لا يعيش الحزب الديمقراطي الحاكم في الولايات المتحدة أفضل أيامه مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي، وقد يتذكر القراء الجهود التي قام بها جو بايدن، نائب الرئيس الاميركي الحالي، في إحدى حملات البيت الأبيض الانتخابية السابقة.

وكيف أن تلك الجهود تعثرت على خلفية اتهامه باقتباس فقرات خطاب من خطابات نيل كينوك، الزعيم العمالي البريطاني الأسبق، وقد يتذكره القراء قبل ذلك حيث كان أكثر أعضاء مجلس الشيوخ إثارة للجدل، لهذا فإن الديمقراطيين سيكونون بحاجة لما يشبه المعجزة ليتجاوزوا محنة انتخابات التجديد النصفي.

والمنطق يقول إن مشكلة الديمقراطيين الكبرى تتلخص في أن خصمهم، الحزب الجمهوري، يشهد حالة من التجديد والنشاط، غير أن الصعوبة الحقيقية التي ستواجه الرئيس الأميركي باراك أوباما ونائبه جو بايدن هي خيبة الأمل التي لحقت بالقاعدة الليبرالية الديمقراطية، وحماسها الذي فتر بعد أن أوصلت أوباما إلى منصب الرئاسة قبل سنتين.

وحتى داخل البيت الأبيض، فالشعور السائد هو شعور الاقتراب من النهاية، وليس الانطلاق من البداية، لدرجة أن رام إمانيويل، كبير موظفي البيت الأبيض قدم استقالته بهدوء، أخيراً، ومضى يبحث عن حياة أكثر هدوء، في عمله الجديد كعمدة لمدينة شيكاغو، كما أن هناك بضعة مستشارين يعتزمون الرحيل أيضاً.

ومن شبه المؤكد أن كل الإنجازات التشريعية التي حققها أوباما ذهبت أدراج الرياح، فما تبقى من فترته الرئاسية سيكون حرب استنزاف بينه وبين الجمهوريين الشرسين، حيث ان التركيز حينها سيكون على جهود إعادة انتخابه عام 2012.

لكل هذا، فإن الرئيس الأميركي ونائبه يبذلان ما بوسعهما لإبقاء الشمعة مضيئة، وهذا ما تدل عليه حماسة أوباما في الزيارات المتكررة للناس، والاستماع لهمومهم وشكاواهم، في محاولة منه لاسترداد البريق، الذي نجح في إضفائه على نفسه عام 2008، عندما سحر الجميع بمن فيهم الشباب.

لكنه في اجتماعه الأخير بطلبة جامعة وسكنسين الذين اشتهروا بليبراليتهم، وأمام حشد جماهيري مكون من 25 ألفاً، لم يبد على أوباما ذلك التألق الذي كان يلازمه في الماضي، وبالمفاهيم السياسية فإن الفجر المتألق لنوفمبر 2008، عندما بدا أن كل شيء محتمل الحدوث في أميركا، قد تحول إلى غسق كئيب ممطر لا سبيل إلى إنجاز شيء فيه، ناهيك عن أن الكثير من الليبراليين يشعرون بأن أوباما خذلهم، وأنه لم يكافح لتحقيق ما كان يؤمن به.

وبمعنى من المعاني فإن هذه الاتهامات غير منصفة، فالرئيس الرابع والأربعون للولايات المتحدة تلقى إرثاً فظيعاً، حيث واجه حربين شرستين تخوضهما أميركا، وأزمة اقتصادية خانقة لم تشهدها الولايات المتحدة والعالم منذ فترة الكساد العظيم في ثلاثينات القرن العشرين.

فلا يمكننا إلقاء اللوم عليه وحده، بل يتحمل بعض هذا اللوم الكساد العميق الذي تمر به أميركا، والأميركيون أنفسهم الذين بنوا آمالاً عظاماً على أوباما وقدراته، وكأنه قادر على اجتراح المعجزات، كما يلام الأميركيون على ذاكرتهم القصيرة، فالحربان اللتان تخوضهما أميركا والكساد الذي تعيشه، ليست من صنع أوباما، بل من مخلفات عهد جورج بوش، الرئيس الأميركي الأسبق.

ويحاول الليبراليون بدورهم، مثل كل الديمقراطيين، توجيه أصابع اللوم إلى المتشددين من الجمهوريين، وهذا الأمر بات سهلاً في ظل وجود نظام سياسي معطل.

صحيح أن السياسة هي فن الممكن، لكن من المستحيل تحقيق نتيجة أفضل مما حققه أوباما، ويحاول الليبراليون النظر في الماضي ليروا إن كان بالإمكان أحسن مما كان، خاصة فيما يتعلق بإصلاحات الرعاية الصحية، التي يقر الكثيرون أنها كانت خطوة في الاتجاه الصحيح، إلا أن ما قد يشينها هو عدم مواصلة أوباما الكفاح من أجل تهذيب مخالب شركات التأمين وتقليص مخصصاتها.

غير أن ما يؤلم حقاً هو استعداد أوباما للاستمرار في تبني برامج بوش المثيرة للجدل، فمعتقل غوانتانامو كان من المفترض أن يغلق أبوابه في يناير 2010، بحسب ما وعد الرئيس الأميركي.

لكنه لا يزال قائماً، ولا تزال المحاكمات العسكرية تجرى للسجناء في ظل ظروف سرية لم تتغير منذ أيام بوش، حتى أن البعض منهم قد يتم الزج به في السجن إلى أمد غير معلوم دون تهمة واضحة، وهذا أمر فيه مخالفة واضحة للقانون الدولي.

كما أن حالات القتل الناجمة عن الغارات الأميركية باستخدام الطائرات الموجهة عن بعد، على مواقع في دول مثل باكستان واليمن، تعتبر، بالنسبة للكثيرين في اليسار الأميركي حالات اغتيال غير قانونية، والأسوأ من هذا اعتقادهم في اليسار أن ما يقوم به أوباما ما هو إلا رد فعل لإقناع الجمهوريين بأن الديمقراطيين ليسوا، كما يظنون، وبالاً على الأمن القومي الأميركي.

استنهاض الهمم

يرى الكثير من الخبراء أن الزج بقوات أميركية إضافية للقتال في أفغانستان يعتبر أمراً مدمراً، فهي تكشف أن أوباما لا يثق بقدراته الذاتية، ولا يحب أن يظهر بمظهر الضعيف.

وقد يكون الوقت الآن متأخراً في محاولات أوباما استنهاض همم الديمقراطيين بدعوتهم لأن يصحوا من سباتهم، صحيح أن الليبراليين ليس أمامهم خيار آخر، لكن أوباما بحاجة لحماسهم، لا مشاركتهم فقط، فذلك الحماس هو الذي أوصله لسدة الحكم يوماً ما، وربما تعلم أوباما درساً الآن من سنتيه الماضيتين في الرئاسة، حيث تعامل مع الأمور بحذر وواقعية، وربما سيضطر لدفع ثمن ذلك قريباً.

بقلم - روبرت كورنويل