وضعت الحكومة اليمنية ضمن أولويات عملها خلال السنوات الثلاث المقبلة تأهيل العمالة اليمنية لاستيعابها في أسواق دول مجلس التعاون الخليجي باعتبار ذلك أحد الوسائل اللازمة لدعم الاقتصاد الوطني وتجاوز المشكلة الاقتصادية، وقد أوكلت لوزارة التعليم الفني والمهني مهمة تأهيل وتدريب هذه القوى البشرية وفقاً لاحتياجات سوق العمل في دول الخليج..

ويقول الدكتور إبراهيم حجري وزير التعليم الفني والمهني: إن وزارته جاهزة لإتمام هذه المهمة، وأنها أعادت تحديث المناهج الدراسية والمعاهد الفنية وتأهيل المدربين والمعلمين، وتخطط لافتتاح 50 معهداً جديداً ستمثل بداية لثورة في مجال التعليم الفني والمهني على حد اعتقاده.. وعما إذا كانت الحكومة بنت تقديراتها لاحتياجات سوق العمل الخليجية على أساس علمي قال وزير التعليم الفني: إن الرقم المقترح يشكل خمس القوى العاملة في دول الخليج الآن، وأن معظم الأعمال في هذه الدول لا تحتاج إلى عمالة ذات مهارة عالية، لأن الوظائف التقنية ذات المهارات العالية تظل محدودة ونسبتها في إجمالي العمالة لا تتجاوز 20%. وقال الوزير ان الحكومة اليمنية تبحث عن 3 ملايين فرصة عمل في دول الخليج.

حجري في حوار مع (البيان) عن واقع التعليم المهني، والإستراتيجية الحكومية، كما تحدث عن أسباب تدني نسبة التحاق الفتيات، ومشكلة المناهج والمعاهد والخريجين واحتياجات سوق العمل المحلية في نص الحوار التالي:

الاستراتيجية الحكومية قائمة على أساس استيعاب ما نسبته 15% من خريجي التعليم الأساسي والثانوي، هل لديكم القدرة على استيعاب هذا العدد؟

هذه الاستراتيجية اعتمدتها الحكومة وقدمت للمانحين، وأنا عندما تحملت المسؤولية في الوزارة عملت في هذا الاتجاه والنسبة لم تكن تتجاوز الـ 3 والطموحات كانت أننا سنصل إلى 15%، وأنا كاستاذ للإحصاء وجدت أنه كان هناك خطأ كبير في هذه النسبة، لأننا أخذناها من متغير لا من ثابت، أظن انهم لم يكونوا موفقين في المقياس الذي سنعتمد عليه في تحقيق الإستراتيجية.. عندما تخرجت من الثانوية العامة في عام 1979 كان عدد الخريجين في ذلك الوقت في حدود ثلاثة آلاف طالب، الآن عدد الخريجين أكثر من ثلاثمائة ألف، بمعنى أننا عندما نأخذ نسبة من متغير فإننا لا نستطيع ان نحققها..

فإذا قلت إني استهدف عشرة في المائة من الثلاثمائة ألف فإني آخذ ثلاثين ألفا، لكن غداً قد يصل عدد الخريجين إلى مليون ونسبة 5% تعني خمسين ألفا والخمسون ألفا هي أكثر في العدد من الثلاثين لكن النسبة تراجعت من 10% إلى 5% وهكذا، ففي عام 2000م كان لدينا ثلاثة ملايين طالب في نظام التعليم العام، ومليون لم يحصلوا على فرصة للتعليم، في 2010م لدينا ستة ملايين ملتحقين بالتعليم العام لكن عندنا مليونان لم يحصلوا على فرصة للالتحاق بالتعليم..

نحن الآن اتفقنا مع البنك الدولي على إعادة تقييم الإستراتيجية، لنعرف ماذا تحقق وما لم يتحقق، ونعتقد أننا لو أخذنا مؤشرا بسيطا قابلا للقياس، أي مثلا مضاعفة الملتحقين، فبدلا من أن يكونوا خمسة وعشرين ألفا يكونون خمسين ألف، أي أن آخذ مؤشرا قابلا للقياس..

كم النسبة الآن ؟

ما بين 3 إلى 4%..

هل هذه النسبة بنيت على أساس احتياجات سوق العمل، احتياجات التنمية أم أنها فقط مرتبطة بقدرتكم على الاستيعاب؟

كانوا يعتقدون أننا لو استطعنا الوصول إلى نسبة 15% فذاك أقصى طموح، وهذا ممكن أن يكون صحيحاً عندما يكون المقياس ثابتا، أي عندما يكون لدي 100 ألف خريج من الثانوية العامة في كل عام وأستوعب منهم 15% في التعليم الفني، والإستراتيجية بشكل عام تطلبت إنشاء عدد من المعاهد وكليات المجتمع؛ حتى نرفع معدلات الالتحاق بالتعليم الفني والمهني..

أقصد هل لديكم تقديرات باحتياجات سوق العمل، هل المناهج الدراسية مازالت مواكبة لاحتياجات السوق المحلية، قبل الانتقال إلى فكرة احتياجات السوق الخليجية؟

أتكلم معك بكل أمانة، ما هو قائم الآن عدد محدود جداً من المعاهد، نحن لدينا85 معهداً تقنياً ومهنياً، كليات مجتمع، في خطتنا الطموحة هو أن نصل إلى 200 معهد تقني، و18 كلية مجتمع.. الآن هناك مشاريع قيد التنفيذ لكن تظل لدينا مشكلة رئيسية وهي أن خصوصية التعليم الفني أي أنه تعليم تطبيقي، أي أنك مهما بنيت من مبان فإن الطاقة الاستيعابية تظل محدودة، وأنا استخدم مثلا بسيطا موجودا في العاصمة، وهو المعهد الصناعي، مبنى كبير وشاسع عدد الملتحقين فيه 1400 طالب وطالبة، ومدرسة الكويت القريبة منه فيها خمسة آلاف طالب والمدرسة مقامة على أقل من ربع المساحة !!

مثلا عندما أقول إن في هذا التخصص عشرون طالباً، خلاص تلتزم بهذا العدد المحدود، لأننا تعليم تطبيقي.. صحيح نسبة الإقبال أكبر من القدرة الاستيعابية، العام الماضي تقدم ثلاثين ألف طالب وطالبة لم نستوعب إلا ثلثهم..

تقولون إن عليكم ضغطاً بنسبة 58%؟

الآن الشباب أصبح لديه إدراك ووعي عن ماهية الالتحاق بالتعليم الفني والمهني؛ فعندما يجد الخريج أن عشرات الآلاف من زملائه خريجي الجامعات لا يحصلون على عمل، ولهذا الاعتبار بدأ الطلاب يعيدون النظر.. أتذكر في الماضي أن فرص العمل أمام خريجي الجامعات كانت متاحة في كل مكان، أما الآن فخريج الجامعة قد يجلس خمس سنوات دون أن يلاقي عملاً خصوصا في التخصصات النظرية.. هذا ساعد على الاندفاع نحو التعليم المهني..

وجاهزية المعاهد في الجانب العملي، من حيث المعدات، والكادر، والمناهج؟

لدينا خطة طموحة الآن، المعاهد القديمة تم إعادة تحديثها بشكل جزئي، لأن التجهيزات التي عملت في الستينات والسبعينات ينبغي أن تواكب العصر، المعاهد الحديثة تجهز بأحدث الأنظمة والتجهيزات سواء تلك الممولة من الحكومة أو من الأشقاء، ونحن الآن في برنامج الوزارة نعمل في أكثر من اتجاه، الأول هو بناء معاهد حديثة مع تجهيزات حديثة ومناهج مرتبطة بسوق العمل، والثانية هي إعادة تحديث المعاهد القديمة وفقا لظروف البلد وإمكانياتنا.

متابعة الخريجين

هل تتابعون الخريجين بحيث تتأكدوا من أنهم فعلاً حصلوا على أعمال، أو أنهم تبنوا مشاريع فردية، وأنهم لا يشكلون بطالة إضافية؟

مسؤوليتنا ليست إعطاء الشهادة فقط، ولدينا تجربة في الجامعات حيث معظم الجامعات اليمنية استنسخ لجامعة صنعاء، والتعليم الفني يختلف تماما عن المدارس والجامعات، لأن المعاهد وكليات المجتمع معاهد نوعية تطبيقية تلبي احتياجات التنمية، الآن نحن نعمل وفقاً لقاعدة ان لا نبني معهدا في منطقة إلا وفقاً لدراسة جدوى اقتصادية.

ونتأكد أن هناك احتياجاً لهذه البرامج أم لا، فالمدرسة ملزمة بقبول كل أبناء الشعب لكن في التعليم الفني أنا مطالب بتخريج عمالة ماهرة سواء على المستوى المحلي أو مستوى سوق العمل لدول الجوار، وأطمئنك بأن العدد لدينا مازال محدوداً، خريجو السنة المنتهية لا يتجاوزون ثمانية آلاف مقارنة بـ 350 ألفاً من خريجي الجامعات.. وفعلياً هذا العدد لا يلبي حتى الاحتياجات الأساسية لو أن هناك استيعابا لهذه العمالة، نحن لا نبني معهداً إلا بعد دراسة نشرك فيها السلطة المحلية والقطاع الخاص ومؤسسات الدولة المختلفة..

نسألهم ماذا تريدون في هذه المنطقة؟ وقد قمنا بذلك في كثير من المحافظات، مثال ذلك محافظة الحديدة وجدنا أن المحافظة فيها ميناء كبير، وهي أيضا منطقة زراعية، لكن لا يوجد فيها معهد للمعدات الثقيلة ووفقاً لاحتياجات التنمية تم بناء مثل هذا المعهد.. أيضا معاهد سياحية وفندقية تلبي الاحتياجات وخصوصية المكان، وأما البحث عن فرص عمل فهي ليست مهمة الوزارة لأنها مسؤولية جهات أخرى، أنا مسؤوليتي هي استقراء سوق العمل، وأعتقد أن الشيء المميز في التعليم الفني هو أننا لا نبني كلية أو معهداً خلال السنوات الثلاث الماضية إلا بناء على دراسة جدوى، ولا نفتح أي تخصص إلا بعد دراسة..

وفيما يخص الفتيات، الملاحظ أنه عدا كليات المجتمع، فإن عدد الملتحقات ضئيل جدا؟

هناك تحسن لأكثر من سبب، أولا القيادة السياسية تولي تعليم الفتيات اهتماماً كبيراً، وفي برنامج الرئيس الانتخابي، هناك بند خاص بإنشاء معاهد متخصصة بتعليم الفتاة وقد قطعنا شوطاً كبيراً في هذا الجانب، وأول خطوة لتنفيذ هذا الهدف استحدثنا قطاعا في الوزارة لتعليم الفتاة، وارتفعت نسبة الالتحاق، والآن هناك معاهد في صنعاء وعدن وتعز بدأت تفتح برامج خاصة بالفتيات، مثل الملتيميديا، الجرافيك ديزاين، بيوتي، الكمبيوتر، الإعلام، فن التصوير، الديكور... الخ، وفي كلية المجتمع بصنعاء تصل نسبة الفتيات إلى 30 أو 40%

من بين ثمانية آلاف طالب تخرجوا هذا العام كم نسبة الفتيات؟

من بين الناجحين في العام الماضي كان لدينا 93 هم أوائل الجمهورية بينهم 22 فتاة، أي أن النسبة وصلت الربع تقريبا، صحيح أن النسبة ليست بالشكل المطلوب، لكنها بالتأكيد تجاوزت الرقم الذي كان في الماضي، واستطيع إجمالا أن أقول لك إن نسبة الفتيات على مستوى الجمهورية تصل إلى أكثر من 15%، مع ان التعليم الفني له خصوصيته، وهناك تخصصات لا تروق للفتيات.. ومع هذا نطمح إلى أن ترتفع النسبة أكثر من هذا المعدل...

في آخر تقرير للمجلس الأعلى لتخطيط التعليم هناك ملاحظة تقول ان هناك تقصيراً واضحاً في ربط سياسة القبول باحتياجات سوق العمل المحلي والإقليمي، وأن أهم مشكلة يواجهها التعليم الفني هو انعدام التوازن بين الذكور والإناث؟

أنا أريد أن أسأل هل بني هذا التقرير على دراسة خلصت إلى هذه النتائج، إذا كانت هناك دراسة فأنا أريدها، لكن كانت هناك دراسات سابقة في وزارة العمل غير محدثة، والى الآن لا توجد دراسة حديثة..

وعلى المستوى الإقليمي، الحكومة تقول إنها تريد 20% من نسبة العمالة في دول الخليج وأنها قادرة على تدريب وتأهيل هذا العدد، على أي أساس بنيتم هذا الرقم؟

الحكومة وضعت عشر أولويات، ومن ضمنها الأولوية الثانية، الخاصة بتأهيل العمالة اليمنية للعمل في دول مجلس التعاون الخليجي، نحن مهتمون جداً بهذا الأمر، وتعاونا مع مؤسسة «صلتك» القطرية، أيضاً شركة «ماكنزي» الاستشارية للأولويات الحكومية العشر طرحت من ضمن توصياتها للجانب الحكومي لمعالجة المشكلة الاقتصادية خلال السنوات القادمة توفير ما بين ثلاثة إلى أربعة ملايين فرصة عمل لليمنيين في دول الخليج، لأن من شان ذلك أن يرفد خزينة الدولة بمبالغ كبيرة جداً..

الاستيعاب خليجياً

وهل لديكم تأكيدات بأن السوق الخليجية قادرة على استيعاب هذا العدد؟

طرح أنه لو أمكن تخصيص 20% فقط من احتياجات العمالة الموجودة في أسواق الخليج للعمالة اليمنية، وهي نسبة معقولة، فإذا كان لديك عشرين مليون فرصة عمل في أسواق الخليج بإمكانك أن تجد فرصة لخمس هذا العدد من العمالة اليمنية، وهي خطة طموحة، تحتاج إلى قرار سياسي، ودورنا هو أن نؤهل العمالة التي يحتاجها السوق الخليجي، مع أن الإحصائيات تبين أن نسبة 70% من العمالة في الخليج ليست عمالة ماهرة، أي أن العمالة التقنية محدودة جدا..

مثلا عندما بدأت شركة الريان القطرية ببناء مشروع تلال الريان، قلنا لابد أن تتوفر لها عمالة ماهرة، وكذلك الأمر في مشروع بناء منشآت استضافة خليجي عشرين في عدن، تعاونا مع شركات المقاولات هنا ونفذنا مشروع تدريب في كلية المجتمع بصنعاء، وبالتعاون مع مؤسسة «صلتك» القطرية، وتخرج من هذه الدورة أكثر من ألف وخمسمائة متدرب، هذه خطوة أولى وطموحنا ان نصل إلى عشرين ألف متدرب، وقد اخترنا تعز وعدن وحضرموت كمواقع جديدة لتدريب العمالة اليمنية، سواء للسوق المحلية أو للأسواق الخارجية.

ومشكلة المعلمين لديكم؟

غالبيتهم من خريجي التعليم الفني لكنهم بحاجة لتدريب وتأهيل، الآن نحن نتعامل مع التعليم الفني كمنظومة متكاملة، أي أن تجهيز المبنى بأحدث التجهيزات يحتاج إلى منهج يلبي احتياجات التنمية، وفوق ذلك معلم أو مدرب يواكب هذا التطور الحاصل، وإدارة جيدة، صحيح عدد الإداريين والمدربين لا يتجاوز الأربعة آلاف على مستوى الجمهورية، وما نعتز به الآن أن لدينا أكثر من خمسمائة موفد في مختلف الدول في تخصصات تقنية وفنية، من الأوائل أو قدامى المدربين هؤلاء هم من سيرفدون المعاهد القديمة أو تلك التي أنشئت، لآن لدينا أكثر من خمسين معهداً جديداً في الطريق، هذه المعاهد أرى أنها ستكون نواة ثورة في التعليم الفني والمهني..

حوار ـ محمد الغباري