نحن ندخل مرحلة جديدة من تاريخ العالم يميزها ملمحان واضحان. الأول أننا سنرى نهاية السيطرة الغربية على التاريخ العالمي التي استمرت زهاء 200 عام (ولكن ليس بالتأكيد نهاية الغرب نفسه).
والثاني، أننا سنشهد عودة مجد آسيا. من العام الأول الميلادي وحتى العام 1820 كانت الصين والهند على الدوام أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم. ولذلك فعندما يعود أكبر اقتصادين في العالم قرب العام 2050 فسيكون ذلك عودة إلى الوضع الطبيعي الذي شهده التاريخ على مدى 2000 عام تقريبا. وفي مجال التاريخ، فإن الأسهل هو العودة إلى أعرافه، وليس الانحراف عنها.إن نهاية السيطرة الغربية على التاريخ العالمي تعني أننا يجب أن نتخلى عن عدساتنا الثقافية الغربية، لكي نفهم العصر الجديد. وسيتطلب ذلك إعادة تغيير أدوات معظم العقول المؤثرة في العالم: في الحكومات، ومراكز الخبرة، والإعلام والأكاديميات العلمية.هذه الألوف من النقاد النافذين لهم تأثير هائل لا يقارن على الخطاب العالمي. ولأن عقولهم ملأى بتصورات مشوهة، فهم ينتجون مفاهيم كاذبة. ولأن هذا الطرح ربما يكون مثيرا للجدل، فسأدعمه بثلاثة أمثلة على تصورات غربية مشوهة بشأن الصين.الخطأ الأول الكبير في الفكر الغربي بشأن الصين هو أنها، شأن كل الاقتصادات المتقدمة الناجحة، ستنضم إلى المشروع الغربي الأكبر، وستصبح «مثلنا تماما»، حسب التعبير الشهير. فالعقول الغربية البارزة لا تستطيع حتى أن تستوعب أن التاريخ قد لا يكون له مسار واحد.
وبالتالي، فانه رغم أن قلائل هم الذين يدركون هذا الاحتمال، فهم لا يزالون يصدقون أن الحكومة الصينية التي يقودها الحزب الشيوعي لا يمكنها الاستمرار.
ويعتقدون أن تفجر ثورة «حمراء» أو «برتقالية» في الصين مسألة وقت فقط. وتفسر أحداث «ميدان تيان آن مين» أو ميدان السلام السماوي في بكين في العام 1989 على أنها هزة أرضية مبكرة ومقدمة لما سيحدث في الصين: الإطاحة بالنظام الشيوعي، ووصول نظام ديمقراطي حر على الطريقة الغربية إلى الحكم.
مجموع السكان في الدول الغربية هو نحو 860 مليون نسمة. وتعداد سكان الصين يبلغ نحو 3 .1 مليار نسمة. ومن الغرور التاريخي الاعتقاد بأن الحضارة الغربية يمكنها احتواء الحضارة الصينية.
الحقيقة البسيطة هي أن الصين لديها ثقافة متفردة وقوية، ولن يستطيع الغرب احتواءها. وهي لن تنضم إلى المشروع الغربي. وهذا لا يعني أن الصين سترفض كل مفردات الحضارة الغربية.
فالصين وغيرها من الدول الآسيوية تصعد الآن لأنها فهمت واستوعبت أعمدة الحضارة الغربية السبعة، وهي اقتصاد السوق الحر، والتمكن من التعليم والتقنية، وحكم النخب الجديرة، البراغماتية، ثقافة السلام،، وهيمنة القانون، والتعليم.
لكن تحديث الصين يتسم أيضا بالتخلص من النزعة الغربية. وهذا أيضا تحول جذري عن التاريخ المعاصر. ففي العقلية الغربية تعني كلمة التحديث التغريب.
ولا يتخيل العقل الغربي افتراق إحداهما عن الأخرى. لكن عملية التخلص من النزعة الغربية تجري على أشدها في الصين، وآسيا برمتها. ومعنى هذا أننا نتحول عن عالم تسيطر عليه الثقافة الغربية إلى آخر يشهد ثقافات مختلفة ناجحة.
الخطأ الثاني الأساسي، الخاص بالاعتقاد بانهيار النظام الشيوعي إذا لم تتبع الصين النظام الغربي، ارتفع صوته كثيرا خلال ذروة الأزمة المالية العالمية في العامين الماضيين. وقد شهدت وسائل الإعلام الغربية سيلا من الروايات المبالغ فيها التي تبشر بانهيار اقتصاد الصين ونظامها، قريبا. ولم ينتبه أي محلل غربي إلى ذلك الخطأ.
فهل يعقل أن يطيح الشعب الصيني نظاما كان الأكثر والأسرع نموا خلال ال30 عاما الماضية؟
الخطأ الثالث هو الافتراض الغربي بأن الصين لا يمكنها الصعود والتقدم سلميا، على خلفية الحروب الأوروبية في القرن ال19. إن أكبر اختبار لأي منطقة هو تعرضها لأزمة اقتصادية. وكان الركود الاقتصادي الأخير هو الأكبر في العالم منذ الثلاثينات.
وإذا كانت آسيا حقا مليئة بالخصوم المتصارعين المستعدين للصدام، فقد كان الأحرى أن تفجره تلك الأزمة. لكن شيئا لم يحدث. لأن الآسيويين مؤمنون بأنهم سيضيعون أهم فرصة للنمو إذا دخلوا في حروب ليس وراءها طائل.
رؤية نقدية
كيشوري محبوباني هو عميد كلية «لي كوان يو» للتخطيط والسياسات العامة بجامعة سنغافورة الوطنية. ولقد اشترك في رئاسة فريق عمل الاستماع بشأن سنغافورة في إطار مبادرة إعادة التصميم العالمي، التي أطلقها المنتدى الاقتصادي العالمي.
أحدث مؤلفاته كتاب بعنوان « نصف الكرة الأرضية الآسيوي: التحول الغامر في القوى العالمية نحو الشرق».كما أنه دبلوماسي سنغافوري عمل لمدة ثلاثة عشر عاما مندوبا دائما لبلاده في الأمم المتحدة بنيويورك.
بقلم: كيشوري محبوبانيو
ترجمة: عصام بيومي

