الخطوة الأميركية كانت مزدوجة. ليس رسالة واحدة فيها، بل اثنتان. واحدة لنتانياهو، الثانية لأبو مازن. فور الكشف عن كتاب أوباما لنتانياهو أكد أحد مساعدي دنيس روس التفاصيل. بعد ذلك انتبهوا وادعوا بأن الحديث لا يدور عن كتاب شخصي بل عن مسودة فقط. مثل كل ما تعرف هذه الإدارة عمله منذ بداية ولايتها، هنا أيضاً تبين أن الحديث يدور عن مجموعة هواة بائسة جداً غير قادرة على أن تنسق حتى ردود الفعل.

كتابان من أوباما

القصة التي خلف الكواليس: أوباما كتب كتاباً واحداً لابو مازن وفيه وعد بانه إذا ما بقي الفلسطينيون في المحادثات المباشرة، فان الولايات المتحدة بشكل عام والرئيس أوباما بشكل خاص سيؤيدان إقامة دولة فلسطينية على أساس خطوط 67 مع تبادل للأراضي. كتاب بعيد الأثر وغير مسبوق. ولكنه مشروط. إذا لم يبقَ الفلسطينيون في المحادثات فان الكتاب يعد لاغياً.

أما الكتاب لنتانياهو فيقوم على أساس مبدأ مشابه: رزمة الامتيازات الهائلة التي بلورتها الإدارة هي قيد المفعول فقط إذا وافق نتانياهو على الاستجابة فمدد التجميد بشهرين. إذا لم يوافق، فان كل شيء يكون لاغياً ملغياً. وعليه، فان تأكيد تفاصيل النبأ في صحيفة «معاريف» يوم الأربعاء وكذا نفيها يوم الخميس يمكنهما أن يسكنا في بقعة واحدة.

ومن جهة أخرى، من سيوافق على شراء كتاب مستعمل من هذه الإدارة الأميركية؟ وفضلاً عن ذلك كيف يتجرأ أوباما ورجاله على أن يلوحوا الآن بكتب مع أو بدون سريان مفعول، بعد أن تنكروا بفظاظة، بتعال وببشاعة كهذه من كتب الرئيس بوش لرئيس الوزراء شارون عشية فك الارتباط؟ أين خجلهم؟

ضغوط على نتانياهو

نتانياهو رفض العرض الأميركي. ليس لأنه لا يريد أن يقبله. نتانياهو لا يعرف ماذا يريد. الأمر الأخير الذي يريده الآن هو مفاوضات على الحدود. ليس لديه فكرة كيف علق في هذه الوضعية الغريبة. وهو بشكل عام لا يعرف انه هكذا. ولكن مناوراته الذكية دفعته نحو مسار الذبح، إلى المكان الذي منه لا دخول ولا خروج، وهو الآن يضطر إلى رد عرض ساحر، بعيد الأثر، لقدر لا حصر له من الامتيازات والتعهدات الأميركية، وكله مقابل بضعة أسابيع من استمرار التجميد في المناطق ودفع الثمن الجماهيري والسياسي على ذلك وكل ذلك كي لا يقف بعد شهرين في وضعية أكثر ضغطا. التخمين، سيقف، بل وسيقف جداً في وضعة أكثر ضغطا.

الكرة توجد الآن في ملعب حزب العمل. فالرفاق يمكنهم أن يكفوا عن التصرف كخرق بالية، فلن تكون لهم فرصة أخرى: جلسة حكومة إسرائيلية، إلى جانب جلسة الجامعة العربية. ايهود باراك سيتعين عليه أن يكون إبداعياً على نحو خاص كي يقنع البوجيين والبريفرميين بأن حالاً، خلف الزاوية، ينتظر الخلاص. في محيط نتانياهو يوجد منذ الآن غير قليل من الأشخاص الذي يفترضون بأن بالعمل سينسحب. والآن يمكن أيضاً أن نفهم العجلة التي كانت لدى باراك في الطريق إلى تعيين رئيس الأركان الجديد.

انسحاب العمل

وماذا إذا انسحب العمل؟ نتانياهو سيبقى مع 61 نائباً. يمكن الافتراض بانه سيحظى بشبكة أمان من البيت اليهودي (طالما لم يمدد التجميد). وداخل كاديما أيضاً يوجد بضعة نواب ممن لن يسارعوا إلى التصويت ضده في حجب الثقة. إذ ليس لهم ما يبحثون عنه في الانتخابات القادمة. وعليه، فلا يوجد سقوط تلقائي لنتانياهو، ولكن سيكون تآكل بطيء، مخاض نزاع أخير بشع والكثير جداً من الدم الفاسد بينه وبين واشنطن، مثلا. دم فاسد يكلفنا غالياً.

أفيغدور ليبرمان مرة أخرى اثبت بأن في السياسة ليس له منافس. «الجزيرة» بثت خطابه بالبث الحي والمباشر. ال«سي.ان.ان» خصصت أيضاً للخطاب دقائق طويلة. نتانياهو خشي حتى من أن يتصل ليوبخ ليبرمان وفضل أن يشدد قبضته على كل ما يوجد في الوسط وعلى يمينه. نتانياهو يرى هذا ويرتعد خوفاً. هذا هو السبب الذي يجعله يتلبث في هجر الساحة اليمينية ويواصل التمسك بما تبقى له من قوة بقرني المذبح.

ولكن إذا ما انكسر نتانياهو فاتجه رغم ذلك يسارا، فان ليبرمان هو اليمين التالي: هو من سيرث نتانياهو والليكود بينما هما يرفسان ويصرخان.

وهو يعزز قوته في الاستطلاعات. أمس اجري استطلاع هاتفي أوتوماتيكي (ليس معروفاً ممن) من سؤال واحد (هل خطاب ليبرمان في الأمم المتحدة يعزز أم يضعف ميلك لتأييده في الانتخابات المقبلة)، عمل شيطاني معظم مقربي ليبرمان تلقوا المكالمة الهاتفية هذه وصوتوا، بالطبع، في صالح «يعزز ميلي» بحيث إن الحياة يمكنها أن تكون جنة.

وفضلاً عن ذلك، إذا ما أصبح ليبرمان هو اليمين الحقيقي القادم يحتمل أخيراً ستصبح خطته السياسية ذات صلة. خلافاً لنتانياهو فهو على الأقل يعرف ما يريد وكيف يصل إلى هناك.

إضاءة

الموت السياسي

رفض نتانياهو عرض أوباما لأنه لم تكن لديه أغلبية في حكومته. حيث هناك أربعة من وزراء السباعية يعارضون بشدة وفي المجلس الوزاري أيضاً يخشى نتانياهو أن يهزم. وعليه، فقد فضل مرة أخرى، أن يواصل كونه ورقة يتقاذفها الريح وفوت، مرة أخرى، الفرصة في أن يكون زعيما. تخوفه الحقيقي لم يكن من شهري تجميد آخرين.

فقد حصل من قبل، له وللاستيطان، مصائب أكبر من هذه. نتانياهو خاف من أنه إذا ما مدد التجميد فانه سيعلق في وادي الموت السياسي، في الستين يوماً سيفرض عليه حصار شديد لاستكمال المفاوضات على الحدود كي لا تكون حاجة بعد التجميد لتمديد إضافي.

«معاريف» ـ بن كاسبيت