يبدو ان معادلة التعايش، أو الشراكة الاقتصادية كما تسمى، بين واشنطن وبكين؛ باتت مهدّدة بالسقوط. صيغتها المستقرة عموما، بالرغم من محطات الهبوط التي مرت بها منذ ما بعد فتح الصفحة الجديدة بين البلدين والتي بدأت مع زيارة نيكسون، لم تعد قادرة على الاستمرار. وكأن الظروف تجاوزتها. علاقة جديدة، قيد التشكل.

لكن ليس قبل أزمة اقتصادية نازفة، تتراكم غيومها في الأفق القريب. التوتر المتقطع والمموّه بينهما،أخذ يدخل طور المواجهة في حرب تجارية، تتسارع خطواتها من الجانبين. حرب مكلفة، لو اندلعت، ليس للبلدين فقط ؛ بل للاقتصاد العالمي برمته، حسب تحذيرات الخبراء. وهو احتمال، تشير التوقعات والتوجهات؛ بأن كفته بدأت ترجح بقوة.

بل ثمة في واشنطن من يدفع في هذا الاتجاه؛ بزعم أن الصين عازمة على مواصلة سياساتها المالية والتجارية، « غير المنصفة»، التي تضمن لها استمرار الموقع الاقتصادي الممتاز الذي تنعم به. بل الذي تنفرد به. لكن بصرف النظر عن مدى الموضوعية في مثل هذا التسويغ، فان المسألة أبعد من مجرد انصاف في العلاقات التجارية بين البلدين. هي صراع بين قوة صاعدة وأخرى متراجعة. مزاحمة بين فائض اقتصادي في الهجوم وبين عجز من ذات النوع في الدفاع.

ولأن الاقتصاد مفتاح النفوذ، تبدو الولايات المتحدة عازمة على العمل لتجفيف الفائض الصيني. أو على الأقل لوضع العصي في دواليبه. في حين تبدو بكين عازمة على اغتنام الفرصة والمضي في تعزيز موقعها ومراكمة أسباب قوته وقدراته على المنافسة والتعامل مع أميركا من الند للند. ان لم يكن اكثر. من هنا تبدو الحرب المغلّفة بالتجارة؛ وكأنها صارت محتومة. حرب استراتيجية، من بوابة الاقتصاد؛ ربما تأخر استدراك وقوعها.

قبل اختتام دورته الاشتراعية آخر سبتمبر الماضي والانصراف للحملة الانتخابية، صوّت مجلس النواب الأميركي وبأغلبية كاسحة؛ على منح الإدارة صلاحية فرض تعرفة جمركية على كافة الواردات الصينية الهائلة إلى السوق الأميركية، الثانية من حيث الحجم بعد السوق الأوروبية، بالنسبة للبضائع الصينية. إجراء، يعتبر بمثابة «التمهيد لفرض عقوبات» اقتصادية على الصين. أو، كما يراه آخرون، بمثابة «إنذار مسبق لاعلان حرب تجارية تؤدي إلى تخريب الاقتصاد العالمي».

التعليل، أن بكين تعتمد سياسات ملتوية، تكفل لها الاستئثار بالحصة الأكبر من الصادرات العالمية وبالتالي تكديس فائض هائل من احتياط العملات الأجنبية. على رأس هذه السياسة، تسعير عملتها بأقل من قيمتها بالنسبة للدولار والعملات الرئيسية الأخرى ورفضها المتواصل لرفعها.

كذلك تدني سعر الفائدة على الودائع وبما يسمح للمصارف منح القروض للقطاع الصناعي أيضا بفائدة متدنية؛ واستطرادا تمكين هذا القطاع من الإنتاج والتصدير بأسعار لا يقوى احد من الدول الصناعية الأخرى على منافستها. عمليا، تقول واشنطن انها بمثابة دعم حكومي غير مباشر لقطاعات الإنتاج الصيني.

وهذا نوع من الحمائية، التي يهدّد الكونغرس بالرد عليه بالمثل، من خلال رفع التعرفة على الواردات الصينية؛ بحجة أن الأوضاع في أميركا لم تعد تحتمل. أرقام العجز في الميزان التجاري الأميركي مع الصين، أصبحت عبئا كبيرا لصالح الأخيرة: 227 مليار دولار العام الماضي و119 مليارا حتى النصف الأول من العام الجاري. خلل غير مقبول، يقول الأميركيون.

الواضح أن الصين تعتمد نموذج الخفض في قيمة العملة وسعر الفائدة، لتعزيز صادراتها وبالتالي فوائضها. دول أخرى مثل البرازيل واليابان، رفعت عقيرتها، أخيرا، ضد هذا السلوك. لكن تلك الدول لم تلوّح، حتى الآن، باجراءات مقابلة.

ثم إن ما تحدده الصين بهذا الخصوص، ليس غير قانوني، وفق قواعد منظمة التجارة الدولية. مع ذلك تتزايد التوقعات في واشنطن عن ان العلاقات بين البلدين قادمة على المزيد من التوتر. أجواء الكونغرس، تؤشر بهذا الاتجاه. وقد تأخذ منحى أكثر حدّة، في حال فاز المحافظون بالأغلبية.

حتى المرجعيات المحسوبة على الخندق الليبرالي ـ مثل بول كروغمن الحائز على جائزة نوبل وجريدة نيويورك تايمز ـ تدعو إلى وجوب مواجهة التشبث الصيني، ولو مع التحذير من خطر الانزلاق إلى حرب تجارية مدمرة؛ كما حصل في بداية ثلاثينات القرن الماضي.

كل ذلك، بالإضافة إلى خطوة التعرفة الجمركية، رأى فيه محللون إشارات على تنامي التوجه في واشنطن ومعها أوروبا، نحو خيار تمديد وتصعيد الأزمة مع الصين؛ بغية لجم فورتها الاقتصادية، على أساس أن دفع الأمور نحو الانكماش من شانه أن يؤذي البلد القابض على فوائض كبيرة». حتى ولو تأذى العالم كله.

واشنطن ـ فكتور شلهوب