تلبية لدعوة وجّهها إليه نظيره اللبناني ميشال سليمان، عندما زار إيران منذ نحو عام ونصف العام، يحلّ الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ضيفاً على لبنان غداً الأربعاء في زيارة رسمية تستمرّ يومين.

وتحمل رسائل سياسية وأمنية واستراتيجية واضحة، ليس أوّلها أن طهران على استعداد كامل لحضانة الجيش اللبناني، ولا آخرها أن لبنان بات في صميم منظومة التحالف السوري الإيراني، وفق أوساط حزب الله.

وعشية وصول نجاد إلى بيروت، كان الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله رسم خريطة طريق واضحة المعالم لاستحقاق الزيارة المرتقبة، إذ ضمّنها جملة ثوابت، أبرزها العلاقة المميزة مع إيران وسوريا، وبالتالي ليس هناك من مجال لفصل مسار الحزب عن مصير إيران، ومن خلالها عن مصير التحالف السوري الإيراني.

وفي كلمة ألقاها منذ يومين، أشار نصرالله إلى أن وجود نجاد في الرئاسة «يساعد على أن يكون مستوى الدعم الإيراني للمقاومة في المنطقة أكبر بكثير»، ولفت الى أن نجاد «ضيف لبنان الرسمي.

ولا يأتي بدعوة من طائفة أو جهة، بل من لبنان الرسمي، وعلينا التعاطي معه بالأخلاق وحسن الضيافة اللبنانية، وأن نكون كباراً في التعاطي مع مسائل بهذا الحجم»، مشدّداً على أن «إيران مستعدة لمساندة لبنان في كل المجالات، بما في ذلك تسليح الجيش، رغم كل الصعوبات التي نعيشها».

وفي المضمون، فإن حزب الله يرى في الزيارة جرعة دعم إضافية للمعارضة أولاً، وإحراجا لفريق رئيس الحكومة سعد الحريري ثانياً، فتسليط حزب الله الضوء على العرض الإيراني لتسليح الجيش «يخفي وراءه نوعاً من حشر الخصوم السياسيين في زاوية الموقف، خصوصاً أن رفض العرض الإيراني المفتوح لتسليح الجيش قد يثير نقمة عارمة لدى الكثير من اللبنانيين في حال رفضه من دون أسباب مقنعة»، حسب قول مصدر سياسي مراقِب لـ «البيان».

واستناداً إلى مصادر ديبلوماسية، تجدر الإشارة إلى أن مواقف نجاد في لبنان ستكون عامّة، للتأكيد أنه مع جميع اللبنانيين من دون أي تمييز، ومع رصّ صفوفهم لمواجهة عدوّهم المشترك إسرائيل، مع تشديد الثناء على المقاومة التي أظهرت براعة غير مسبوقة في مقاتلتها، وهذا في نظره يستوجب دعمها.

وفي هذا السياق، يذكر أن الردود لم تنقطع منذ الإعلان عن هذه الزيارة، بين التأييد والترحيب والقلق.. ففي حين انقسم اللبنانيون، بسبب خلافاتهم السياسية والداخلية، حول هذه الزيارة ونتائجها.

كانت مواقف دولية وإقليمية تبدي بدورها مواقفها الخاصة، ولعل أبرز هذه المواقف كانت إسرائيلية، حيث لم يمضِ يوم دون أن يظهر في وسائل الإعلام الإسرائيلية أخبار وتحليلات وتعليقات حول خطورة هذه الزيارة، مع تحذيرات واستنفار عسكري تحسباً لأي طارئ.

كما تزامنت هذه المواقف مع تسريبات عن عدم رضا أميركي عن الزيارة، وتنبيه واشنطن لدمشق من أنها ستكون معنية إذا ما شكّلت الزيارة استفزازاً لإسرائيل.

وبينما واصل فريق 14 آذار حملته على زيارة الرئيس الإيراني، علمت «البيان» أن رئيس الحكومة سعد الحريري أبلغ مساعديه أن يتوقفوا عن الإسهام في هذه الحملة، ونبّه وسائل الإعلام الخاصة به إلى ضرورة عدم توجيه أي إهانة إلى الرئيس الضيف، علماً بأن برنامج نجاد يشمل استقباله في مقر إقامته الرئيس الحريري.

مصادر القلق

وفي هذا السياق، علمت «البيان» من مصادر مطلعة أن القلق من الزيارة يتمحور حول موضوعين أساسيّين: الأول هو ما ستقدّمه إيران إلى لبنان، والثاني مسألة زيارة نجاد إلى الجنوب اللبناني.

في الموضوع الأول، وبحسب المصادر، قد يشكّل ما سيقوله الرئيس الإيراني لجهة استعداده تقديم كل ما يلزم إلى لبنان إحراجاً للبعض، لأن من شأن هذه التقديمات أن تكون محطّ انتقاد وشكّ لدى فئة من اللبنانيين وقوى إقليمية ودولية عدّة، وستشكّل إحراجاً حقيقياً للدول الكبرى التي تحاول حصر إيران في مكان ضيق..

أما عدم قبول الهبات أو المساعدات الإيرانية، فسيشكل إحراجاً لبعض اللبنانيين الذين سيظهرون وكأنهم ينادون بالشيء ويفعلون عكسه، وسيصبحون موضع شكّ وتساؤل، الأمر الذي سيعزّز وضع «حزب الله» أكثر فأكثر على الساحة المحلية.

أما في الموضوع الثاني، وبحسب المصادر نفسها، فلا تتعلق المسألة بالموقع الذي سيتمّ زيارته، بل إن الأهمية تكمن في الحجم المعنوي الذي ستخلّفه هذه الزيارة، وفي كيفية التعاطي معها من المنظار الأمني، خصوصاً وأن البعض يراهن على أن «حزب الله» سيضطر الى تولّي الحماية الشخصية لنجاد، ما سيجعله موضع انتقاد على غرار ما حصل في المطار عند عودة اللواء المتقاعد جميل السيد من فرنسا.

علماً أن قائد القوات الدولية في الجنوب الجنرال ألبرتو أسارتا كان أبدى استعداد عناصر القوة الدولية للمساهمة في تأمين حماية الرئيس الإيراني في الجنوب.

إضاءة

بدأت العلاقات اللبنانية الإيرانية في العام 1912، تاريخ افتتاح أول قنصلية إيرانية في لبنان، إلى حين اعترفت إيران العام 1944 باستقلال لبنان وسوريا، فارتقى مستوى تمثيلها في بيروت الى سفارة بدءاً من العام 1955.

ونجاد ليس أول رئيس إيراني في ظلّ الجمهورية الإسلامية يزور هذا البلد، إذ سبقه إليه سلفه الرئيس محمد خاتمي في 12 مايو 2003، لكنه أرفع مسؤول إيراني يزور لبنان بعد حرب يوليو 2006 التي تجد الجمهورية الإسلامية نفسها معنية وشريكة في ما تعدّه «انتصار المقاومة على إسرائيل». (البيان)

بيروت - وفاء عواد