لأن المؤلف «روبرت كوتنر» يصر على تقديم نقد حاسم وموضوعي وتقدمي أيضا للفترة المنقضية من رئاسة باراك أوباما، فقد أصبحت قراءة الكتاب ؟ كما يؤكد البروفيسور «جوزيف ستغلتز» الحاصل على جائزة نوبل ـ «من ألزم الأعمال بالنسبة لفريق المستشارين والمعاونين الاقتصاديين للرئيس أوباما في البيت الأبيض».
ويتمحور الكتاب حول فكرة أساسية لا يلبث المؤلف يستعيد عرضها وطرحها وهي أن الإمكانات التي سبق وأن وعد بها المرشح الشاب باراك أوباما لم تتحقق بعد، وخاصة الشعار الذي نادى به بالتغيير، وكذلك الآمال التي عقدتها على هذا السياسي الملون جماهير غفيرة، وخاصة من شباب الناخبين.
تصدّت لها إلى حد يصل إلى حافة الإحباط معارضة اليمين الجمهوري من جهة ونصائح المستشارين الرئاسيين الذين يرى المؤلف أنهم لا يزالون يحتفظون بولائهم السابق لصالح دوائر المال والأعمال في «وول ستريت» وهو الموقع نفسه الذي انطلقت من تجاوزاته شرارة الأزمة الاقتصادية التي مازالت تأخذ بخناق العالم حتى الآن.
مع هذا الانتقاد الذي يسود صفحات الكتاب، إلا أن المؤلف يختم أطروحاته بنغمة تنمّ عن قدر من التفاؤل مبعثه الثقة في الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي لاشك أنضجته في رأي المؤلف تجارب الفترة التي أمضاها رئيسا للدولة في أميركا.
في نوفمبر المقبل تواجه رئاسة باراك أوباما تحديا جوهريا متمثلا في انتخابات التجديد لمجلس الكونغرس، ويزداد هذا التحدي ضراوة بفعل أنشطة المعارضة الجمهورية التي تتربص شرا بحكم الديمقراطيين الحالي في البيت الرئاسي الأبيض.
بيد أن التحدي سيظل ماثلا وفاعلا على امتداد الشهور المنقضية من عام 2010 الحالي، وتلخصه لفظة واحدة هي الآن بمثابة كلمة السر في تحليل السياسة الأميركية الراهنة والكلمة هي: الاقتصاد.
إن أحوال الاقتصاد في الولايات المتحدة لم تعد تسّر مؤيدي أوباما، فما بالك بمعارضيه، ورغم أن إدارة أوباما الراهنة ورثت عن إدارة بوش السابقة تَرِكة الأزمة المالية ، الاقتصادية الخانقة التي اشتعلت شرارتها .
كما هو معروف ، من دوائر المال والأعمال في «وول ستريت» وخاصة في ساحة القروض ومشتقات الرهونات العقارية ، إلا أن الجماهير عادة ما تكون واهية الذاكرة، فما أسرع أن تنسى حكاية التركة الموروثة وما أسرع ما تطالب الرئيس الحالي بسرعة الإصلاح وإلا فهو السخط وانتظار لحظة الحساب عند صندوق الانتخاب.
في انتظار أوباما
لم يكن صدفة إذن أن تنشر صحيفة «نيويورك تايمز»، وهي في التحليل الأخير في صف أوباما بحكم ميولها للفصيل الديمقراطي في السياسة الأميركية، مقالا بعنوان: «في انتظار أوباما» عَلَى وزن «في انتظار غودو»، مسرحية صمويل بيكيت الشهيرة، وهو شخصية لن تأتي بحال من الأحوال.
وليس صدفة أيضا أن ينشر البروفيسور «بول كروغمان»، الحائز على جائزة نوبل مقالا ينتقد فيه ما اتخذته رئاسة أوباما من تدابير إصلاحية لتخفيف ضراوة الأزمة المالية. عنوان المقال واضح الدلالة وهو: ليس هذا انتعاشا ولا تعافيا.
في ضوء هذا كله، لا تعجب عندما يصل المحللون إلى تصوير إدارة وحقبة أوباما الراهنة على النحو الذي تعبر عنه العبارة التالية: رئاسة في خطر. وهذا هو بالضبط العنوان الحرفي الذي اختاره الكاتب الاقتصادي «روبرت كوتنر» عنوانا لكتابه الذي نستعرض أفكاره ونحلل أطروحاته في هذه السطور.
ويبدو روبرت كوتنر متخصصا إلى حد ليس بالقليل في الحالة الأوبامية، كما قد نسميها ، فقد حمل كتابه السابق العنوان التالي: «تحدي أوباما» بمعنى التحديات التي تواجه رئيسا كان مستجدا في المكتب البيضاوي، فضلا عن كونه ينحدر من أصول تجمع بين المسلمين والملونين والفقراء المكافحين.
فما بالك بانتمائه إلى الحزب الديمقراطي الذي أزاح عن سدة السلطة سطوة الجمهوريين، الذين يرمزون في مضمار السياسة الأميركية إلى سطوة حيتان البيزنس، وهو أمير الاقتصاد وبارونات الاستثمار.
فضلا عن تيار عريض يسود دوائر الحزب المذكور مناهضا للمهاجرين والمتجنسين والملونين والوافدين ومعارضا لطروحات العدل الاجتماعي ونهوض الدولة الحاكمة بمسؤولياتها تجاه الطبقات الدنيا، وهو ما يعتبره الجمهوريون ، خاصة منذ أيام ريغان ـ تدخلا في حياة الناس وخصوصياتهم ووصاية على أفكارهم وعلى ما يتخذونه من قرارات.
التصدي للقطط السمان
يستهل المؤلف الفصل الأول بين فصول الكتاب السبعة بعبارة وردت على لسان أوباما مع السنة الأولى من ولايته الرئاسية ولعلها أثارت ضده دنيا الحيتان والهوامير. والعبارة هي: لم أرشح نفسي لهذا المنصب (الرئاسي) لكي أساعد حفنة من المصرفيين من القطط السمان في وول ستريت.
هنالك يعترف المؤلف بأن السنة الثانية من ولاية أوباما لم تعد مبشرة بخير مرتقب: صحيح أن أميركا لم تنزلق إلى هاوية الكساد الكبير الذي سبق وتذوقت مرارته في عقد الثلاثينات من القرن الماضي، وصحيح أن أوباما بادر إلى حزمة من إصلاحات التحفيز لإعادة تنشيط الدورة الاقتصادية، إلا أن أخطر ما أصاب اقتصاد أميركا كما يراه المؤلف في الوقت الحالي هو آفة تلخصها كلمة واحدة هي الركود.
والركود هو الطريق الأخطر ، سكة الندامة كما قد نسميها ، الموصِّلة إلى الكساد، ومن ثم إلى أن تفقد أميركا ميزتها النسبية لصالح قوى صاعدة بل هي متربصة في عالم اليوم وفي مقدمتها بطبيعة الحال بلد اسمه: الصين.
مشكلة أوباما ، كما يراها المؤلف في مطالع كتابه أنه جاء بوعود من أجل التغيير، والمؤلف لا يفتأ يذّكر قارئ الكتاب بشعار الرئيس الملون الشاب، الذي تلقفته الأجيال الطالعة في أميركا ممن كانوا يمارسون بحكم السن حقهم الانتخابي للمرة الأولى في حياتهم، والشعار هو: نعم، نحن نستطيع.
يومها كانت شعارات وخطابات المرشح أوباما مصدر إلهام للكثيرين، لكن الوعد والإلهام شيء والارتطام بأرض الواقع بكل برودته ومرارته شيء آخر تماما.
وعلى رأس المشاكل التي أدت إلى هذا الركود ما يراه المؤلف من سوء اختيار أوباما لأهم مستشاريه وأبرز مساعديه، ورغم أن العالم يتابع باستمرار تحركات وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون إلا أن البند الأهم على أجندة الرئيس الأميركي حاليا لا يتمثل في السياسة الخارجية بل في الإصلاح الاقتصادي، هنا نطالع اسما لا تسلط عليه الأضواء كثيرا، خارج أميركا على الأقل.
هو روبرت روبن، يسميه المؤلف صانع الملوك، ويصفه بأنه ديمقراطي من وول ستريت، وبأنه رجل المال والاقتصاد المخضرم من أيام كلينتون ولكنه ظل على ولاء لدوائر المال والأعمال وعلى حساب مصلحة الطبقات الفقيرة والمحرومة، الأمر الذي جعل إدارة أوباما تراوح مكانها بين براثن ومصالح وول ستريت وبين ضرورات العدل الاجتماعي التي بّشر بها أوباما.
والأخطر أن جاء روبن بمجموعة من حلفائه وزملائه من وول ستريت إلى دوائر صنع القرار في البيت الأبيض ومواقع الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الأميركي مما زاد الهوة اتساعا بين الوعد والواقع، أو كما يطلق عليه المؤلف الوصف الصحفي التالي: رانديفو لم يتم ومعناه: موعد لم يتحقق مع الإصلاح.
وإذا كان من حق إدارة أوباما أن نلتمس لها العذر في ضوء المعارضة الشديدة والمتواصلة من جانب الجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ في واشنطن، حيث تصدي ممثلوهم لأي مشروع قانون يحاول فرض ولو الحد الأدنى من إجراءات الترشيد أو التنظيم على أنشطة الفعاليات الاقتصادية الخاصة، بعد أن سحبت اقتصاد البلاد إلى هاوية الأزمة الخانقة.
إلا أن المؤلف يرى من باب الانتقاد أن رئيس الدولة لم يعمد بعد إلى النزول بكل ثقل منصبه الخطير والرفيع ليساند الإصلاحات التي تطرحها إدارته، وإن هذا التردد إذا ما استمر عبر الأشهر أو هي الأسابيع القليلة الفاصلة حتى انتخابات نوفمبر قد يؤدي إلى أن يضيع على واشنطن بالفعل موعدها المرتقب مع الإصلاح أو التعافي أو حتى الانتعاش.
عن رأسمالية المحاسيب
هذا التحليل يقود القارئ إلى الفصل الرابع الذي نراه متفردا من حيث الطرافة والدقة والأهمية أيضا بين فصول الكتاب، وعنوانه هو: رأسمالية المحاسيب. هو مصطلح مستجد في مضمار الاقتصاد العالمي الراهن. وفيما اجتهدنا في ترجمته على هذا النحو، فإن المصطلح المعتمد في معاجم صندوق النقد الدولي يأتي على النحو التالي: رأسمالية المقرّبين. أو الرأسمالية الشللية.
وفي هذا الفصل يحرص المؤلف، بحكم خبرته في كواليس وول ستريت، على إيضاح أو فلنقل كشف المعايير المزدوجة والنفاق الفكري الذي يصدر عنه مستشارو أوباما أنفسهم من رجال المال والاقتصاد، إنهم يحرصون بالذات على إبعاد الدولة عن مجالات ترشيد الاقتصاد وضبط إيقاعه وعن التدخل عند اللزوم لكبح جماح المتربحين والانتهازيين والمضاربين وكبار المتنفذين، والمشكلة .
كما يوضح المؤلف أن أوباما، بكل حماسته وحسن نواياه، إنما يواجه قوى عاتية جبارة في هذا المجال، إنها رأسمالية المقربين أو التشكيلات الشللية أو رأسمالية المحاسيب، تلك التي تمارس نوعا من النشاط الرأسمالي الذي لم يسمع به قط أبو الرأسمالية نفسه.
المفكر الإنجليزي آدم سميث الذي تكلم هو وأتباعه عن حسن استثمار عوامل الإنتاج المعروفة من أرض وعمل ورأس مال ومهارات وخامات من أجل التوصل إلى محصلة سلعية أو خدمية يُحدَّد سعرها حسب المنافسة وقوانين العرض والطلب على مستوى السوق.
هذا هو النشاط الرأسمالي المشروع، لكن رأسمالية المحاسيب وأصحاب المصالح العاتية تعد أرباحها بالمليارات ولا تعرف حكاية المنافسة الشريفة، ويعبر عنها أكثر من لوبي متخصص وجماعة مصالح تمارس ضغوطها ، ابتزازها أحيانا ، على أعضاء الكونغرس بالذات فضلا عمن جنّدته لخدمة مصالحها من مفكرين ومديرين وخبراء ، ومنهم من يعترف مؤلف هذا الكتاب بأنهم أعضاء في طاقم أوباما الاقتصادي في الوقت الحالي.
هذا النفاق السياسي
من آيات هذا المعيار النفاقي المزدوج، ذلك التصريح الذي أدلى به مستشار أوباما الاقتصادي لورنس سومرز في يونيه عام 2009 وقال فيه: باراك أوباما ترشّح للرئاسة لكي يستعيد دور أميركا في العالم، ولكي يعد أبناءنا لاقتصاد القرن الواحد والعشرين، باراك أوباما لم يترشح للرئاسة لكي يدير البنوك أو شركات التأمين أو مصانع السيارات.
والتصريح في ظاهره بلاغي مؤثر، ولكنه في جوهره يستبعد أن يكون للرئاسة الأميركية ، رئيسا ومستشارين ـ دور دينامي فاعل ومؤثر بالترشيد والتنظيم في مجال أسواق المال وفي عالم الصناعة ودنيا الأعمال.
من هنا لا يتورع المؤلف (ص125 وما بعدها) عن متابعة ورصد، بل ملاحقة العقود المليارية السوبر ـ سخية التي خصّوا بها كبرى المصارف والمصالح الاقتصادية، وهي عقود حكومية بالدرجة الأولى، وقد ساعد على إبرامها من يصفهم المؤلف بأنهم «الأصدقاء في المناصب العليا»، فيما يطلق على هذه الصفقات وصفها المأثور في أدبيات السياسة الأميركية وهو: صفقات العشاق!
بمعنى تلك الصفقات التي يتم إبرامها خلف كواليس الأسرار لزوم التربّح واستغلال المواقع والنفوذ.وفي السياق نفسه يمضي المؤلف كي يفّند ما ذهب إليه المستشار الاقتصادي الرئاسي «سومرز» فيوضح أن حكاية إبعاد الحكومة والإدارة والبيت الأبيض ورئاسة الدولة (أوباما) عن إدارة البنوك وشركات التأمين وما في حكمها هي أمر يعكس - برأي المؤلف - جهلا حتى بتاريخ أميركا ذاتها.
وهو التاريخ القريب الذي سجل تدخل الدولة في دور بالغ الفعالية بإنشاء «مؤسسة تمويل التعمير» في عقد الثلاثينات (لمواجهة أزمة الكساد الكبير) وكذلك في إنشاء «مؤسسة الاستئمان» في التسعينات التي تصدت لكارثة مدخرات وقروض القطاع الخاص، وهنا يعلق المؤلف (ص159).
قائلا: في كلتا الحالتين ثبت أن الحكومة (الدولة) كانت هي الأفضل والأقدر على إعادة رسملة البنوك المنهارة وإدارتها بما يحقق الصالح العام إلى أن أمكن فرز الأصول واستعادة البنوك سابق عافيتها.
بين الأمل والإحباط
من هذا كله يصل مؤلف الكتاب إلى محّصلة يصفها بأنها ظاهرة التفاعل مع رئيس نادى بالتغيير وكان مصدراً لأمل عظيم بقدر ما أصبح مصدرا لإحباط عميق في آن معا، ويصف هذا الوضع بأنه أمر بالغ التعقيد، لكنه يعترف بأن الليبراليين (بمعنى فصائل التقدميين في أميركا) لا يزالون يساندون أوباما ومنهم من لا يزال يعقد عليه ولو بعض الآمال.
على أن المؤلف يعترف بأن المعارضة الجمهورية والعناصر المحافظة تزداد شراستها. وأن يناير القادم عام 2011 جدير بأن يشهد في رأيه برلمانا يحوي أغلبية من المعارضة الجمهورية وعلى حساب مقاعد الديمقراطيين.
مع هذا كله يحرص المؤلف على أن يختتم مقولاته بسطور يقول فيها: إن الرؤساء ينضجون وهم يشغلون المنصب الرفيع. وهم ينضجون عندما يحرص الآخرون على حثهم ودفعهم إلى الأمام. ثم أنهم ينضجون عندما يواجهون احتمالا ينذر بذّل الهزيمة (السياسية).
لهذا يخلص الكاتب «روبرت كوتنر» إلى القول: من هنا فأنا على هذا الأساس متفائل، على الأقل لأن لدينا رئيسا بدأ في إدراك الإمكانات الكاملة التي يتمتع بها كقائد، فما بالك ونحن لدينا معارضة ماهرة التحرك ولكن فارغة المحتوى، يجسّدها الجناح اليميني (المحافظون) في الحزب الجمهوري، وهو جناح لا يملك شيئا يقدمه لحل ما تواجهه أميركا من قسوة الأزمات.
المؤلف في سطور
»روبرت كوتنر» كاتب وصحافي وإعلامي يركز كثيرا من كتاباته على قضايا النقد والتحليل الاقتصادي، فضلا عن كتاباته السياسية التي لفتت الأنظار عندما أصدر بالذات كتابه المهم السابق بعنوان: «تحدي أوباما ما بين الأزمة الاقتصادية وسلطة الرئاسة المتحوّلة».
وهو يجمع بين الكتابة في كبريات الصحف الأميركية مثل «واشنطن بوست» و»بوسطون غلوب» وبين المشاركة بالتعليق السياسي في الراديو والتليفزيون الأميركي.
وقد شغل في السابق منصب كبير محققي لجنة المصارف التابعة لمجلس الشيوخ في الكونغرس، حيث أتيحت له فرصة النفاذ إلى كواليس الواقع الاقتصادي، وخاصة في دوائر وتعاملات وضغوط وول ستريت، فضلا عن عضويته في مؤسة «ديموس» التي تعد في طليعة مراكز البحوث وتصنيع الأفكار في الولايات المتحدة.
