وصفها المحللون السياسيون بأنها «قمة التفاؤل» بقدر ما وصفوا مجموعة الأهداف التي اتفقت عليها القمة المذكورة بأنها «أجندة الأمل».
كان ذلك منذ 10 سنوات بالتمام والكمال. بالضبط في مثل هذه الأيام ـ أواخر سبتمبر من عام 2000 - فاتح هذا القرن الواحد والعشرين. نتحدث عن مؤتمر «قمة الألفية» كما تصفه أدبيات وسجلات منظمة الأمم المتحدة: يومها أعلن قادة العالم.. وكان عددهم يزيد على 120 رئيس دولة ورئيس حكومة، وفي اجتماعهم المشهود المعقود في مقر المنظمة الدولية ـ مانهاتن، نيويورك، اتفاقهم بالإجماع على ما أصبح يعرف تحت الشعار العالمي التالي: «الأهداف الإنمائية للألفية». وقد يفضّل البعض ـ ونحن منهم ـ وصفها بأنها «الغايات الإنمائية» باعتبار أن كلا من هذه الغايات الثماني تتألف من عدة أهداف (شفْهمَُّّ) حيث أن تحقيق كل من تلك الأهداف يوصّل في نهاية المطاف ـ المأمول طبعا ـ إلى بلوغ الغاية المنشودة التي يطمح عالمنا الجريح المهيض للوصول إليها.
قمة الألفية
وأيا كانت التسميات والصياغات فقد عادت هذه الأهداف ـ الغايات الإنمائية كي تطرق أسماع وأفهام عالمنا وبإلحاح ملحوظ في هذه الأيام بالذات. وكانت المناسبة هي انعقاد قمة عالمية راهنة من أجل استعراض ومراجعة ما تم إنجازه، وما لم يتم إنجازه من تلك المقاصد والغايات.
ولقد جاءت هذه الغايات الإنمائية كي تتراوح في مقاصدها وأهدافها بين 8 قضايا هي التي ما برحت تؤرّق البشرية في طول عالمنا وعرضه. ورغم أن قدرا كبيرا من تلك الأهداف يتصل بأكثر من سبب بمشاكل وأوجاع العالم الثالث فإن عددا منها مازال متصلا بقضايا العالم الأول والعالم الثاني على السواء.
وإذا كانت الأقطار والشعوب النامية في القارات الثلاث.. أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية تعاني العديد من أوصاب التخلف، فإنها ما برحت تكابد الكثير من مواريث الظلم الذي نجم عن عهود الاستغلال الإمبريالي في السابق، وأيضا عن عقود من فوات الفرص التي ضاعت وتبددت بالنسبة لشعوب تلك الأطراف النامية وسكانها.
غايات إنمائية
ونحسب أن من المهم أن نستعيد بإيجاز شديد عناوين ومضامين تلك الغايات الإنمائية المستهدفة التي ظلت في الأيام القليلة الماضية خاضعة لاستعراض ومراجعة رؤساء الدول والحكومات في اجتماع الأمم المتحدة الكبير.
الغاية الأولى هو القضاء على الفقر المدقع، أو بمعنى آخر على الحالة التي يكابدها أفقر الفقراء في العالم، وهم الذين يقل دخلهم عن دولارين أو ما يعادلهما في اليوم الواحد.. ومن ثم تخفيض حجم سكان العالم الذين يعانون هذه الظروف التي قد تصل إلى مشارف الجوع والمسغبة إلى النصف بحلول عام 2015. الغاية الثانية هي التوصل إلى تعميم التعليم الابتدائي ومحو الأمية الشامل بين الذكور والإناث.
الغاية الثالثة تتعلق بدعم المساواة بين الجنسين، بمعنى تكافؤ الفرص وبالذات في جميع مراحل التعليم وفي فرص الاستخدام والتوظيف. الغاية الرابعة ترنو الى خفض المعدلات المرتفعة لوفيات الأطفال دون الخامسة (وخاصة في البلدان النامية). والغاية الخامسة ترتبط بسابقتها، وتتمثل في تحسين صحة الأم ولاسيما في المراحل التي تتصل بالولادة.. ما قبلها وما بعدها.
الغاية السادسة تدعو إلى مكافحة الإصابة بالأمراض الوبيلة والأدواء الفتاكة وفي مقدمتها الملاريا وفيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز.
الغاية السابعة تتعلق بأحوال بيئة كوكب الأرض بعد أن أثخنتها الجراحات بفعل الأنشطة غير المسئولة التي ما برح البشر يزاولونها.
شراكة التنمي
وفيما تحاول هذه الغاية الإنمائية المنشودة أن تصوغ الأهداف التي تنطوي عليها تحت عنوان «كفالة الاستدامة البيئية»، بمعنى اتخاذ ما يلزم للحفاظ على صحة بيئة الأرض، فإن الأهداف الثلاثة التي تضمها هذه الغاية إنما تتعلق تحديدا بالحد من الانبعاثات الكربونية الضارة بصحة الكائنات الحية، والعمل على إمداد الفقراء والمحرومين ـ وخاصة في المناطق والأصقاع الفقيرة، بسبل المياه النظيفة وشبكات الصرف الصحي، فضلا عن محاولة ضمان مسكن ولو كان بسيطا ولكنه يصلح لإيواء البشر بدلا من عشوائيات السكن أو أحياء الصفيح. أما الغاية الأخيرة في أجندة تلك الآمال الإنمائية للألفية فتدعو إلى ما تصفه الأدبيات الدولية بأنه «إقامة شراكة عالمية من أجل التنمية».
وبديهي أن الأمر يتعلق في هذا المجال بالذات بطموحات ترنو إلى تحسين جذري وتحولات أساسية في حياة البشر: ما بين العمل على إقامة نظام تجاري ومالي لا يقتصر على تلبية مصالح الأقوياء أو الأغنياء في البلدان الموسرة أو المتقدمة.. بل عليه أن يراعي كذلك مصالح الأطراف الأكثر فقرا والأشد استضعافا من دول العالم.. ولاسيما البلدان المتخلفة والأقطار المغلقة ـ غير الساحلية والدول النامية الجزرية الصغيرة التي شاءت أقدارها أن تجعل منها بقاعا متناثرة من اليابسة وسط مياه وأنواء المحيط.
مشاكل المديونية
يرتبط بهذه الغاية أيضا معالجة مشاكل المديونية الفادحة التي تنوء بها كواهل هذه النوعية من الأقطار ـ شريطة أن يأخذ ولاة أمورها بأسباب ما أصبح يعرف مؤخرا بمصطلح الشفافية والمساءلة والحوكمة أو الحكم الرشيد بعيدا عن شبهات التربح أو الرشوة أو الاستغلال أو آفة الفساد التي باتت تنخر في بنية الكثير من دول العالم.
ويرتبط بهذه الغاية الإنمائية الأخيرة استهداف الشباب بوصفهم فئة اجتماعية ذات احتياجات محددة.. إضافة إلى تشجيع فعاليات القطاع الخاص على صعيدها من أجل الإفادة من مزايا المبادرة والإبداع والحماس التي يتسم بها القطاع الخاص.. ولاسيما عندما تنفتح عناصره فرديا وجماعيا على سبل استخدام الإمكانات الحافلة التي توسعت وتعمقت مع سنوات الألفية الجديدة وفي مقدمتها بطبيعة الحال تكنولوجيا المعلومات والاتصال وشريطة أن يتحرك هذا القطاع الخاص من منطلق الشعور بالمسئولية الاجتماعية.
الفقر هو المحور
مع هذا كله نحسب أن محور الأمر إنما يتعلق بالغاية الأولى ضمن هذه الأجندة ثمانية الأبعاد من الغايات الإنمائية للألفية؟ وقد نستعيد هنا أبياتا لشاعر عربي حداثي هو المبدع المصري الراحل صلاح عبدالصبور الذي يقول في إحدى مسرحياته الشعرية:
ليس الفقر هو الجوع إلى اللقمة
والعُري إلى الكسوة
الفقر هو القهر
نعم الفقر هو أسّ المشاكل والمآسي التي يمكن أن تنزل على رؤوس الشعوب: هو الذي يحرم أفرادها وأجيالها من التعليم الجيد ومن الرعاية الصحية الأساسية ومن ثم يؤدي إلى نوازل وفيات الأطفال والأمهات. والفقر يساوي ضياع الشباب عندما تسود البطالة وتندر الفرص المتكافئة ـ المشروعة أصلا ـ للعمل المنتج البنّاء والشريف.
وليس لأحد أن يتصور أن آفة الفقر تتسم بالطابع المحلي أو أنها تنحصر ضمن حدود الدول الفقيرة في القارات النامية الثلاث. وإذا كان أغنى بلد في العالم اسمه الولايات المتحدة، سواء بحكم تنوع الموارد أو بمستوى التقدم العلمي أو التقني، فقد يتوقف الباحث مليا عند أحدث بيانات صادرة عن دائرة الإحصاء الفيدرالية في أميركا وقد تم نشرها في منتصف سبتمبر تحت عنوان قد لا يحتاج إلى تفصيل أو تفسير وهو: إن أميركا تضم 43 مليون فقير.
والمعنى بداهة هو أنه وبواقع إنسان ـ مواطن أميركي يعاني حالة الفقر والحرمان وشحة الموارد وندرة الإمكانات اللازمة لتلبية الاحتياجات الأساسية من بين كل سبعة مواطنين أميركيين.
السود أكثر فقرا
وعلى سبيل التفصيل نعرف أن الأكثر فقرا في أميركا هم مواطنوها الملوّنون من ذوي الأصول الأفريقية، وأن عدد الفقراء الأميركان خلال عام 2009 وهو ذروة الأزمة المالية كان الأعلى في ذلك البلد منذ 51 عاما.. ونعرف أيضا حقيقة ازدياد نسبة الفقر بين الفئة العمرية لمن هم في سّن العمل (18 سنة إلى 65 سنة). ونعرف كذلك أن من مظاهر هذه الحالة ما يتعلق بالافتقار إلى أي تأمين صحي في بلد يعّد فيه تأمين الصحة من أولى أبجديات الحياة.
لا عجب إذن أن يلجأ السيد برنانكي، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي وهو البنك المركزي في الولايات المتحدة، إلى الاعتراف في أحدث تصريحاته بأن مستقبل الاقتصاد الأميركي بات على غير العادة يتسم بظاهرة (أو هي آفة) عدم اليقين.
والتعبير الأخير معروف في مصطلحات الاقتصاد الدولي، ويشير الى احتمالات التشكك في مآل الاستثمارات، والى حالة يمكن أن تكون مَرَضية (من المرض) من فْقد الثقة بما ينعكس سلبا بالذات على أسواق المال ودوائر الائتمان ودنيا الأعمال.
في نفس السياق يشير المسئول الاقتصادي الأميركي إلى أن أخطر ما أصاب اقتصاد بلاده من عقابيل الأزمة المالية إنما يتمثل في ارتفاع مستويات البطالة من جهة، وهو بدوره آفة زاد من وقعها التحليل المنشور مؤخرا بقلم «موتوكو ريتش» (نيويورك تايمز، عدد 19/9/2010) تحت العنوان التالي: «الذين تجاوزوا الخمسين وهم يعانون البطالة.. باتت المخاوف تساورهم بأنهم لن يجدوا عملا من جديد».
تهديد في نوفمبر
ورغم أن إدارة أوباما الحالية لم تكن هي السبب في خلق هذه الأحوال التي جمعت بين آفات الفقر ونوازل البطالة بكل ما أسفرت عنه من مشاعر السخط والرفض والقنوط، فقد أفلحت قوى المعارضة الجمهورية في استغلال كل هذه المشاعر السلبية لكي تحوّل دفة التأييد الذي سبق وحازه الرئيس أوباما، إلى حيث أمكنها أن تؤلب ضده تلك الجموع من الساخطين الذين حال بينهم تردّي أحوالهم وبين أي أسلوب سليم أو موضوعي في التفكير أو التحليل بما كان جديرا بأن يقودهم إلى أن السبب الأساسي هو انحياز نظام بوش ـ المحافظين الجدد السابق إلى مصالح القلة من بارونات الاحتكارات وتجار الحروب وصفوة الأغنياء وطبعا على حساب الجموع التي عانت البطالة والفقر الشديد.
في جريدة «الغارديان» البريطانية يكتب «غاري يونغ» (عدد 13/9/2010) مقالا مهما تحت العنوان التالي: باراك أوباما يكتشف أن الناس لا يمكنهم أن يقتاتوا بالأمل. وفي صدر المقال يمضي الكاتب قائلا: لم تعد إنجازات أوباما كافية.. ويسود الاضطراب صفوف حزبه (الديمقراطي).. وفيما يعّض الفقر بنابه، ويقترب موعد الانتخابات (التشريعية في نوفمبر القادم بل الوشيك) فإن أهل التطرف والهائمين في بوادي الأحلام باتوا يستلمون زمام المبادرة.
هكذا أصبح المشهد شديد التباين في أميركا:
في نيويورك ـ مقر الأمم المتحدة ظلت تتردد خطابات الزعماء وطروحات المحللين حول ما أنجزه العالم خلال السنوات العشر السابقة في مكافحة الفقر.. ومن العاصمة واشنطن عكفت وكالات الأنباء على نقل صور لمظاهرات الغضب الرافضة لأسلوب إدارة أوباما في مكافحة الفقر الأميركاني، ومنها صورة مواطن اجتاز منتصف العمر يرتدي قميصا يحمل عبارات لا تحتاج إلى تفسير يقول فيها:
أفخر بأنني عضو في دهماء الغاضبين، ولكنني أملك صوتي في الانتخابات.. وموعدنا نوفمبر.
البطالة في أميركا
هناك فئة من الأميركيين ممن حصلوا تعليما من أرقى ما يكون، وحازوا أرفع الشهادات التخصصية والدرجات العلمية، وبعدها ظلوا على امتداد السنوات الأخيرة في حالة «مطاردة أو اقتناص» لفرص العمل التي أصبحت نادرة ولكن دون جدوى.
ولما كانت الحاجة ماسّة لاستمرار الحياة وسد الرمق.. فإن كثير من هؤلاء الاختصاصيين المحترمين من ارتضى لنفسه، أو لنفسها، الالتحاق بأي عمل يمكن أن يكسب منه بضعة دولارات تعين على وعثاء الطريق، ولا عجب إذن أن ترتضي السيدة التي عملت سابقا في وظيفة كبير مراجعي الحسابات في شركة بوينغ للطائرات أن ينتهي بها الأمر إلى أن تعرض على الجيران تنظيف وتشذيب حدائق بيوتهم لقاء الدولارات الضنينة المنشودة والأمثلة المشابهة لهذه الحالة كثيرة.
محمد الخولي

