«إنني أتبرأ من تحمل المسؤولية عن القرارات الخطرة التي عارضتها بلا طائل، وليس بمقدوري التضامن مع إجراءات أعتبرها شائنة، ومن هنا فإنني أطلب منكم السماح لي باستعادة حريتي.. وأعتبر أنني قدمت استقالتي منذ هذه اللحظة».

لم تكن تلك كلمات برنار كوشنير، وزير الخارجية في حكومة الرئيس نيكولا ساركوزي، التي فككت مخيمات الغجر في فرنسا، ورحلتهم في طائرات مستأجرة إلى أوروبا الشرقية.

لا، لقد كانت تلك كلمات« بيير منديز فرانس» وزير الاقتصاد الفرنسي، في عهد الرئيس شارل ديغول قبل 65 عاماً، حيث تقدم باستقالته بسبب خلافه مع ديغول حول بعض السياسات المالية والاقتصادية، وقد كافح منديز حينها من أجل سياسة تقشف اقتصادي، وهي معركة لم يكتب لها النجاح، لأن فرنسا كانت تعيش فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بما تفرضه من وقائع مختلفة للأمور.

بالنسبة لمنديز فرانس، كانت المسألة تتجاوز الاقتصاد في النفقات والرواتب، فقد كان يرى أن وزارته تمر بأزمة مصداقية أخلاقية كبيرة، رغم أنه بذل جهده لمعاملة عموم الناس بعدل ومساواة، وكان يملك قدراً كبيراً من المنطق والتضحية، كما أنه كان يتعامل مع الحقيقة على أنها غير قابلة للنقاش والمساومة، ونتيجة لهذا فعندما رأى أن من الاستحالة أن يستمر في منصبه، ويحافظ على مصداقيته في الوقت نفسه، تقدم باستقالته.

لكننا اليوم في عصر برنار كوشنير ولسنا في عصر منديز فرانس، والحال تبدو مختلفة، إذ بدلاً من أن يقدم كوشنير استقالته بدأ يجتر الماضي، هرباً من اتخاذ القرار، ففي مقابلة إذاعية أجريت معه، في أغسطس الماضي، سعى كوشنير لتذكير الفرنسيين أنه عمل في السابق لمصلحة الغجر لأكثر من 25 عاماً، ثم ألمح من طرف خفي إلى أنه قد يستقيل، لكنه استدرك بسرعة قائلاً: « لكن لمصلحة من؟» ثم أجاب عن سؤاله وبنفسه بسرعة قائلاً: «أنا أعلم أن الوضع صعب، لكني علي مواجهة الواقع».

ليس من الواضح أي واقع يقصده كوشنير، لكنه لا يبدو واقعاً يصب في مصلحة الغجر، ولا يبدو واقعاً يرتبط بشخص كوشنير الذي عهده الناس منذ زمن طويل، ففي عام 1971 كان كوشنير طبيباً صغير السن، وساهم في تأسيس منظمة «أطباء بلا حدود»، التي تقدم العلاج والدواء لكل الناس، بغض النظر عن جنسياتهم وأديانهم وأماكن إقامتهم.

ورغم أنه ترك منظمة «أطباء بلا حدود» في نهاية السبعينات، إلا أنه لم يغب عن الأضواء العالمية، وفي التسعينات تم تعيينه وزيراً للشؤون الإنسانية في حكومة ميتران، وهي وزارة كانت قد تأسست حديثاً آنذاك، ثم تم تعيينه وزيراً للصحة، وفي عام 1999 انتدبته الأمم المتحدة ليكون مندوبها الخاص في كوسوفو، حيث لم يكف للحظة عن المطالبة بالتدخل العسكري لإيقاف عمليات التطهير العرقي في كوسوفو.

خلال تلك الفترة التي غطى فيها كوشنير بنشاطاته منطقتي كوسوفو ورواندا، أطلق بالاشتراك مع المنظر القانوني ماريو بتاتي مفهوماً سياسياً جديداً يقضي بحق المجتمع الدولي في التدخل بشؤون أية دولة عضو فيه، لحل مشكلة إنسانية يمر بها، غير أن بساطة ذلك المفهوم القاضي بأن لا تكون الحدود عقبة في طريق المساعدات الإنسانية، لم تشفع له بأن يكون خالياً من العواقب والتبعات.

فالسعي لتقديم المساعدات الإنسانية قد يتضمن نشاطاً عسكرياً، وهكذا نشأ ما يعرف بالحرب الإنسانية، التي لاقت الكثير من النقد والاستهجان من جهة، والمديح والثناء من جهة أخرى.

أما ببير بيان، الذي ألف كتاباً مثيراً للجدل حول شخصية ومسيرة حياة كوشنير، فقد رأى أن ما قام به كوشنير لا يعدو كونه دعاية إعلامية وإعلانية له، وأن الصراعات التي تسبب بها ما هي إلا تعبير عن أنانيته، وهذا مما يؤسف له حقاً لأن كوشنير ربما قصد الشهرة والأضواء، إلا أنه طلب من السياسيين أن يتحلوا بالقيم الإنسانية والأخلاق.

فهل فشل كوشنير حقاً في رواندا، كما يدعي بيان، أو في كوسوفو كما يصر الكثيرون على الإدعاء؟ في الحقيقة، هذه المسألة قابلة للنقاش. هذا أمر يمكن ربطه أيضاً بالدور الذي يشغله في منصبه الحالي رئيساً لوزراء خارجية فرنسا، فعندما قبل المنصب من ساركوزي اتهمه زملاؤه الاشتراكيون بالانتهازية والاستغلال، وذلك نظراً لأنه كان من مؤيدي «سيغولين رويال»، المرشحة المنافسة لساركوزي في الانتخابات السابقة.

فهل هذا هو ما آل إليه كوشنير اليوم؟ وما الذي يمكننا أن نستنتجه من رد فعله السلبي على طرد الغجر من فرنسا؟ وما الذي يمكنه فعله في المفارقة التي تحدث حالياً، وهي تدخل الدول الغربية الأخرى بشأن إنساني داخل فرنسا؟ هل من المعقول أننا خرجنا من دائرة «أطباء بلا حدود» إلى دائرة أخرى اسمها «سياسيون بلا أعباء»؟