ما أبعد الأمس عن اليوم.. فمنذ عشر سنوات عقدت قمة الألفية في سبتمبر سنة 2000 تحت لواء منظمة الأمم المتحدة ويومها ساد التفاؤل على نطاق من أوسع ما يكون بأن العالم يوشك مع تباشير الألفية الثالثة للميلاد على أن يدخل عصرا واعدا وجديدا من المشاكل المحلولة والانجازات الواعدة.

لهذا خرجت قمة الألفية بأجندة عمل حملت عنوان «الغايات أو الأهداف الإنمائية للألفية» وهي غايات جمعت، ومازالت تجمع، بين تحجيم آفة الفقر المدقع والوصول بمن يعانونه إلى النصف على مستوى التعليم بحلول عام ,2015. هذا فضلا عن أهداف محورية أخرى تتعلق بتحسين صحة الأم والطفل وبتعميم سبل الانخراط في سلك التعليم الابتدائي، وبإقرار تكافؤ الفرص بين المرأة والرجل، والعمل على مكافحة الأمراض الوبيلة التي تفتك بصحة البشر، إضافة إلى العمل على صيانة بيئة الكوكب وإقرار شراكة عالمية من أجل التنمية، وقد ركزت القمة العالمية التي عقدت مؤخرا في مقر الأمم المتحدة ـ نيويورك على استعراض ما تحقق، وما لم يتحقق بالنسبة لبنود تلك الأجندة، وخاصة ما يتصل بقضية الفقر، خاصة وأن الإصابة بالفقر المدقع يمكن أن تعد مفتاحا للإصابة بسائر الأوجاع والسلبيات التي تعانيها البشرية. يستوي في ذلك مشاكل صحة الأم والطفل أو المسكن أو تردي مستويات التعليم أو سوء حالة المرأة على مستوى العالم كله.

عشر سنوات بين القمتين، والفقراء يزدادون فقرا والأثرياء ثراء، الأمر الذي جعل البعض يصفون هذه القمم بأنها لقاءات للتعازي بين الكبار والصغار، حيث تصرخ الفقيرة ويعلو صراخها، بينما الدول الكبيرة الغنية تغلق آذانها وأبوابها، وتأتي في المؤتمرات والقمم العالمية لتمارس المزايدة على آلام الفقراء وجوعهم ومرضهم، ثم تخرج من هذه القمم ببيانات تتضمن قرارات غير ملزمة لأحد، لكنها قرارات بهدف ذر الرماد في العيون فقط.

وتذهب بعض الدول الغنية الكبيرة لتسقط بعض الديون عن الدول الفقيرة معتبرة أن هذا عمل إنساني كبير يستحق أن يشكرها عليه الآخرين، هذه الدول الكبيرة تعلم جيدا أن ديون الدول الفقيرة غير قابلة للسداد، والسبب بسيط وواضح، وهو أن هذه الدول لا تملك من الأموال ما تستطيع أن توفر به الطعام والدواء لشعوبها فكيف بها أن تسدد ديون عليها لدول غنية، وماذا سيحدث لو لم تسدد الدول الفقيرة ديونها؟، لن يحدث أي شيء، ولن تجد الدول الغنية أية وسيلة لاسترداد ديونها.

الدول المجتمعة في المؤتمرات والقمم العالمية التي تناقش قضايا الفقر لا تستوعب جيدا مدى جسامة هذه الظاهرة ومدى خطورتها على المجتمع البشري جميعه، وهل يختلف اثنان على دور الفقر في انتشار التطرف والإرهاب، وخاصة بين فئة الشباب، ومن المهدد بهذا الإرهاب؟ بالقطع الدول الكبيرة الغنية هي أول المهددين بهذا الإرهاب، أليس هذا الأمر بالأهمية التي تدفع الدول الكبيرة الغنية إلى القيام بدور فعال لمحاربة الفقر.

الآن أصبح الفقر منتشرا في جميع دول العالم بلا استثناء، بما فيها الدول الغنية الكبيرة، ونحو عشرين بالمائة من سكان الولايات المتحدة الأميركية يعدون من الفقراء الذين لا يملكون قوت يومهم، وظاهرة الفقر في الدول الكبيرة أخطر بكثير في تداعياتها منها في الدول الفقيرة، حيث يعيش الفقراء في الدول الغنية بجوار الأغنياء مباشرة، الأمر الذي يذرع في نفوس الفقراء روح الحقد والحسد وحب الانتقام، فيسارع الفقراء بتجميع أنفسهم في إضرابات ومظاهرات يهدد تطورها بالعصيان المدني الذي يهدد أركان الدول.