على ما يبدو فإن قصة الحب التي ربطت بين الرئيس الفرنسي وناخبيه قد فترت، لأسباب كثيرة، ليس أقلها أنه لم يعد يعرف ما يريد، على الرغم من أنه أعلن عن رغبته في تحقيق التغيير منذ اليوم الأول لاستلامه منصبه، حيث قال في خطابه الرئاسي إن الشعب الفرنسي يريد التغيير، وإن فترته ستكون حقبة جديدة في تاريخ السياسة الفرنسية، وهذا ما أدخل القائد الجديد مكتبه الرئاسي بقوة وعنفوان، حيث وعد بتطوير الحكومة وفرنسا كلها.
كانت البداية واعدة ربما، لكن البدايات الواعدة لا تدل على النجاح دوماً، ففي نهاية السبعينات، كانت انطلاقة الرئيس الفرنسي آنذاك «فاليري جيسكار ديستان» قوية، لكنه لم يبق في قصر الأليزيه لأكثر من فترة رئاسية واحدة، بعد خسارته أمام الاشتراكيين عام 1981، وكانت تلك المرة الأولى منذ أكثر من 30 عاماً التي لا يتمكن فيها الرئيس الفرنسي من الظفر بولاية ثانية.
شبح الولاية الواحدة يطل برأسه على ساركوزي أيضاً، فشعبيته قد هبطت إلى الحضيض، وتشير استطلاعات الرأي إلى أن 55% من الفرنسيين يميلون لعودة اليسار إلى السلطة في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2012، وبين استطلاع آخر للرأي أن الانتخابات المقبلة ستشهد هزيمة نكراء لساركوزي من منافسه المحتمل دومينيك شتراوس كان، الرئيس الحالي لصندوق النقد الدولي.
حتى في أوساط اليمين، تجد سخطاً تجاه سياسات الرئيس ساركوزي، فدومينيك دي فيليبان، رئيس الوزراء الفرنسي السابق، أسس حزباً خاصاً به ليجتذب الناخبين الديغوليين الذين يشعرون بخيبة الأمل، وأبدى العديد من وزراء ساركوزي تذمرهم من الطريقة التي ضيع بها ساركوزي الإجازة الصيفية في طرد الغجر من فرنسا، لدرجة أن وزير خارجيته برنار كوشنير الذي ينتمي أصلاً إلى اليسار فكر جدياً بالاستقالة، ونزلت أكثر من مجلة فرنسية إلى الأسواق، وهي تحمل عناوين محبطة لمستقبل ساركوزي مثل:
«انتخابات 2012 الرئاسية: هل خسرها ساركوزي من الآن؟»، كما تسود حالة من عدم الرضا أوساط مؤيديه، وفي الانتخابات المحلية التي جرت في مارس الماضي لم يؤيده إلا 5,11 مليوناً من الناخبين، الذين صوتوا له عام 2007، حزبه.
ولم يكن سبتمبر الماضي أفضل حالاً بالنسبة لساركوزي، ففي السابع منه نزل ما بين 1,1 و7,2 مليون فرنسي إلى الشوارع للقيام بإضراب، هو الأكبر في فرنسا منذ سنين عدة، حيث اعترض سائقو القطارات والمعلمون وسعاة البريد وموظفو البلدية وغيرهم على خطته الرامية لرفع سن التقاعد من 60 عاماً إلى 62 عاماً، وتقليص عدد الوظائف المتوفرة.
وتعاني فرنسا من عجز في مخصصات التقاعد الحكومي من المتوقع أن يبلغ 42 مليار يورو بحلول عام 2018، لهذا فمن المتوقع أن تنجح الخطة الجديدة في ردم ثلثي تلك الهوة، وأن يتكفل الإنفاق العام بتغطية المتبقي، وبناء على الخطة الجديدة سيستمر الموظفون بدفع المخصصات التقاعدية للمتقاعدين.
تحمل تلك الإصلاحات دلالات رمزية مهمة، فهي تقلب الميزان الموروث منذ عقود في فرنسا، الرامي لتقليص الوقت الذي ينفقه الناس في العمل. في عام 1983 قلص الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران السن التقاعدية من 65 عاماً إلى 60 عاماً، لهذا فإن الرئيس ساركوزي يمر بامتحان صعب للغاية، وعليه أن يقف أمام هذا التحدي بصلابة، ويواجه تدني شعبيته برجولة، سعياً لمصلحة فرنسا القومية، وتحقيقاً لمصداقيته كمصلح.
عموماً، فرغم تدني شعبية ساركوزي كثيراً، إلا أنه لم ينته بعد، صحيح أن هذا السياسي الزئبقي قد يعجز في الفترة الحالية عن إرضاء جمهرة الناخبين في فرنسا، لكنه لا يزال قادراً على إبهارهم.
لكن كيف نشأت القطيعة بين ساركوزي والفرنسيين؟ من الطبيعي أن تتدنى شعبية أي رئيس فرنسي في فترة انتخابات التجديد النصفي، فالناخبون، مثلاً، قاطعوا الرئيسين السابقين جاك شيراك وفرانسوا ميتران في الانتخابات النصفية، لكنهم عادوا وانتخبوهما لرئاسة ثانية، في نهاية المطاف، ولا ننسى أن ساركوزي كان عليه أن يواجه أزمة مالية خانقة عصفت بفرنسا، وأثرت كثيراً على معنويات الناس.
ساركوزي لا ينبغي أن يمنح فرصة الدفاع عن نفسه
يتساءل المرء أين كانت فيفيان ريدينغ، المفوضة الأوروبية لشؤون العدل، طوال الأشهر الثمانية عشرة الماضية، التي تم فيها اعتقال مئات الرجال والنساء والأطفال من جانب الشرطة الفرنسية، التي لم تمنحهم الوقت الكافي حتى لتجميع حاجياتهم، ووصفتهم بالمجرمين وطردتهم إلى رومانيا وبلغاريا.
علينا أن نتذكر جيداً أن هؤلاء هم مواطنون من مواطني الاتحاد الأوروبي، وأنه تم طردهم من بلد عضو فيه إلى بلد عضو آخر على أساس عرقي، وتخيلوا مقدار الغضب والتنديد الذي كان سيواجهه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من جانب الاتحاد الأوروبي لو أنه قام بترحيل السود أو اليهود من فرنسا، ولا أظن أن الاتحاد الأوروبي كان سيقف مكتوف اليدين لمدة 18 شهراً.
وبعد أن أعربت فيفيان عن استيائها لما يجري، وقررت أن «تكشر عن أنيابها»، فإن الحديث في أروقة الاتحاد الأوروبي يدور حول غرامة مالية فحسب تفرض على فرنسا، في الوقت الذي ينبغي الحديث عن طرد فرنسا من الاتحاد الأوروبي، فلا مكان في الاتحاد الأوروبي المتحضر لأنظمة عرقية، وينبغي أن لا يُعطى ساركوزي الفرصة حتى في الدفاع عن نفسه، تماماً كما حرم الغجر من فرصة الدفاع عن أنفسهم.
هناك أكثر من 10 ملايين من الغجر منتشرين في أنحاء أوروبا، 86 يعيشون تحت خط الفقر، وهم أكثر الأقليات نمواً من الناحية السكانية، والقوانين الظالمة الأخيرة التي صدرت بحقهم تعتبر مثالاً واضحاً على تنامي العداء تجاههم في أوروبا وفرنسا، لكن بدرجات متفاوتة، ففي بريطانيا فإن التذمر من هذه الأقلية ناجم عن عدم الرضا عن أسلوب الحياة الذي يتبعونه، لكن لم تصدر هناك قوانين تحرمهم من الإقامة والسكن، ويسعى سياسيون مثل إريك بيكلز، لاستصدار قوانين تجعل من الصعب على جماعات الرحل استصدار تراخيص لبناء بيوت على أراض يملكونها أباً عن جد.
إجراءات ساركوزي ضد الغجر تكشف المسكوت عنه أوروبياً
بعد سلسلة التصريحات التي أدلى بها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بحق الغجر، أطلقت السلطات الفرنسية يدها في مخيماتهم، وأجلت مئات منهم إلى بلادهم الأصلية، رومانيا وبلغاريا، وفي الأسابيع الأولى، التي تلت التصريحات، تم إجلاء أكثر من 700 من الغجر من أكثر من 40 مخيماً في فرنسا.
وتستهدف القوانين الجديدة الغجر الفرنسيين الأصليين أيضاً، من أجل طردهم من المستوطنات غير الرسمية التي يقيمون فيها، وقد دعت الحكومة الفرنسية، أخيراً، لعقد مؤتمر قمة متعلق بالهجرة تحضره الدول الأوروبية الكبرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وكذلك كندا.
ويميل ساركوزي للتعميم بأن الغجر القادمين من دول أوروبا الشرقية يعيشون ضمن ظروف غير مقبولة من الناحية القانونية، ويمارسون نشاطات التهريب غير القانوني، ويعيشون نمطاً من الحياة يتم فيه استغلال الأطفال لممارسة التسول والدعارة والجريمة، لكن منظمات المجتمع المدني ومؤسسات حقوق الإنسان والمؤسسات الدولية والإعلامية عارضت قرارات الحكومة الفرنسية بشدة.
حيث ترى تلك المؤسسات أنه كان ينبغي على باريس طرح سياسات لاحتواء الرومانيين بدلاً من طردهم، كما اعتبرت أن فرنسا خالفت المعايير الدولية لحقوق الإنسان، حيث كان من المفروض على الحكومة أن تسعى لتأمين المساكن المناسبة للغجر وجماعات الرُحل.
الحكومة الفرنسية بدورها قدمت تطمينات بأن كل عمليات التهجير التي تتم ستكون على أساس دراسة كل حالة على حدة، لكن بالنظر لطبيعة وحجم عملية التهجير، التي تمت في فترة قياسية لا تزيد على ثلاثة أشهر بطلب من ساركوزي، فإنه يمكن القول إن الإجراءات التي تمت لم تكن مناسبة، ولم تجر كما تعهدت الحكومة الفرنسية.
ترجمة: يوسف جباعته
