»كلنا ننظر للموضوع من الزاوية نفسها حتى تنتهي الانتخابات يوم الثاني من نوفمبر» بهذه الكلمات بدأ أحد كبار الاستراتيجيين المحافظين الأميركيين الذي تحالف مع حزب الشاي، وهو ريتشارد فيغوري، حديثه لصحيفة «نيويورك تايمز»، معقباً بأن معركة تاريخية حامية الوطيس في قلب الحزب الجمهوري وروحه ستدور رحاها قريباً.
وفي حقيقة الأمر فإن هذه المعركة تبدو حتمية، ولا يمكن اجتنابها، ويمكن معرفة ذلك بالنظر في الظروف المحيطة بها، أما المسألة الكبرى التي تحفز الجمهوريين وحزب الشاي وتوحدهما فهي أزمة العجز في الدين، حيث تعادل قيمة الدين الأميركي إجمالي ما يقارب الناتج المحلي لأميركا، كما أن العجز في ذلك الناتج يبلغ 10%.
ويتفق حزب الشاي مع الحزب الجمهوري كذلك فيما يتعلق بسبب هذا العجز وفي إمكان أن ينتج عن هذا العجز عزوف عالمي عن الدولار وتضخم مكون من رقمين، بل وتخلف أميركي عن سداد الديون، كما يتفقان على أن الإنفاق الاتحادي يستهلك 25% من إجمالي الناتج المحلي، وعلى معارضتهما لحل مشكلة العجز بفرض ضرائب جديدة، أو رفع سقفها.
وهذا يعني أن على الحكومة الأميركية أن تخفض الإنفاق، لكن من أجل تخفيض الميزانية إلى 20% من إجمالي الناتج المحلي، كما كانت عليه الحال قبل جورج بوش وباراك أوباما، فإن ذلك يتطلب تقليصاً فلكياً في الإنفاق يبلغ 700 مليار دولار سنوياً، وحتى لو تم ذلك، فإن العجز في ميزانية 2011 سيكون 700 مليار دولار.
وبما أن فوائد الديون المتراكمة على الولايات المتحدة يجب أن تُدفع، وإلا وقعت أميركا في مطب العجز عن سداد تلك الديون، فهناك مصدران فقط يمكن الحصول على المال المطلوب منهما:
الأول هو برامج الاستحقاق الرئيسية، ألا وهي برنامج الرعاية الصحية لكبار السن، وبرنامج الرعاية الصحية لمحدودي الدخل، وكذلك برنامج الضمان الاجتماعي، والإنفاق الاجتماعي على التعليم ومستحقات قدامى المحاربين وتعويضات البطالة وعوائد الضرائب.
غير أن من المستبعد على الحزب الديمقراطي الجريح، الذي سيتعرض للهزيمة المذلة يوم 2 نوفمبر، وسيعود حينها للكونغرس في «كابيتول هيل» وقد قضى على جناحه المعتدل، أن يقامر بالاصطدام بحزب جمهوري يميني متمرد، وتكتل كبير لحزب الشاي في محاولته إجراء تغييرات في البرامج الاجتماعية، التي يعتبرها الحزب الديمقراطي أصلاً مصدر فخره، ويستمد منها أسباب وجوده.
وهذا يبقي الأغلبية في الحزبين الجمهوري والديمقراطي أمام خيار وحيد، ومصدر آخر لا يوجد سواه لجني الأموال منه من أجل ترقيع الثوب وحل المشكلة، ألا وهو ميزانية الدفاع وما ينبني عليها من آمال في بناء الإمبراطورية الأميركية، وكذلك حالة الحرب التي تعيشها الولايات المتحدة.
وهذا يعود بنا إلى الوراء نصف قرن من الزمان لتبني تنبؤات وتوصيات «جون فوستر دالاس» فيما يتعلق بالتزامات الولايات المتحدة الخارجية، وهنا تحديداً حيث ينقسم حزب الشاي عن «حزب الحرب»، فهل لو التزم أوباما بتعهداته بسحب كامل للقوات الأميركية من العراق والبالغ قوامها 50 ألف جندي بحلول نهاية عام 2011، سيثور اليمين الجمهوري وحزب الشاي وينضمان ل»حزب الحرب» للمطالبة بإبقاء الجنود هناك إلى ما لانهاية؟
إذا بدأ أوباما سحب قواته، كما وعد، من أفغانستان في يوليو المقبل، فهل سينضم أعضاء حزب الشاي من الجمهوريين إلى «حزب الحرب» وإلى جمهرة الجنرالات باتهامهم أوباما بجر أميركا إلى الهزيمة؟
بعد انقضاء الحرب في العراق وأفغانستان لن يعطي المواطنون الأميركيون الإدارة الأميركية وحزب الحرب مطلق الحرية في السياسة الخارجية، وسيبذل كل وطني حر الغالي والرخيص للدفاع عن أميركا، لكن الأمن القومي شيء، والأمن الإمبراطوري شيء آخر، أي بتعبير آخر:
لماذا ينبغي على الأميركيين، بعد 65 عاماً على انقضاء الحرب العالمية الثانية، حماية دول أوروبا الغنية من الاتحاد السوفييتي، الذي مات منذ عشرين عاماً، في وقت تفرغت تلك الدول لتقليص ميزانياتها الدفاعية من أجل تحسين برامجها الاجتماعية؟ لماذا لا يزال هناك جنود أميركيون في المنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين بعد مضي 57 عاماً على انتهاء الحرب الكورية؟ لماذا لا يزال هناك وجود لقوات البحرية الأميركية في أوكيناوا اليابانية بعد 65 عاماً من استسلام اليابان؟ ألا تستطيع كوريا الجنوبية واليابان الغنيتان حماية نفسيهما؟
نعم للأمن القومي، لكن الأمن الإمبراطوري لا يستطيع الأميركيون مواصلة احتمال أعبائه.
الحيوية تعود إلى الشارع الأميركي مع حزب الشاي
لدى حزب الشاي من التوجهات ما يزيد بكثير عن أعمق من مجرد كونه أداة ترجح موازين التفضيلات السياسية في الولايات المتحدة، فهو قد أعاد التنافس على مقاعد الكونغرس، التي طالما كانت من نصيب أفراد بعينهم، كما أنه أجبر الرأي العام الأميركي على مواجهة ما ترتب على تحالف الحزب الديمقراطي مع نقابات القطاع العام وتأثيره على الصحة المالية لأميركا.
لهذا فإن توليفة المسائل والأفكار المختلفة التي تضفي عليها حركة حزب الشاي نكهتها الخاصة أنضجت الرغيف السياسي للجميع، والآن فإن الكثيرين ممن كانوا مهزوزين شعبياً رشحوا أنفسهم وبدؤوا حملاتهم الانتخابية والمشاركة في العملية الديمقراطية بشكل أكبر، والشيء بالشيء يذكر فحملة الرئيس الأميركي باراك أوباما في عام 2008 شجعت الكثيرين من السود والشباب على الإقدام على العملية السياسية في كل ولاية، وأوباما لم يشجع الناس على التصويت فحسب، وإنما فتح لهم كوة الفوز.
لقد طغت ظاهرة الفوز السياسي والظفر بالمقاعد دون منافسة وبشكل تلقائي، سواء على المستوى المحلي أو القومي، على المشهد السياسي عامة في الولايات المتحدة، تماماً مثل نبات «كودزو» عندما يغطي البيت بأكمله، وهذا تصعيد سياسي ما كان ليتخيله الآباء المؤسسون للولايات المتحدة، بحيث صار معلوماً بالبداهة سر وجود أعضاء في الكونغرس في الحكم لفترات طويلة.
ومن أسباب ذلك عمليات الغش التي يتبعها بعض الأعضاء، والقواعد العسكرية، واتحادات الموظفين العامين، ومقدرة أولئك الأعضاء على جلب الأموال لولاياتهم من واشنطن.
هذه المقاعد المضمونة، خاصة في مجلس النواب، تجعل الأميركيين ينتبهون بشدة إلى ما حذر منه «جيمس ماديسون»، ألا وهو نظام التحزب والعصابات، فقد أبدى تخوفاً من أن يؤدي الحرمان من الحقوق السياسية إلى ما لا تحمد عقباه، وإلى الظلم.
الحزب حركة فوضوية يصعب تحديد غاياته
يبدو التعهد الذي ألزم الجمهوريون في مجلس النواب به أنفسهم أمام أميركا، في تقليد واضح لتعهد «نيوت غينغرتيش»، الرئيس الجمهوري لمجلس النواب الأميركي في الكونغرس في التسعينات، نصراً لحزب الشاي، غير أن هذا هو البعد الظاهري فقط للأمر.
ففي الوقت الذي تعهد غينغرتيش عبارة عن قائمة أولويات تشريعية مكونة من 865 كلمة، فإن تعهد عام 2010 بدا وكأنه بيان رسمي مستطرد، وميال إلى التطرف، فقد اشتمل على 8000 كلمة تقريباً، مزيناً بالجداول والرسوم البيانية والأقوال المأثورة الملهمة، مقتبساً مقدمة طويلة من وثيقة إعلان الاستقلال الأميركي.
وفي الوقت الذي كانت نبرة تعهد غينغرتيش معتدلة، جاءت نبرة التعهد الجديد جافة وضيقة على لسان «راند بول» الذي أدلى بالخطاب، حيث هاجم التعهد أعضاء النخبة الذين عينوا أنفسهم بأنفسهم في المناصب المختلفة، وامتدح الأميركيين الذين يتحدثون بشجاعة في قاعات البلدية والميادين العامة، وتعهد باحترام الدستور، كما فسره واضعوه.
غير أن الأسلوب قد يكون مضللاً. فالجمهوريون في مجلس النواب تبنوا الأجواء العامة لحزب الشاي، لكنهم تجنبوا مضامين أطروحاته الأكثر إثارة للإعجاب.
حزب الشاي حركة عفوية على مستوى الجذور، تميل للبساطة والفوضوية، ما يجعل من الصعب تحديد اتجاهه وأهدافه، وحتى تعريفه أحياناً، ويتهم حزب الشاي الطرفين الديمقراطي والجمهوري بمساهمتهما في زيادة الإنفاق والتسبب بالعجز، كما يعتبر أنه ينبغي معاقبة مؤسسة الجمهوريين بسبب ضلالها عن الصراط المالي.
من الواضح أن لأعضاء حزب الشاي وجهة نظر جديرة بالتأمل في هذا الصدد، فمن الناحية الرسمية يتبنى الحزب الجمهوري شعار الضرائب المنخفضة والحكومة محدودة الصلاحيات، غير أنه باستثناء فترة التسعينات المعقدة، فرض الأعضاء الجمهوريون والرؤساء الجمهوريون تخفيضات ضريبية، وأجلوا تخفيضات الإنفاق إلى غد لم يأت قط.
وسارع المحافظون إلى تبرير ذلك الفشل بنظريتين متباينتين، أولاهما نظرية «جوع كلبك»، ومفادها أن التخفيضات الضريبية ستجبر الحكومة على خفض الإنفاق، والثانية هي الفكرة السعيدة القائلة إن الاقتطاعات الضريبية ستزيد إيرادات الحكومة، الأمر الذي يجعل القلق بشأن العجز أمراً لا أهمية له.
لكن الواقع الفعلي لا يؤيد أياً من هاتين النظريتين، فالاقتطاعات الضريبية، إذا تمت دون اقتطاعات في الإنفاق قد تدفع الناخبين، كما أظهرت دراسات معهد «كاتو» وإحصاءاته، إلى التصويت للحكومة الكبيرة لا المحدودة، لأن الاقتطاعات تشبه الحصول على وجبة مجانية، أما فيما يتعلق بالحقيقة القائلة إن الاقتطاعات الضريبية تزيد من إيرادات الحكومة، فهذا ليس صحيحاً، إذ إننا لم نر ذلك في عهد جورج بوش.
لحسن حظ الجمهوريين في مجلس النواب، فإن تعهدهم خلا من ملامح نظرية «جوع كلبك»، كما أنهم لم يتظاهروا بأن إحياء الاقتطاعات الضريبية التي سنها جورج بوش سوف يؤدي وحده إلى الإضرار بالولايات المتحدة، غير أن ممارسات الجمهوريين الاقتصادية، التي تشبه التسول من أجل الحصول على وجبة مجانية، تثير حنق أعضاء حزب الشاي، الذين يكرهون هذا الأسلوب، فهذه الممارسات تحض على خفض الضرائب، لكنها لا تقترب البتة من الاقتطاعات في الإنفاق المطلوبة لتعويضها.
هناك منطق سياسي وجيه في هذا بالطبع، فتقليص الإنفاق دوماً صعب ومؤلم،لهذا فالحزب الجمهوري، خاصة مع سعيه للفوز في انتخابات التجديد النصفي، لا يريد أن يخاطر ويتخذ قرارات مثيرة للجدل، أما في واقع الأمر فالكل يعلم أن لا يوجد حل لتلك المشكلة.
ولا سبيل لإعادة الميزانية إلى جادة الصواب إلا بالإصلاح، الذي يتضمن تلقائياً تقليص نفقات الرعاية الصحية لكبار السن ومحدودي الدخل والضمان الاجتماعي، وهذا الموضوع لا يتطرق له حالياً أحد في الكونغرس، لا من قريب ولا من بعيد، اللهم إلا السناتور الجمهوري بول ريان، الذي لا يكل ولا يمل.
غير أن هذا يعني، في نهاية المطاف، أن التعهد يدور بشكل أكبر حول مشاركة الحزب المحتمل في سياسات الجمهوريين كالمعتاد. وهذا سيكون من دواعي سوء الحظ، فحزب الشاي لديه الكثير مما يستطيع تقديمه لأميركا على الرغم من عناصره ذات الأطوار الغريبة، إذ يمتلك سياسة اقتصاد في الإنفاق يؤيده فيها الكثير من الأميركيين، في وقت يشد السياسيون شعرهم في الولايات المتحدة بحثاً عن مخرج.
من السهل التخيل أن تلك الحركة، التي تضم، في نهاية الأمر، في جنباتها عدداً من متلقي المعونة الاجتماعية والرعاية الصحية المخصصة لكبار السن، وأعضاؤها وهم يؤدون فروض الطاعة للدستور، ولوعود ترشيد الإنفاق غير واضحة المعالم، وهذا من الصعب أن يحصل في واقع الأمر.
بقلم: باتريك بوكانان ترجمة: يوسف جباعته- بقلم: جيم بنسيفنغا - بقلم: روس دوثات
