفه الموسوعة الحرة صفة تطلق على التجار الذين يقومون بعرض بضائعهم في الطرقات. وينتشر الباعة المتجولون في العديد من الدول سواء الغربية المقدمة والمتحضرة أو الفقيرة. ولكن بسبب تأثيرهم على جمالية المدن إضافة إلى صعوبة فرض الضوابط الصحية عليهم توجد قوانين تمنع هذه الظاهرة في معظم الدول.
وفي الأردن يبيع الباعة المتجولون كل ما يخطر على البال مما يسهل حمله في العربات أو السيارات كبيرها وصغيرها، كما يشتري بعضهم أيضاً من البيوت والمنازل كل شيء.. أدوات منزلية وكهربائية، وغير ذلك.
«سعيد» واحد من هؤلاء الباعة. وسعيد يعيل عائلة كبيرة مكونة من تسع فتيات وأربع أولاد صغار، لا تتجاوز أعمارهم بين العام والـ 14 عاماً.
لم يعرف سعيد وقد بلغ الأربعين من عمره مصدر رزق غير بيع كل ما يخف حمله من الفواكه والخضار والأدوات المنزلية والكهربائية البسيطة.
ومؤخراً اهتدى سعيد على سوق مجد وهو أمام باحة مسجد في إحدى المناطق الراقية ــ حيث يحمل في عربته بعض الفواكه والخضار ويبيعها هناك. وفي بعض الأيام يحمل كذلك أشياء تافهة لا يزيد سعرها على نصف ريال.
ولكن كل ذلك في أيام الجمع أما باقي أيام الأسبوع فيقوم سعيد ببيع السبانخ في الأحياء الراقية والمتوسطة معاً.
زوجة سعيد وبناته تشاركه في فرمه وتغليف السبانخ بشكل متقن ليتسنى له تسويقه «من دون الحاجة إلى استدرار واستجداء عطف من يرغب بالشراء». «أنا لست متسولاً» يقول سعيد، «فمن لا يرغب بما أبيعه لا يشتري ولا يعطيني صدقة. ويضيف: يوماً ما خرج من المسجد رجل يبدو عليه بأنه ميسور الحال فتقدم نحوي واشترى شيئاً من السبانخ، وأعطاني نحو 10 دنانير «نحو 13 دولاراً» ورفض إعادة الباقي، علماً بأن الباقي نحو 9 دنانير ونصف، فاعتذرت منه بشدة، وقلت له: يا أخي أنا لست متسولاً، لو سمحت خذ ما تبقى من مالك، فقال إذن دعني اشتري كل بضاعتك وأعطيها لبعض الأصدقاء.
سألناه هل وافقت ــ فقال: لما لا أوافق، المهم أني لم آخذ قرشاً صدقة، وهو ليفعل بالسبانخ ما يريد».
أم خليل هي الأخرى بائعة متجولة منذ ما يقارب الـ خمس سنوات، بعد وفاة زوجها. تقول: كنت أمام خيارين: إما أن أزج بأبنائي العشرة للعمل أو أن أعمل أنا. فقررت ان أعمل.
وتضيف: في البداية عملت في البيوت كخادمة، ولكن تجربتي لم تكن جيدة، فأنا لم اعتد على ذلك، فقلت في نفسي، لأبحث عن عمل دون متاعب نفسية، مهما كان صعباً وبالفعل عثرت على مهنة صعبة قليلاً ولكنها «بركة» تحولت أم خليل إلى بائعة متجولة، تبيع الملوخية المفرومة، والفاصولية، والبامية، وغير ذلك من الخضر.
ويأخذ البيع المتجول أنماطاً مختلفة وهي ظاهرة نمت باضطراد، كوسيلة للتغلب على الفقر والحاجة بالتزامن مع ارتفاع مستوى المعيشة، وتضخم الأعباء الاقتصادية والحاجات الاجتماعية للأسرة الأردنية.
وهو ما أشار إليه منسق حملة مكافحة التسول بين أمانة عمان ووزارة التنمية الاجتماعية حسين البطيخي عندما قال ان فكرة الباعة المتجولين ازدادت مطلع عام 2007 لمجابهة موجة ارتفاع الأسعار المضطردة يستطيع أن يجني المستفيد منها دخلاً شهرياً يتراوح بين 350 ــ 500 دولار.
لا توجد إحصائيات حول حجم الأنشطة المصنفة ضمن اقتصاد الظل في الأردن، إلا أن هناك أرقاماً غير رسمية تتحدث عن استيعاب هذا القطاع لنحو 25% من إجمالي القوى العاملة، ومساهمته بما نسبته 20% من الناتج المحلي الإجمالي. فيما تظهر أرقام وزارة التنمية الاجتماعية أن الجهات المعنية نفذت 2332 حملة على مستوى المملكة على مدار عام 2009، تم إلقاء القبض خلالها على 1230 متسولاً وبائعاً متجولاً.
عمان ـ لقمان اسكندر
