عادة وفي غالب الأحيان، لا تكون انتخابات الكونغرس التي تحصل في منتصف ولاية الرئيس الأولى لصالح هذا الأخير. مع ذلك، لا تكون بالضرورة بمثابة المقياس أو المؤشر المبكر لانتخابات تجديد رئاسته بعد عامين.
الرئيس الأسبق بيل كلينتون مثلا خسر الأغلبية في مجلسي الكونغرس العام 1994 أي بعد وصوله الى البيت الأبيض بعامين لكنه فاز بالتجديد في معركة كانت كفته فيها راجحة بقوة. لكن الأمر قد لا يكون كذلك مع باراك أوباما. فحزبه الديمقراطي يتجّه نحو الخسارة وفق كافة الاستطلاعات والتقديرات على الأقل في مجلس النواب.
وربما خسر عددا من المقاعد في مجلس الشيوخ ولو احتفظ فيه بأكثرية ضئيلة. لكن هذه المرة، قد تكون انتخابات نوفمبر «البروفة» لمعركة الرئاسة في 2012.
خصومه الجمهوريون ومعهم اليمين المتشنج «حزب الشاي» يخوضونها كاستفتاء على الرئيس وعلى خطابه ومقارباته وسياساته الداخلية بشكل خاص والخارجية بل على شخصه الذي عملوا على إحاطته بالكثير من علامات الاستفهام والارتياب وبلغة تنضح بالعنصرية والتحريض وظفوا فيها إمكانات دعائية وإعلامية ومالية غير مسبوقة.
ويتردد أن أموالا خارجية دخلت على خطها عبر غرفة التجارة الأميركية التي تدعم المحافظين بقوة. حملة تضليل فجّ نجحت في الوصول إلى قلوب وعقول 24 في المئة من الأميركيين.
تشقق ديمقراطي داخلي
لكن الحملة المحبوكة على شراستها ليست وحدها المسؤولة عن هبوط وضع أوباما وحزبه فالمشكلة داخلية في معظمها لأن قاعدته الحزبية مصابة بالاحباط. فقط 34 في المئة منها ناشط في المعركة الانتخابية مقابل 68 في المئة في الخندق المقابل.
الحالة الاقتصادية المترنحة ساهمت في هذا الهبوط. والأسوأ أنه حتى مرشحي حزبه حرصوا خلال الحملة على وضع فاصل بينهم وبين رئيسهم. والبعض تنصل من سياساته وطروحاته وكأنه تحوّل الى عبء.
أوباما فشل في أن يكون القائد الفعلي لحزبه. الحاشية الضيقة حوله عزلته عن بيئته السياسية. همها الرئيسي كان حماية رصيده وكأن هذا الأخير مستقل وقائم بذاته. كبير مساعديه دافيد اكسلرود قالها صراحة: «اذا كان على الرئيس أن يضحي بعشر نقاط من رصيده ليضمن فوز عشر مقاعد في الكونغرس فاننا لا نريد ذلك».
معركة التجديد المقبلة كانت الهاجس الذي حكم على ما يبدو هذا التوجه. الفصل بين وضع الرئيس ورصيده وبين مصالح حزبه خلقت له متاعب مع كثير من الديمقراطيين في مجلسي النواب والشيوخ.
وفي النهاية ظهر ذلك على شكل فتور وتشقق في تماسك خطاب الحملة الانتخابية وبرنامجها وبالتالي في تماسك الكتلة الانتخابية، الأمر الذي سمح للجمهوريين بالزحف على دوائر انتخابية كانت تقليديا محسوبة في الخانة المضمونة للحزب الديمقراطي ومنها ما كان بمثابة عرينه فيما هي اليوم مهددة بالاجتياح المضاد.
وأدرك أوباما ذلك في الآونة الأخيرة فشمّر عن ساعديه ونزل الى ساحة الحملة الانتخابية وزار عدة ولايات ودوائر انتخابية علّه يستطيع تحريك واستنفار الناخبين الذين حملوه إلى البيت الأبيض أو في أقله الكتلة الديمقراطية منهم إذا لم يكن لضمان الفوز، فعلى الأقل لتقليل الخسائر.
حتى اللحظة لم يقو فالموازين ما زالت راجحة ضدّه من غير تعديل ملحوظ الأمر الذي دعا إلى إدخال الرئيس الأسبق كلينتون على خط الحملة باعتبار أنه لا يزال يتمتع بحضور سياسي ملفت ورصيد وازن.
سياسة تحديد المواعيد
مما لاشك فيه أن عوامل كثيرة تضافرت وتآمرت لتفقد أوباما الكثير من بريقه ووهجه وبالتالي من قدرته على الاستقطاب. الوضع الاقتصادي المتردي الذي ورثه استعصى على التعافي. خصومه المحافظون تمكنوا وبديماغوجية نادرة المثيل من توظيف الوضع الصعب ضده بل تحميله المسؤولين. مع أن الأزمة من صنعهم وجزء من تركة الرئيس السابق جورج بوش الثقيلة.
راهنوا على الناخب الأميركي لكن الذي لا شك فيه أيضا هو أن رخاوة أوباما واختياره البقاء في موقع الدفاع سهّلت عليهم الهجوم. التخبط في الساحة الخارجية، خاصة في أفغانستان والذي لم يعد سرّا، ساهم هو الآخر في زعزعة الصورة.
تعزز ذلك بعد مسلسل الاستقالات أو الاقالات فضلا عن الهروب خوفا من غرق المركب بحيث بدا وكأن المراد كان لصق التعثر باشخاص واشاعة الانطباع بأن تغيير الوجوه سيفي بالمطلوب.
أوباما الذي رفع شعار التغيير، تردد بالرغم من قناعته بطرحه. اكتفى بالتغيير في المواقع. التغيير المطلوب عزف عنه حتى الآن وهو الانتقال من الدفاع الى الهجوم.. وربما فات الوقت.
في الملفات الخارجية، اكتفى بسياسة «تحديد المواعيد» في العراق وافغانستان وعملية السلام «للتخلص من الأزمات وليس لحلها» كما قال أحد كبار المعلقين.
وفي الملفات الداخلية، وصل الى انتخابات «لو خسر حزبه فيها مقاعد كثيرة في الكونغرس لكان هو الخاسر الكبير. ولو جاءت خسارة حزبه ضئيلة لكان هو الخاسر الأكبر لأن رئاسته ستبقى مشلولة» على حدّ ما قال معلق آخر. وفي ذلك خطر كبير على معركته في 2012.
واشنطن - فكتور شلهوب