التجربة البرلمانية المصرية تجربة طويلة وعميقة تمتد لنحو المئة عام، وتعتبر من أقدم التجارب البرلمانية على مستوى العالم، غير أن هذا التاريخ الطويل لا يغفر لها ما وصلت إليه الحياة البرلمانية، وتشهد وبشكل دائم قدرا كبيرا للغاية من الانتقادات والاتهامات التي يعزيها البعض إلى ما وصلت إليه الحياة السياسية في مصر من ترهل وشيخوخة، وإلى ظاهرة تزاوج السلطة بالمال وهيمنة التخمة الحاكمة على كل نواحي السياسة والاقتصاد في البلاد، وتسخير كل الأدوات بما في ذلك البرلمان خدمة مصالحهم الخاصة على حساب المصالح الوطنية والمطالب الشعبية.
عضو مجلس الشعب عن كتلة الإخوان المسلمين محسن راضي أكد أن البرلمان المصري بغرفتيه الشعب والشورى يؤدي دوره كما يحدده النظام الحاكم، وبما يحقق أهدافه ومصالحه، وليس كما حدده الدستور أو وفق ما تمليه إرادة الشعب واحتياجاته ومتطلباته، مشيراً إلى أن أي عمل أو قرار أو كلمة أو حركة تكون بما تمليه إرادة السلطة الحاكمة.
وأضاف أن البرلمان تحول إلى مجرد أداه في يد النظام لتمرير ما يريد من قوانين وقرارات بما تخدم نفوذه ونفوذ رجاله وجماعة المنتفعين منه، وبما تكرس وجود وبقاء النظام لأطول فترة ممكنة، وبما يوفر الحماية القانونية لرجاله وأتباعه، حتى أصبحوا فوق المساءلة وفوق القانون.
وأوضح أن نظرا لكل ذلك فقد تحول البرلمان من الدور التشريعي والمراقب للسلطة التنفيذية والمشرع للقوانين التي تستهدف مصلحة الوطن والمواطنين، إلى دور ديناميكي ينحصر عمله في تمرير كل ما تريده السلطة التنفيذية، والتستر على كل خطاياه وأخطائه، لافتا إلى أن هذا يفسر سر حرص النظام الحاكم على الاحتفاظ بثلثي أعضاء مقاعد البرلمان والتي تضمن له الحماية من أي استجواب وتمرير القوانين المهمة التي تشترط موافقة ثلثي الأعضاء. وتابع أن كافة القوانين التي خرجت عن البرلمان لا تعبر عن طموحات الشعب ولا تستهدف مصلحته، وإنما تستهدف التخمة الحاكمة وجماعة المنتفعين المهيمنة على مقاليد الأمور في البلاد السياسية والاقتصادية، وخاصة بعد هذه الحالة الغريبة والمثيرة من (زواج السلطة بالمال).
وتساءل أي برلمان هذا الذي لا يستطيع أن يستجوب وزيرا بشكل حقيقي وشفاف، وأي برلمان هذا الذي لا يستطيع سحب الثقة من الحكومة رغم كل خطاياها، وأي برلمان هذا الذي لا يستطيع أن يعزل وزيرا رغم ما يرتكبه الوزراء من آثام، واستطرد قائلاً، ولأنه شر البلية ما يضحك فإنه وبقدرة قادر أصبحت السلطة التنفيذية هي التي تراقب النواب وتحاصرهم وتحتجزهم وتقدمهم للمحاكمة، قاصدا أعضاء البرلمان من المعارضة والمستقلين، في الوقت الذي توفر الحماية المطلقة لأعضاء الحزب الحاكم.
عضو البرلمان عن الحزب الدستوري محمد العمدة شدد على أن الكثير من الآليات البرلمانية المتاحة بمجلس الشعب المصري هي آليات غير مفعلة، ولا تستخدم إلا عندما يريد الحزب الحاكم استخدامها وفقا لتوجيهات النظام، وان هذه الآليات عندما تستخدم فهي تستخدم في الغالب الأعم ضد المعارضة، وضد الجماعات السياسية المناوئة للنظام الحاكم.
وأضاف أن النظام الحاكم يعتمد على ما يمتلكه من أغلبية برلمانية واسعة في تعطيل كافة الأدوات والإجراءات التي يستخدمها أعضاء البرلمان من أحزاب المعارضة والمستقلين، وأن الولاء داخل الحزب صار للحزب وليس للشعب الذي اختار هذا النائب أو ذاك لعضوية البرلمان، وهذا هو السبب في صدور قوانين وقرارات تثبت مع الوقت صحة توجهات أعضاء البرلمان من المعارضة والمستقلين لأنها صيغت وسنت لخدمة فئات معينة مرتبطة بالنظام الحاكم.
في المقابل، يرى عضو البرلمان عن الحزب الحاكم ونجل رئيس الوزراء المصري الأسبق المهندس هشام مصطفى خليل، أن البرلمان المصري يعتبر من أفضل البرلمانات العربية، وأن مصر عرفت الحياة البرلمانية منذ مطلع القرن الماضي وأن بلاده لديها تجربة برلمانية واسعة وراسخة، ولكنها رزينة وعاقلة.
وقال خليل إن البرلمان المصري يحقق كافة الأهداف ويمارس كافة المهام التي حددها الدستور له بما يحقق مصالح الشعب والوطن والتي تأتي في المقام الأول من اهتمامات البرلمان، مضيفا أن هناك أدوات رقابية عديدة متوفرة لدى أعضاء البرلمان لاستخدامها في الرقابة على السلطة التنفيذية، ومنها الاستجواب، طلب الإحاطة، السؤال، بل إن الأمر يصل إلى سحب الثقة من الحكومة وغيرها من الأدوات، فضلا عن الدور التشريعي الذي يلعبه البرلمان.
وفيما يتعلق بعدم قدرة أعضاء البرلمان على عدم تفعيل هذه الأدوات، وعدم قدرتهم على سحب الثقة من الحكومة أو عزل وزير مثلا قال لأن هذه الأمور لها إجراءات وتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشعب، والمعارضة لا تمتلك هذه الأغلبية، ولا تستطيع حشد أغلبية الثلثين من أعضاء المجلس فالمشكلة ليست في البرلمان في حد ذاته وإنما في عدم قدرة الأحزاب على الفوز بثقة المواطنين أولا، وعدم قدرتها على حشد ثلثي أعضاء البرلمان ثانياً.
وحول ما يتردد من أن أعضاء الحزب الحاكم في إطار الانتماء الحزبي يغلبون المصلحة الحزبية على المصلحة الوطنية، شدد على أنه لا توجد مصلحة حزبية تتعارض مع المصلحة الوطنية، وإلا ما قام هذا الحزب وما كان له أعضاء، ولكن نستطيع القول ان هناك خلافا في الرؤى حول وسيلة وطريقة تحقيق المصلحة الوطنية، وشيء طبيعي أنني كمنتم لحزب ان أكون مؤمنا بمبادئه ومنهجه، وأن أنحاز للوسيلة والأسلوب الذي نراه مناسبا لتحقيق المصلحة الوطنية، وهذا ليس بدعة في مصر، وإنما هو في كل بلدان العالم وفي أعرق البلدان معرفة بالديمقراطية.
غياب الشفافية
أما الدكتور عمرو الشوبكي رئيس وحدة النظم السياسية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية فشدد على أنه لا يمكن أن نقول ان هناك برلماناً حقيقياً في مصر رغم التجربة البرلمانية الطويلة، وارجع ذلك إلى أن البرلمان المصري يفتقد للأدوات والسياسات والأداء، بل والأعضاء المنتخبين بطريقة نزيهة وشفافة تعبر عن اختيار المواطنين له ليمثلهم في البرلمان.
وقال إن البرلمان هو نتيجة طبيعية لبذرة زرعت في دولة متخلفة سياسياً، وروت بالنفاق والكذب السياسي، ونبتت في ظل أجواء استبدادية ظالمة متجمدة، مضيفا أنه في ظل هذه الظروف يكون من السفه أن ننتظر على الموجود حاليا.
وأوضح أنه لا توجد انتخابات نزيهة وشفافة وحقيقية تعبر عن إرادة المواطنين ورغباتهم، ولذلك كان طبيعيا أن يستخدم النظام كل الوسائل غير المشروعة في الاحتفاظ بنفسه بأكثر من ثلثي المقاعد ويقوم هو بتوزيع باقي المقاعد على من يرى أنه يمكن احتواؤهم أو الذين توجد بينهم وبينه علاقات من تحت الترابيزة.
وتابع أنه لذلك لا عجب أن نرى في المجلس، نواب القروض، نواب أراضي الدولة، نواب الكيف، نواب سميحة، نواب العلاج على نفقة الدولة، نواب التجنيد، نواب القمار، نواب مزدوجي الجنسية، وغيرهم كثيرين، والجميع يبصمون على كل ما يريده النظام والحزب الحاكم ويساقون داخل البرلمان كما تساق الشياه.
ولفت إلى أنه طالما لا يوجد نواب حقيقيون فلا فائدة من أي آليات برلمانية أو أدوات رقابية، لأنها تصير بلا فائدة ولا طائل منها، ولا عجب أن يخرج عن هذا البرلمان كل القوانين المقيدة للحريات على شاكلة قانون الطوارئ، والمحاكم العسكرية، والقوانين المقيدة لعمل الأحزاب والجمعيات الأهلية.
القاهرة ـ عماد الأزرق
