منطقة العتبة في وسط القاهرة تعتبر منطقة جامعة، وميدانها الشهير محور مهم في قلب أسواقها التجارية المتلاصقة، وتتميز عن غيرها باعتدال الأسعار، وتوافر كثير من احتياجات المواطنين التي لا تتوافر في مكان غيرها..

ولكن اسم المنطقة ارتبط بشدة ومنذ زمن بعيد بالسودانيين، ودائماً عندما تسأل أحدهم عن سوداني يدلك على العتبة لتجد الجواب اليقين، فشوارعها تحتضن عدداً كبيراً من الفنادق الصغيرة التي يتوجه إليها عدد من السودانيين، فهم يشكلون نسبة لا تقل عن 95% من النزلاء فيها.

وأكثر السودانيين الذين ارتبطوا بمنطقة العتبة هم التجار على مختلف فئاتهم؛ تجار الشنط، والملابس الجاهزة، والأواني البلاستيكية، وغيرها، وهؤلاء أغلبهم يصل إلى مصر عبر البواخر النهرية، والغريب في الأمر أن معظمهم يعرفون بعضهم البعض تماماً، فهم عندما يدخلون الباخرة من مدينة حلفا السودانية ومنها إلى مدينة أسوان المصرية تجدهم مجموعات في مختلف الأعمار، لكن أغلبهم في الثلاثينات من العمر.. وخلال الساعات العشرين التي تستغرقها الرحلة تجد تلك المجموعات قد تعارفت داخل الباخرة، وكل منهم عرف كل شيء عن الآخر؛ منطقته التي يعيش فيها في السودان ونوع تجارته والفندق الذي سينزل فيه، وقبل مغادرة الباخرة يكونون قد تحصلوا على التليفونات الخاصة بهم في مصر وعناوينهم..

أما الذين يزورون مصر لأول مرة بغرض التجارة فيكونون قد نالوا دروساً مجانية عن فنون التجارة في مصر وكيفية التحرك، وبعد وصولهم القاهرة تجد أن التجار الجدد قد تركوا أنفسهم لوصاية التجار المتمرسين الذين اكتسبوا خبرات كبيرة باعتبارهم اعتادوا زيارة مصر منذ سنوات طويلة، وأول ما يقومون به يذهبون بهم إلى تجار الجملة للتعرف إليهم، وتتم مساعدة من تنقص أمواله أو يتعرض إلى أي ظروف، وخلال الأمسيات تجدهم يتجمعون في ميدان الأوبرا حول تمثال إبراهيم باشا يتسامرون، أو في مقاهي شارع 26 يوليو أو شارع الألفي، وأغلبهم يرتبط بمطعم «آخر ساعة» الشهير في شارع الألفي.

والملاحظ أن هؤلاء تبدأ علاقاتهم الحقيقية من القاهرة، وتمتد إلى علاقات اجتماعية تصل إلى حد المصاهرة والتزاوج وأعلى قدر من المجاملات الاجتماعية والتعاون الاقتصادي من خلال عمل تكتلات تجارية أسهمت في تعزيز فكرة التجارة البينية.ذوما لفت نظري لهذه العلاقات النادرة عندما حدثني أحد تجار العتبة الكبار عن السودان بفهم كبير، وسألته إذا كان قد زار السودان، فأجابني ماهر محمد سلام، مفاجئاً، بأنه قبل شهر كان في زيارة السودان لتقديم واجب العزاء لأحد تجار الشنطة السودانيين في وفاة شقيقه، وعندما لاحظ استغرابي قال: «هذا هو زبون من 12 عاماً وعندما علم بوفاة والدي حضر خصيصا من السودان لتقديم واجب العزاء».

وأضاف: «بل إنه يعرف كل أفراد أسرتي، وأنا تعرفت إلى كل أهله في السودان»، وذكر لي واقعة حدثت العام الماضي بأن أحد السودانيين تزوج بنت التاجر الذي يتعامل معه، وأشار إلى أن الأمر عادي جدا لأن السوق تمثل أقوى رباط وتكشف عن شخصية الشخص بسرعة.

فنادق سودانية

وما يقرّب السودانيين من بعضهم البعض في العتبة وجود عشرات الفنادق المتقاربة التي يمتد وجودها من شارع عبدالعزيز التجاري مروراً بميدان العتبة وحتى شارع كلوت بك، وفي هذه المساحة يوجد ما لا يقل عن 40 فندقاً صغيراً أسعارها مناسبة، وكل أصحاب هذه الفنادق والعاملين بها يعرفون السودانيين الذين يترددون عليهم كل فترة، والأغرب أن أغلب السودانيين يقترضون أموالاً كثيرة من أصحاب هذه الفنادق في حالات الحاجة من دون أوراق ثبوتية أو شهود ويعودون إلى السودان وفي الزيارة التالية يسددون المبالغ بعد أن يكونوا قد صرّفوا بضائعهم في السودان، فأصحاب هذه الفنادق يعرفون كل تاريخ زبائنهم من السودانيين..

أين يسكنون في السودان، وأهلهم، ومعارفهم، وهواتفهم، ويتواصلون معهم في الأفراح والأتراح عبر التليفون والبرقيات. والملاحظ أن بين السودانيين والتجار المصريين ثقة لا حدود لها وصداقات أصبحت كبيرة جداً، حيث يحصل السودانيون على بضائع تزيد أسعارها على المليون جنيه مصري دون أن يسددوا مقدماً، وكل ما يربطهم كلمة شرف، وكثير من التجار المصريين قد فتحوا فروعاً في السودان أو على الأقل منحوا البعض من السودانيين توكيلات لإدارة متاجر كبيرة تحت علامتهم التجارية.

التحرك بحرية

وفي العتبة لم يقتصر سكن السودانيين في الفنادق الكثيرة التي تعد الأرخص في القاهرة بل انتشروا في السكن بالشقق المفروشة في مناطق وشوارع على مقربة من ميدان العتبة؛ مثل شارع 26 يوليو وشارع شريف وشارع عبدالعزيز التجاري وشارع الجمهورية، وغيرها من المناطق القريبة؛ وذلك حتى يسهل عليهم التحرك من الأسواق إلى أماكن السكن، خاصة أن جلب البضائع يتم يومياً حتى استكمال احتياجاتهم من تجارتهم.

وهذا الواقع جعل منطقة العتبة ملجأ للإخوة السودانيين الذين يأتون للعلاج أو السياحة أو لأغراض أخرى، فهم يفضلون الأماكن التي يسكن فيها السودانيون لأن أغلب هؤلاء حديث عهد بمصر، ودائماً ما يجد من السودانيين من يحل له معضلة أو يؤانسه في مشاويره للطبيب أو الفسحة.

أحمد السيد، شاب في الثلاثين من عمره، قال إنه بدأ ممارسة التجارة بين مصر والسودان منذ 3 أعوام عندما شجعه صديق له من تجار الشنطة؛ نسبة لظروفه الأسرية، وقال: «في أول زيارة لي كانت تجارتي حجمها بقيمة مبلغ 3 آلاف جنيه مصري، وهو مبلغ بسيط في تجارة بين دولتين، ولكن الحمد لله كسبت قرابة الألف جنيه بعد تصفية مصاريف رحلتي وإقامتي وتصريف بضاعتي في السودان، ولكن صديقي قال لي: هناك وسائل كثيرة يمكن أن تزيد بها تجارتك، وعندما عدنا لمصر ذهب بي إلى أحد التجار من زبائنه وطلب منه أن يعطيني بضائع بـ 15 ألف جنيه على ضمانته، وأخذتها بالفعل وذهبت إلى منطقتي، وكسبت نحو 5 آلاف جنيه، وعندما عدت إلى القاهرة سددت للتاجر نصف ديونه واشتريت منه بضاعة جديدة، وهكذا، وأنا أزور مصر 5 مرات في العام، وبلغ رأس مالي 600 ألف جنيه مصري».

أما الحاجة سعاد الطيب فذكرت أنها تمارس التجارة بين السودان ومصر منذ 24 عاماً، وتنزل في فنادق العتبة، وقالت: «بدأت بـ 600 جنيه، وكان سعر الغرفة 5,3 جنيهات في اليوم، وفي العتبة يجد الإنسان كل ما يحتاجه، وأنا الآن بدأت أشحن بضاعتي (بالطرق البرية) عبر العربات وأعود إلى السودان بالطائرة بعد أن توسعت في تجارتي كثيراً».

طقوس سودانية في مصر

حسن الصاوي، بائع سوداني في العتبة وهو في بداية الأربعينات من عمره، كان يفترش أمامه ملاءة وعليها منتجات سودانية بالقرب من جراج العتبة الشهير، والشارع طويل يضم عشرات البائعين يتراصون مع إخوتهم المصريين بحب كبير، قال: «إنني في هذا المكان منذ نحو 15 عاماً، ومكسبنا بقدر ما يستر حالنا، ولكن في المناسبات مثل الأعياد والاحتفالات نكسب أكثر نسبة لزيادة حركة الناس داخل الميدان، وهذا يدفعهم لشراء أشياء جديدة عليهم من المنتجات السودانية؛ مثل المحافظ الجلدية وبعض الأدوية البلدية أو الأعشاب أو عسل النحل أو السمن البلدي السوداني»، وقال إنه طيلة هذه الفترة يسكن الفنادق المواجهة لميدان العتبة مع الكثيرين من أقرانه، وإنهم أصبحوا كالأهل.

ومنطقة العتبة لم تعد كما كانت وقفاً على التجار أو السودانيين البسطاء، بل هناك عشرات السودانيين قد اشتروا شقق تمليك في المناطق القريبة من العتبة، خاصة شارع الجمهورية ومنطقة الأوبرا القديمة أو الشوارع المتفرعة من شارع عبدالعزيز التجاري.

وكل هؤلاء السودانيين الذين يمثلون الشتات في مصر وكل منهم في منطقة مختلفة وقبيلة مختلفة، ولكنك تجدهم في المناسبات يمارسون طقوسهم السودانية بشكل لافت داخل هذه الفنادق والشقق، وفي يوم العيد تجدهم بجلاليبهم البيضاء صباحاً يدخلون من غرفة إلى غرفة ليهنئوا بعضهم البعض بالعيد، وهناك بعض الأسر وكثير من النساء كبار السن يسكنون تلك الفنادق، فهؤلاء يقومون بدور مهم وهو عمل «العصيدة بالويكة» أو «ملاح الروب» منذ الصباح.

وفي صالات هذه الفنادق تجد السودانيين قد تجمعوا وتوزعوا إلى مجموعات ليتناولوا الوجبة الخفيفة التي تمثل أهم الطقوس في عيد الفطر في السودان، وفي عيد الأضحى أصحاب الشقق أو سكان الشقق، خاصة المتزوجين، يذبحون الأضحية صباح يوم العيد، وفي الإفطار تجد رائحة «الشواء» تملأ المكان.

حيث اعتاد السودانيون في عيد الأضحى أكل اللحوم المشوية على الفحم، وهي عادة سودانية يصطحبونها أينما حلّوا. وأصبحت منطقة العتبة تمثل المزاج السوداني المتفرد في حياتهم الاجتماعية، كما هي بالنسبة لهم منطقة أمان كاملة، حيث يتواجد فيها أعداد كبيرة منهم، وذلك التواجد وتلك الكثافة السكانية يضمنان لهم حياة بلا تعقيدات، حيث يجدون الرعاية من بعضهم البعض وحل مشاكلهم بالاتفاق مع بعضهم البعض.