أجرت مجلة «ديرشبيغل» الألمانية حواراً مع الجنرال ديفيد بترايوس قائد القوات الدولية الجديد في أفغانستان، الذي خلف الجنرال ستانلي ماكريستال، أخيراً، في وقت يمر الوضع الأفغاني بمرحلة انتقالية مهمة. وقد أكد بترايوس أن واشنطن لا تعتزم بأي حال جعل أفغانستان نسخة من سويسرا.

وتحدث بصراحة كبيرة عن فشل الولايات المتحدة في التعامل مع الوضع الأفغاني مالياً، وعسكرياً، وتكتيكياً. وقال إنه قلق بشأن توثق العلاقات بين جماعات التطرف في المنطقة.وفيما يلي نص الحوار: أظهر استطلاع للرأي أجرته جامعة كابول بالتعاون مع مركز بحث ألماني أن 70% من الأفغان لا يثقون في البرلمان، على الإطلاق. وأن 65% غير راضين عن أداء الحكومة. ماذا يعني هذا بالنسبة لعملك؟هناك استطلاعات أخرى تشير إلى أن الأفغان متفائلون بمستقبلهم. ولكنني أتفق مع ما يوحي به السؤال. فبعض تلك الاستطلاعات تشير إلى درجات مفهومة من القلق بشأن سرعة التقدم. لكن هذا يعني أيضاً إن هناك آمالاً كبيرة في النجاح. وبالنظر إلى هذه العملية من بدايتها نجد إنجازات كبيرة. فقد تم إنشاء ألوف الكيلومترات من الطرق.وهناك عدد من التلاميذ يذهبون إلى المدارس أكبر سبع أو ثماني مرات عن السابق، بمن في ذلك البنات. وأصبحت هناك خدمات صحية واسعة النطاق في أنحاء البلاد. لكن هذا كله حدث في وقت عادت طالبان وعناصر جماعات متشددة أخرى إلى أفغانستان، وأسست لنفسها ملاذات آمنة، من جديد. وقد واصل رجالها تقدمهم اعتباراً من 2002 و2003، ولم نستطع وقف زحفهم إلا في الآونة الأخيرة.:تأخر الحسم:لقد بدأت هذه العملية منذ 9 سنوات، فلم إذن تأخر وقت الحسم؟

لأن العملية كانت تدار من منطلق فكرة «ترشيد القوة» لسنوات عدة. وقد أمضينا الشهور ال18 الأخيرة ونحن نحاول تصحيح الأوضاع. والحقيقة أننا لم تتوفر لنا القدرات التنظيمية اللازمة لشن هجوم عسكري شامل ضد حركة التمرد بالتعاون مع شركائنا الأفغان.وفي بعض الحالات لم يكن لدينا الأشخاص المناسبون، ولم تكن لدينا خطط ولا مفاهيم كافية. وعلاوة على ذلك كله، لم تكن لدينا الموارد اللازمة، ومنها القوات الكافية، والوحدات المدنية، ولا حتى التمويل. وقد تغير ذلك. فخلال ال18 شهراً الماضية أضافت أميركا، وحدها، إلى قواتها 60 ألف جندي، وضاعفنا عدد القوات الخاصة، والمدنيين، ثلاث مرات، وتم تقديم التمويل ل100 ألف جندي أفغاني إضافي. كما قدمت دول أخرى إسهامات ملموسة.لكن المحير أنه في الذكرى التاسعة لبدء الحرب، أي قبل أشهر قليلة، أشار الجنرال مايكل فلين، نائب رئيس الأركان للاستخبارات في أفغانستان، إلى أنه بعد مرور أكثر من ثماني سنوات على بدء الحرب فإن جهاز الاستخبارات المهول عاجز عن الإجابة على أسئلة مهمة حول البيئة التي تعمل فيها قوات التحالف، والجمهور الذي تتوجب مخاطبته وإقناعه.

كيف هذا؟

نحن لم يتوفر لنا إلمام كاف بكل الوديان والقرى التي نتحرك فيها. ولكن، مرة أخرى: يمكن الذهاب إلى هناك عندما تتوافر كثافة معينة من القوات على الأرض. وهذا مثل يوضح المسألة: فنحن لم ندرك أن منطقتين إلى الغرب من قندهار تحولتا إلى ملاذ آمن مهم لطالبان، على مدى خمس سنوات. ولم نتبين حجم ذلك إلا أخيراً.

الدرس الذي استخلصناه من ذلك هو أن كل جهود مكافحة التمرد، يجب أن تكون محلية. وهو ما يعني أنه لا بد من فهم آليات وشخصية وعادات ونظام الأوضاع التقليدية لمنطقة ما. ولا يمكن تحقيق ذلك حتى يتوافر عدد كاف من القوات.

من هم خصومكم إذن؟ وماذا تقصد عندما تقول طالبان؟ يبدو أحياناً أننا لا نعرف من هم!

أنا لا أوافق على ذلك. حركة طالبان هي منظمة بالغة الدقة في تنظيمها الترتيبي، الذي يمكن وصفه بوضوح عند القمة.

وبالتأكيد كلما تراجعت المناصب، قل وضوح الصورة. ونحن نعرف العناصر المختلفة للحركة في صورتها الموسعة. كما أن لدينا رؤية واضحة للعلاقات الحميمة بين طالبان الأفغانية والباكستانية، والقاعدة، وجماعات متشددة أخرى.

شبكة معقدة

ما مدى الترابط والتداخل بين هذه الشبكة؟

هي معقدة بدرجة كبيرة. هي بالطبع لا تملك جهازاً مزوداً بالمعدات التكنولوجية المتقدمة، مثل قوة عسكرية حديثة، ولكنها توصلت إلى طريقة لإقامة خطوط اتصالات ومعلومات فيما بين كوادرها.

أنت تتبع استراتيجية مشابهة جداً لما نفذته في العراق، ما تعليقكم؟

في أفغانستان، نحن نحتاج إلى قوات مكافحة إرهاب تتعقب زعماء طالبان، وخلاياها الرئيسية. ولكن هذا ليس كافياً أيضاً. فقد قتلنا أبو مصعب الزرقاوي زعيم القاعدة في العراق، ولكن مستويات العنف استمرت في التصاعد، وبدرجات غير مسبوقة.

ونفذنا عمليات في الرمادي لخمس سنوات، ولم يتراجع مستوى العنف إلا عندما استخدمنا قوات تقليدية لتطهير المناطق ثم السيطرة عليها ثم إعادة بنائها. ونحن نحتاج إلى ذلك في أفغانستان، أيضاً، ولكن من سينفذه هي القوات الأفغانية.

انتقد الحلفاء الأوروبيون خطط إنشاء شرطة محلية... لماذا؟

ربما هم لا يفهمون حجم الضمانات التي تحققت. لقد عملنا بجد لزيادة الضمانات وتقليل مخاطر تأسيس قوات يمكن أن تتحول فيما بعد إلى ميليشيات لزعماء الحرب.

ولا يمكن أن يكون هذا أمراً معزولاً، فهو جزء من توجه شامل، والسياسة المحلية تلعب دوراً كبيراً، وجهودمصالحة مع طالبان؟

هناك عملية متواصلة لإعادة دمج من يريد من العناصر المتمردة في العملية السياسية. وهذا يعتمد على قبولهم الشروط التي أعلنها الرئيس الأفغاني حامد قرضاي، وهي إلقاء السلاح، واحترام الدستور، وقطع صلاتهم بالمتشددين، والالتزام بقيم المجتمع.

وفي الوقت الراهن، لدينا عدد كبير من الجماعات التي أعلنت رغبتها في إلقاء السلاح.تغيير المتمردين لمواقفهم أمر صعب للغاية. وهم بحاجة لحساب ما سيأتي به المستقبل، وكم ستستمر عملية القوات الدولية.

أوضح وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس أن عدد القوات التي ستنسحب في يوليو 2011، لن يكون كبيراً. فهذا التاريخ هو بداية عملية، ستعتمد سرعتها على التطورات الميدانية.

هل أخطأ الرئيس أوباما بإعلانه زيادة القوات وموعد الانسحاب في وقت واحد؟

أعتقد أن الكثيرين أخطأوا فهم رسالة الرئيس من تصريحاته تلك، كما تم تسييسها، ولم تفهم بشكل كامل.

مهما كان المعنى وراء ذلك، فأنت في مشكلة كبيرة الآن. الكل يعتقد أن الانسحاب سيكون كبيراً وأن نهاية العملية مقبلة.

إذا كان الأمر كذلك، فما علينا سوى أن نواصل شرح ما يعنيه موعد يوليو 2011 بدقة.

الزيادة اكتملت بالفعل. فماذا تقول؟

أقول اننا نمضي وفق الخطة المرسومة. فقد وصلت آخر دفعة من الزيادة وقوامها 30 ألفاً، والمساهمات الأخرى متواصلة، وتم توفير التمويل لتجهيز 100 ألف جندي أفغاني إضافي.

عقبة الفساد

هل يقلقك الفساد المستشري في صفوف الشرطة والجيش الأفغانيين كعقبة في طريق بناء جهاز أمني جديد؟

يجب أن نفهم الفساد في أفغانستان بمضمونه الصحيح. لقد خطت الحكومة خطوات عدة للقضاء على الفساد. وتم سجن أو فصل الكثير من المسؤولين في الأمن والقضاء والحكومة.

وقال الرئيس قرضاي نفسه إنه مطلوب القيام بالمزيد، لأن الفساد يقوض ثقة الناس في شرعية الحكم على كل المستويات.ربما يكون في ذلك بعض التجاوز، لكن البعض يقول إنه لو أراد قرضاي أن يحارب الفساد لكان بدأ بعائلته.هناك الكثير من المواقع التي تتم فيها محاربة الفساد، وأخرى تجب فيها محاربة الفساد، وأخرى تحتاج للشيء نفسه.

ما هي الخطوات التي اتخذت لمحاربة الفساد بشكل عملي؟

هناك مقولة مفادها أن المال في عمليات مكافحة التمرد يكون مثل «الذخيرة»، ولذلك نحن نحرص على وضعه في الأيدي المناسبة.

وقد أصدرت دليلاً إرشادياً لتنظيم التعاقدات في إطار العملية. كما أسسنا وكالة جديدة للإشراف على وتنفيذ شفافية أكبر داخل جميع المؤسسات المشتركة في تعاقدات معنا. ولكنني لا أريد أن يعيش أي فرد في وهم أننا سنحول أفغانستان إلى نسخة أخرى من سويسرا، في غضون خمس سنوات أو أقل.

ولن نحول واحدة من أفقر دول العالم، وخاضت حروباً على مدى 30 عاماً، إلى ديمقراطية صناعية متقدمة على الطريقة الغربية. ما نريد تحقيقه هو أن تصبح أفغانستان قادرة على حكم نفسها وتأمين حدودها.

هل انتم راضون عن مساهمة حلفائكم وخاصة ألمانيا؟

نعم، بكل تأكيد. الألمان يؤدون مهمة مذهلة.

ولكن هل أنت سعيد بحقيقة أن الأميركيين ينفذون معظم المهام الصعبة، لأن الدول الأخرى تتخاذل عن ذلك؟

لا أعتقد أن ذلك صحيح. الكل تحمل خسائر في الأرواح.هل تعتقد أن زيادة القوات الأميركية لتشكل ثلثي قوام القوات الدولية سيجعل الأفغان ينظرون إلى العملية على أنها حرب أميركية.

لا أعتقد ذلك.

يقول البعض إن هدف هذه الحرب هو احتواء قوى إقليمية أخرى؟

ليس هذا صحيحاً. فحرب أفغانستان هي من أجل أفغانستان. ومن أجل منعها من أن تكون ملاذاً للإرهابيين.

كم من الوقت يلزمك لإنهاء هذا الصراع في أفغانستان؟

هناك أكثر من ساعة لضبط الموعد، كلها تدق. وساعة أفغانستان إحداها.

هل من المعقول أن تتسلم قوات الأمن الأفغانية المسؤولية في 2014 كما أشار الرئيس الأفغاني حامد قرضاي؟

لقد قال إنه يريد لهذه القوات أن تكون في الطليعة، وليست الوحيدة.وسنحاول تحقيق تقدم كبير كل عام.

ما الذي يجب تحقيقه لكي نقول في النهاية إن هذه المهمة نجحت؟

عندما تصبح القطاعات الأفغانية، أمنياً وحكومياً، واقتصادياً، قادرة على الاعتماد على نفسها. ولدى أفغانستان معادن قيمتها تريليونات الدولارات، إضافة إلى ثروات طبيعية أخرى.

ما هي توقعاتك لمستقبل أفغانستان؟

أفغانستان لديها مصادر هائلة وفرص للثراء. وقد ذكرت المعادن الخام، ويمكنني أن أذكر أشياء أخرى كثيرة. إذا تم تطوير الإنسان الأفغاني جيداً وبشكل مناسب، فسيكون لها مستقبل مشرق.

وإذا كان بالإمكان تطوير البنية التحتية بدرجة أكبر، وإذا أمكن إيجاد ما يعرف ب«سلسلة القيمة»، أي تكامل فوائد الإنتاج للصناعة الأفغانية، فسيكون بالإمكان فعلاً التقدم كثيراً. أعرف أن هذه فرضيات كبيرة وسيستغرق تحقيقها سنوات كثيرة، لكن من الممكن أن تتحقق.

مناصب قيادية

ولد ديفيد بترايوس في ولاية نيويورك في 7 نوفمبر1952، لوالدين من أصول هولندية، وكان والده يعمل بحاراً، وتخرج في مدرسة «كورنويل» العليا وانضم إلى القوات المسلحة الأميركية. تخرج عام 1974 في الأكاديمية العسكرية الأميركية «ويست بوينت»، وعمل في القوات البرية، وتولى مناصب قيادية في أوروبا والشرق الأوسط.

وهو متزوج من ابنة جنرال أميركي متقاعد، كان رئيساً لأكاديمية «ويست بوينت». حصل «بترايوس» على الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة برنستون وعمل أستاذاً مساعداً في الأكاديمية العسكرية الأميركية.

شارك «بترايوس» في الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وكان قائداً للفرقة 101 المحمولة جواً، وكان من مهمات الفرقة احتلال محافظة نينوى ومركزها الموصل، وعقب انتهاء مهمة الفرقة عاد إلى واشنطن.

وذلك قبل أن يتم ترشيحه للعودة إلى العراق قائداً لقوات الاحتلال الأميركي خلفاً للجنرال جورج كيسي. ويشغل حالياً منصب قائد القوات الدولية في أفغانستان.

ترجمة: عصام بيومي