يمثل استحواذ الشارع الكويتي أهمية بالغة لدي أعضاء مجلس الأمة (البرلمان) الذين يسعون باستمرار لإرضاء الناخب أو المواطن على حساب العلاقة مع الحكومة، حتى بات الصدام المستمر العنوان الأبرز للعلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في الكويت.

ورغم علاقة التناغم بين بعض النواب والحكومة، إلا أن ذلك التناغم سرعان ما يتحول إلى خصومة عندما يصل الأمر إلى مصالح شعبية مرفوضة حكوميا، لاسيما أن النواب يعلمون ان المواطنين يراقبون اداءهم وهم مطالبون بتنفيذ مشاريع حيوية وتحسين الاوضاع المعيشية، رغم عدم اقتناع البعض بقضايا غير منطقية كإسقاط القروض، كما يقول النائب عبدالرحمن العنجري، ويضيف ان هناك من يريد التكسب الشعبي على حساب المصلحة العامة، لإدراكه بأهمية الشارع في مسعى الوصول إلى البرلمان مرة أخرى، ويشير إلى ان هذا الامر اتضح جليا في قضية اسقاط القروض التي لا تملك اسس العدالة. ويوضح العنجري أن بعض التصريحات الاعلامية التي يطلقها بعض النواب تصب في مصلحة زيادة القاعدة الشعبية، إلا انه يبين ان هناك قضايا تستوجب الدفاع عنها مهما كلف الأمر حفاظا على المال العام والمكتسبات الشعبية.

فيما يشدد النائب مسلم البراك ان الحكومة دأبت على التصدي لمصالح الشعب على حساب مصالح فئات صغيرة وتحقيقا لرغبات متنفذين يسعون إلى استحواذ كل شيء، ويضيف «ان حال الصدام المستمر لم يأت من البرلمان وانما من الحكومة التي لا تعرف كيف تدير البلد»، ويشير إلى ان الواجب الأساسي لنائب البرلمان هو الذود عن مصالح الشعب ومكتسباته مهما كلف الأمر، لأن صاحب الفضل الأول والاخير في وصول النائب هو الناخب. بدوره يؤكد النائب خالد الطاحوس ان العلاقة المتوترة بين الحكومة والمجلس منذ سنوات وتخيم على الوضع السياسي في الكويت سببها الرئيسي ما يحدث من تخبط في النهج الحكومي، ويشير إلى ان الحكومة لم تقدم خطط تنموية وبرامج عملية من أجل ان ترتكز عليها أبجديات العمل والعلاقة فيما بين السلطتين إلا مؤخرا، ويقول ان المواطن وإزاء تكرار الأزمات في هذه العلاقة بدأ بداخله الإحباط والملل الذي لا ينتج عنه سوي توقف التنمية بمختلف مجالاتها. كما يشدد وزير الاعلام الاسبق الدكتور سعد بن طفلة على ضرورة ان يكون هناك تكافؤ بين السلطتين من حيث القوة، ويشير إلى ان الشارع الكويتي ملّ الصراع الدائم بين السلطتين الذي لا يخدم مصالحه، ويضيف «ان مصلحة الكويت أهم من مصالح الأشخاص وانه من اجل مصلحة البلد يجب ان يتخلى اعضاء السلطتين عن مصالحهم الخاصة».

خلل بميزان القوى

وتؤكد الناشطة المحامية نجلاء النقي ان سبب الازمات السياسية التي تمر بها البلاد هو الخلل في ميزان القوى بين السلطتين، وتقول ان اسلوب المحاصصة غير ناجح وغير مجد ولا بد من الابتعاد عن الطائفية والقبلية لأن الوزراء والنواب يمثلون الشعب ولا يمثلون انفسهم، وتشير إلى ان مؤسسات المجتمع المدني ترصد اداء السلطتين وتصدر احكامها التي قد تؤثر في مستقبل كل من يطمح للوصول سواء لكرسي الوزارة أو البرلمان.

سلاح السلطتين

وتمارس وسائل الاعلام دورا مؤثرا في تحديد أطر العلاقة بين الحكومة والمجلس عبر ما تنشره وتبثه من معلومات واخبار مختلفة، وتعتبر ساحة لتوجيه الرسائل وجس نبض الشارع في قضايا معينة قبل طرحها وتبنيها بشكل علني، كما تتحول الخدمات الإخبارية عبر الرسائل القصيرة «المسجات» في بعض الاحيان إلى ساحة حرب بالبيانات والردود المتبادلة بين النواب والوزراء على السواء.

ويحذر النائب محمد الحويلة من الدور الذي تلعبه وسائل الاعلام في تحديد مسار العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ويشدد على ضرورة ان يغلب الجميع مصلحة الوطن والمواطن على حساب المصالح الانتخابية.

ويؤكد الحويلة على احترامه وتقديره لوسائل الاعلام باعتبارها احدى مؤسسات المجتمع المدني التي تكرس مبدأ الحرية والشفافية، ويقول «لابد ان يكون هناك مسؤولية ذاتية تحكم العمل سواء كان هذا العمل برلمانيا او اعلاميا كي يتم تحقيق المصلحة المنشودة».

فيما يوضح النائب فيصل الدويسان ان الاعلام بات اللاعب الرئيس في العلاقة بين السلطتين، ويشير إلى ان العديد من النواب وحتى الوزراء يعولون على وسائل الاعلام كي تمنحهم أسهما شعبية تعزز من مكانتهم وبقائهم على مقاعدهم.

البرلمان الفلسطيني يكرس الانقسام

كان من المفترض ان يجري الفلسطينيون هذا العام انتخاباتهم البرلمانية الثالثة منذ تأسيس السلطة، وبعد مرور أربع سنوات على ما وُصفت بأنها «أفضل» انتخابات في المنطقة.

لكن الانتخابات والديمقراطية تبدوان اليوم آخر ما يريد الناس هنا تذكره بعد انحدار العلاقة بين نواب الشعب وأطراف النظام السياسي إلى مواجهة قادت إلى انقسام الوطن.

وبخلاف المجتمعات الأخرى التي يكون فيها الاستقرار النتيجة الأبرز لأية عملية ديمقراطية فان الانتخابات التشريعية الفلسطينية قادت على مواجهة دامية بين الحركتين الأكبر المتنافستين على السلطة «فتح» و«حماس».

وتُحمِّل «فتح» الحركة الخصم «حماس» المسؤولية عن الانقسام الذي نتج عن سيطرة الأخيرة على السلطة في قطاع غزة بالقوة المسلحة أواسط العام 2007.

أما «حماس» فتحمل «فتح» المسؤولية قائلة انها لجأت إلى ما تسميه «الحسم العسكري» بعد رفض الأخيرة الاعتراف بنتائج الانتخابات وإصرارها على مواصلة التحكم بالقرار السياسي والأمني والإعلامي في السلطة.وبدأت المواجهة بين الجانبين برلمانية حضارية، لكنها سرعان ما انحدرت إلى المواجهة بالسلاح في قطاع غزة.

فبعد مرور أسابيع قليلة على الانتخابات عقد المجلس التشريعي السابق اجتماعا «وداعيا» اتخذ فيه جملة قرارات اعتبرتها «حماس» تقليصا من سلطة المجلس الجديد الذي تُشكل هي أغلبيته.

ومنذ ذلك اليوم اتسمت العلاقة بين نواب الحركتين بالمناكفة التي سرعان ما تدهورت إلى الاحتراب إلى ان وصلت إلى انقسام الوطن إلى جزأين، قطاع غزة بقيادة «حماس» والضفة الغربية بقيادة «فتح».

ويقول المحلل البرلماني حسام عز الدين: «المشكلة هنا ان النواب من الحركتين كانوا صوتا للفئوية السياسية ولم يكونوا صوتا للشعب الذي يمقت الانقسام ويسعى إلى الوحدة. وأضاف: «النواب سيقوا وراء المواقف والأحقاد والمصالح الفئوية ولم يحافظوا على مصالح الشعب الذي ائتمنهم على قضاياه». ومضى يقول: «النائب يخطب ود الشعب أثناء الانتخابات، لكن فور انتهاء الانتخابات يرتد إلى مصالحة الشخصية والفئوية وينسى الأمانة التي حمله إياها الشعب».

ويقول النائب السابق حسام خضر: «النواب عندنا هم نواب فصائل وليسوا نواب شعب، انهم يخدمون أنفسهم وفصائلهم وليس الشعب، انهم ينتمون إلى أنفسهم والى فصائلهم وليس إلى شعب وقضية».

ويبدو ان مستوى تطور الشعوب في العالم الثالث تجعل من دور البرلمانات اقل كفاءة من نظيراتها في الدول الديمقراطية التي تراقب الصحافة أداءها، وتقدم تقاريرها إلى الجمهور عن كل خطوة يقوم بها النائب ليكّون رأيه من هذا النائب ويحاسبه في دورة الانتخابات القادمة.

ففي الكثير من الدول النامية، يختفي النواب عن عيون الجمهور، فور انتهاء الانتخابات، ويذهبون بعيدا في البحث عن مصالحهم الشخصية .

وفي فلسطين كانت نتيجة انحياز النواب لمصالحهم الفئوية والشخصية وابتعادهم عن مصالح الشعب أكثر قسوة لأنها طالت وحدة الوطن.

الخبير البحريني أحمد جمعة:

البرلمانات العربية صورة مشوهة عن المجالس الديمقراطية

البرلمانات العربية، صورة مشوهة عن البرلمانات الديمقراطية في الدول العريقة التي يقوم فيها العمل الديمقراطي على نظام البرامج الاقتصادية التنافسية في الانتخابات وليس على الشعارات والخطب الرنانة كما هو الحال الراهن في الوطن العربي بمجمله. هكذا وصفها أحمد جمعة رئيس المكتب السياسي في جمعية ميثاق العمل الوطني البحرينية.

وقال جمعة إن أغلب البرلمانات العربية المنتخبة بدلاً من أن تسهم في التطور والتقدم والازدهار، تحولت إلى عائق في وجه التنمية، وفي الوقت نفسه لم تكن بالصورة التي تواكب بها المستجدات التي حدثت في العالم، ويعود ذلك لطبيعة الشرائح المسيطرة على هذه النخب البرلمانية المنتمية أصلاً في غالبيتها إلى الإسلام السياسي.

وأوضح أن الطفرة الديمقراطية التي شهدتها بعض الدول في المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة تشكل مظهرا من مظاهر التحول في السياسات العربية، وأشار إلى بروز نماذج من الديمقراطيات والبرلمانات والتجارب في السنوات الأخيرة التي تراوحت بين المد والجزر في مكوناتها الاستحقاقية.

وأشار جمعة إلى أن السنوات الأخيرة التي مرت وتشكلت فيها البرلمانات المنتخبة في الكويت والبحرين ومصر والأردن كانت سنوات عديمة الجدوى من حيث النتائج ومثلت فيها ظاهرة سلبية أثرت على مستوى التطور، بعكس البرلمانات المعينة والتي تشكلت من نخب اقتصادية وثقافية وعلمية وتجارية، فهذه الغرف الثانية مقابل المجالس المنتخبة تعتبر أكثر فعالية وأكثر تحرراً على المستوى الاقتصادي والسياسي.

وتناول جمعة البحرين كنموذج حيث إن مجلس الشورى لعب دوراً فعالا على صعيد التشريع وفي متابعة وسن القوانين، كما انه كان صمام أمان أمام التحديات التي تفرزها المرحلة السياسية، ففي الوقت الذي كان فيه مجلس النواب المنتخب متزمتاً بدرجة لا توازن الانفتاح الذي عرفته البلاد منذ عقود طويلة، وكان المجلس المنتخب أكثر انغلاقاً وجهلاً، وبالتالي بدلاً من أن يكون مجلس النواب طليعة للتقدم، كان عائقا في مجال التنمية من خلال سياسة المنع والحجر والمصادرة التي اتبعها المجلس مع كافة المشاريع والاستثمارات التي كان يقف ضدها بدعوى أنها لا تلائم القيم والمبادئ الإسلامية، باختصار تحولت البرلمانات العربية ومنها الخليجية إلى سدادة في وجه التنمية.

العلاقة مع السلطة

وقال رئيس المكتب السياسي بجمعية ميثاق فيما يتعلق بمستوى العلاقة مع الدولة والسلطة إن الدول والحكومات العربية أكثر تحرراً وتقدماً من البرلمانات العربية، وأعطى مثالاً لذلك في تجربتي البحرين والكويت التي تحولت فيها المجالس النيابية إلى ما يشبه مجالس الأوقاف الإسلامية، فقد تحجرت التشريعات ورُفضت كافة القوانين والأشكال التي لها علاقة بالتنمية والرخاء وتم التركيز على منع السياحة وتحريم الثقافات والوقوف في وجه الاستثمارات، كما وانه أصبحت من خلال تعدد المذهب الإسلامية بداخلها إلى حلبة للصراعات مما ولد هذا الاحتقان الطائفي الذي لم يعرفه العالم العربي منذ قرون.

وأضاف إن الطائفية طفت على السطح وأصبح الانتخاب والترشيح والاستحقاق الانتخابي بشكل عام يقوم على الفرز الطائفي، فلا يوجد ما يسمى بالانتخاب على أساس الكفاءة والاختصاص وإنما من خلال الانتماء للطائفة، ففي العراق والبحرين والكويت بدا البرلمان أشبه ما يكون غرفة بشقين سني وشيعي وفيها يجري التطاحن والصراع الذي ينعكس على الشارع، وهذا للأسف الشديد قاد إلى مزيد من الاحتقان.

واعتبر جمعة الحكومات العربية أكثر انفتاحا وتحررا من البرلمانات، وهذا ما لا يقره الواقع العقلاني الذي لا يستطيع أي مراقب أو راصد للشأن البرلماني أن ينكره.

وفيما يتعلق بالبرلمانات العربية هل هي مساندة للشعب أم داعمة للحكومات فالواقع لا هي ساندت الشعب ولا هي دعمت الحكومات وبالتالي ضلت طريقها بما يخدم مصالحها الضيقة ومصالح التيارات الإسلامية السياسية التي تمثلها، فقد خسرها الشعب لأنها لم تمثل حقا طموحاته ولا آماله، ولا هي وقفت مع الحكومات في المشاريع والخطط، ولكنها كانت تتظاهر بأنها تصطدم مع الحكومات وفي الحقيقة كان ذلك مجرد تمويه ومزايدات شكلية الهدف منها كسب عواطف الشارع.

الانحياز للحكومة

من جهته طالب رئيس قسم الشؤون السياسية والبرلمانية بصحيفة الوطن البحرينية أحمد المدوب بالتفريق أولا بين البرلمانات العربية التي يكون لها حق تشكيل الحكومة أو الموافقة على تشكيلتها، وبين الدساتير العربية الأخرى التي لم تعط هذا الحق للبرلمانات.

وأوضح «ففي الحالة الأولى التي تتشكل فيها الحكومة عبر الأغلبية النيابية، فمن الطبيعي -كما هو حاصل في جميع الدول التي تأخذ بهذا النظام- ان ينحاز البرلمان لهذه الحكومة التي شكلها أو ساهم في تشكيلها وان ينحاز لها ويعبر عنها، وذلك لأنها في نهاية المطاف تمثل بشكل أو بأخر قرار الأغلبية الشعبية التي أوصلت كتلة نيابية كبيرة للبرلمان مما أعطاها حق تشكيلها، لذا لا يمكن القول بأنها لا تمثل الشعب وتنحاز للحكومة، بل هي ممثلة للشعب والحكومة في ذات الوقت».

وأضاف «اما في الحالة الثانية والتي لا يكون للبرلمانات الحق في تشكيل الحكومة أو الموافقة عليها، فانه من الممكن ان تنحاز هذه البرلمانات للشعب مقابل بعدها عن الحكومة، ومن الممكن ان تنحاز إلى الحكومة على حساب الشعب، أو من الممكن ان تكون في حالة وسطية بين رغبات الشعب ومطالبه وبين وقوفها ومساندتها للحكومة».

وفيما يتعلق بحالة البرلمانات العربية، قال المدوب «قبل البدء في الحديث عنها لابد أيضا من التفرقة بين مفهوم الدولة والحكومة، إذ يجب ان تنحاز البرلمانات للدولة على طول الخط لان الدولة ليست هي الحكومة»، مضيفا» وفي عالمنا العربي نتيجة لقلة الوعي والثقافة السياسية والبرلمانية فإن مصطلحات عديدة مشوهة وغير واضحة بصورة تمكن العديدين من تقييم الواقع بصورة منصفة».

وقال المدوب إن واقع البرلمانات العربية ليس على درجة واحدة من التقييم، مضيفا» من غير المنصف ان نتحدث عن جميع التجارب ونعطيها تقييما متساويا»، موضحا» فالتجربة البرلمانية في بعض الدول مضى عليها زمن طويل، في حين ان بعض التجارب لا تزال وليدة، فضلا عن الاختلافات بالدساتير والأنظمة المنظمة للعمل البرلماني».

وأشار إلى إن وضع البرلمانات في الوطن العربي يعاني من صعوبات تتعلق بمفهوم العمل البرلماني الاحترافي، وتطور الجهاز التنظيمي المساند لها ؟ الأمانات العامة للبرلمانات-، وتطوير الإعلام البرلماني... وغيرها».

وعن ظاهرة توجه بعض أعضاء البرلمانات للحصول على مكاسب خاصة، أشار المدوب إلى ان هذا الأمر موجود في جميع التجارب ليست العربية فقط بل حتى العالمية، فهناك من ينخرط في الشأن السياسي أو البرلماني لتحقيق مصالحه، مضيفا» ولكن تطور وعي الناخبين هو الذي من شأنه ان يقلل اعداد من يستفيد لمصالحه الخاصة على حساب مصالح الشعب».

وفيما يتعلق بكون البرلمانات محققة لتطلعات الشعب أم مجرد بوق للسلطة، قال المدوب» أي برلمان أو أي عضو برلماني سيهمل هموم الناس وقضاياهم وسينحاز للحكومات على حساب الشعب، ستقل فرص حظوظه وفوزه للوصول إلى المقعد البرلماني مرة أخرى»، مضيفا» كما إننا يجب ان ندرك في ذات الوقت إن حاجات الشعوب ومطالبها لا يمكن لأي برلمان ان يعالجها برمتها في وقت واحد، بل إن بعضها يتطلب مزيدا من الوقت قد يفوق في أحيان مدة عضوية النائب في البرلمان».

اعتبر الباحث في الشئون البرلمانية علي راضي أن مقولة البرلمان «بوق للسلطة» غير دقيقة بالمرة خاصة في الدول التي تتمتع فيها الشعوب بمساحة كبيرة من الديمقراطية تنعكس على حرية واستقلال صندوق الانتخابات، فإذا تدخلت السلطة وساهمت بطريقة أو بأخرى في تزوير إرادة الناخبين، فإن مقولة تعبير البرلمان عن السلطة تلقى مكانة كبيرة لدى هذه الدولة، أما إذا وصل نواب البرلمان لمقاعدهم، وهم يتمتعون بحرية كاملة في هذا المجال، من خلال إرادة الناخبين، فإن البرلمان سيكون لا محالة معبراً عن الشعب حاملاً همومه معبراً عن مصالحه مهتماً باحتياجاته.

وأوضح راضي أن العامل الداخلي الآخر يتمثل في توفر الإمكانيات على ممارسة الدور النيابي، فهذه القدرة لا تحددها القوانين المجردة بل الإمكانيات المادية والبشرية الملموسة التي توضع تحت تصرف النواب للقيام بالمراقبة والتشريع والغرض الرئيسي من تأمين هذه الإمكانيات هو السماح للمجلس وللنواب بالحصول على اكبر قدر من المعلومات حول الموضوع المطروح للمناقشة سواء كان حول أداء السلطة التنفيذية أو قضايا تشريعية، إذ انه بدون هذه المعلومات يستحيل على النائب (المراقب والمشرع) القيام بمهمته.

«النواب» اللبناني ليس حياديّاً

النظام السياسي اللبناني، كما يحدّده الدستور، هو نظام برلماني يتمتع فيه مجلس النواب بموقع مميز، لكونه يستمدّ سلطته من الشعب مباشرة بواسطة الانتخابات، ولكونه شكّل عبر تاريخه ـ ولا يزال ـ ملتقى للحوار الوطني بين الطوائف والتيارات الحزبية والعقائدية على أنواعها، والمكان المميّز الذي تصاغ فيه الخيارات الوطنية للبلاد.

ولكون حجر الزاوية في النظام البرلماني الذي يعتمده لبنان يكمن في التوازن والتعاون بين السلطة التشريعيّة والسلطة التنفيذيّة، يشدّد الرئيس السابق للحكومة فؤاد السنيورة على أن إدارة الشأن العام هي «مسؤولية مشتركة بين الحكومة من جهة ومجلس النواب من جهة ثانية»، و«بقدر ما يكون هذا التعاون قائماً ومتفاعلاً، بقدر ما تتحقّق مصالح الناس وتتوجّه مسيرة البلاد بالاتجاه الذي يرقى بالعمل الديمقراطي إلى المستوى المطلوب».

ومن زاوية تأكيده على أنه «لا تستطيع أي جهة من الجهتين أن ترمي بأثقالها على الجهة الأخرى، أو أن تستقلّ في عملها أو تنفرد فيه أو تحمّل الأخرى مسؤولية العمل ونتائجه»، يرى أن ما يجعل الحكم متسماً بالشفافية هو أن «تبقى أبواب المساءلة والمحاسبة مفتوحة بين السلطتين، ما من شأنهما أن تضعا المسؤولية في حضن المؤسّسات الدستورية وليس خارجها».

واستناداً إلى تجربته كوزير لشؤون مجلس النواب، يؤكد الوزير وائل أبو فاعور أن صناعة التشريع هي مهمة مشتركة بين مجلس النواب والحكومة، و«يجب أن تكون محل شراكة أيضاً مع المجتمع المدني بهيئاته المختلفة، ومع كل صاحب فكرة أو رأي من المواطنين».

إلى ذلك، يرتبط وجود الحكومة واستمرارها في الحكم بثقة مجلس النواب، وللمجلس أن يمارس رقابته على سياستها في كل المجالات، ويتمّ ذلك بواحد من ثلاثة إجراءات، هي: طرح عدم الثقة (لأي سبب يرى فيه نائب أو أكثر خروجاً عن البيان الوزاري الذي نالت الحكومة الثقة على أساسه، أو تقاعساً في تنفيذ مضمون هذا البيان، أو موقفاً وزارياً غير مقبول)، الأسئلة (إجراء خطّي يتقدّم به نائب أو أكثر للاستفسار عن أمر ما، أو للفت نظر الحكومة لأمر ما يستوجب اتخاذ إجراءات معينة)، والاستجوابات (إجراءات خطيّة كما في السؤال، إلا أن عدم اقتناع النائب بإجابة الحكومة عن الاستجواب يفسح في المجال للمستجوب طرح عدم الثقة بالحكومة).

جوهر الديمقراطية في تنظيم الصراع على السلطة سلمياً في لبنان

منذ فجر الاستقلال، بدا مجلس النواب اللبناني «صمام الأمان للنظام السياسي التوافقي، والصانع الأول للحياة السياسية اللبنانية.. وقد مارس دوراً أساسياً في حلّ المشاكل الاجتماعية وتسوية الصراعات السياسية التي عصفت بالبلاد. وباستثناء حالات نادرة، كان ولوج باب المجلس شرطاً أساسياً لولوج الحياة السياسية في لبنان»، وفق قول الرئيس السابق للمجلس النيابي حسين الحسيني ل«البيان».

وينطلق الرئيس الحسيني من المبدأ العام المرتبط بالحكمة من إنشاء مجلس النوّاب، وهو الذي ترأّسه ثمانية أعوام متتالية (1984- 1992)، ليؤكّد أن جوهر الديموقراطية هو «تنظيم الصراع على السلطة بالوسائل السلميّة، ونقل السلطة من يد إلى يد بالوسائل السلميّة أيضاً»، ومن أجل ذلك «كانت الحاجة ماسّة لنقل الحوار من الشارع، ومن حالة الاضطراب والتناحر والصراع على السلطة في الشارع، إلى مؤسّسة تجسّد الحوار على المستوى الوطني العام، أي المجلس النيابي».

وبسبب طبيعة تكوينه وصلاحياته، غدا المجلس النيابي «جسراً لا يمكن تجاوزه بين الحكومة والمجتمع المدني»، حسب نائب رئيس المجلس فريد مكاري، لافتاً إلى أن النقاش الذي يدور دوماً يتمحور حول دور المجلس النيابي وموقعه، و«يتناول بصورة خاصة الوسائل التي يجب أن يمتلكها المجلس ليساهم أكثر بتطوير الحياة الديمقراطية في البلد وبالإدارة الرشيدة للأموال العامة وبتصويب المسار في ممارسة الشؤون العامة».

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن المجلس النيابي يتمتع بصلاحيات تشريعية ورقابية واسعة، تغطّي جوانب الحياة العامة كافة، وهو يصنع القوانين التي تحكم الدولة بأسرها، ويراقب العمل الحكومي ويصوّب توجهاته.. وبالإضافة إلى هذه الوظائف التشريعية والرقابية والتمثيلية، يمارس مجلس النواب دوراً تقريرياً في نشوء السلطات الأخرى، إذ ينتخب رئيس الجمهورية، كما تؤدّي الاستشارات النيابية إلى تكليف من يشكّل الحكومة الجديدة، ولا تحكم الحكومة قبل نيلها ثقة المجلس.

ويعبّر العمل البرلماني بقوة عن التطوّرات والتغيّرات الحاصلة في الحياة العامة بكل أبعادها، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لأن مجلس النواب، حسب تأكيد الرئيس الحسيني، هو «المؤسّسة الأكثر ارتباطاً بالجمهور والانفتاح عليه، حيث تدور مناقشاته على تنوّعها في مناخ من الشفافية والعلنية مقارنة بما هو قائم في مواقع أخرى معنيّة بالشأن العام».

نائب مصري: القوانين تصاغ لخدمة نفوذ رجال أعمال

العضو المستقل والصحافي مصطفي بكري فيؤكد على أن البرلمان في مصر شأن البرلمانات في كثير من دول العالم الثالث بما فيها الدول العربية، هو مجرد أداه في يد النظام الحاكم، ومجرد بوق من أبواقه، لأن البرلمان في تلك البلاد بما فيها مصر بالطبع لم ينشأ إيمانا واقتناعا بدوره في حكم وإدارة شؤون البلاد كسلطة تشريعية ورقابية، وإنما أنشئ كنوع من الديكور في إطار محاولة لتجميل الوجه القبيح للحياة السياسية فيها، وللتغطية على العفن السياسي الذي أصاب كل شيء.

وقال إن ما وصلت إليه الحياة البرلمانية في مصر هو انعكاس واضح لما وصلت إليه الحياة السياسة نتيجة تزاوج السلطة بالمال وهيمنة مجموعة من رجال الأعمال على عملية صنع القرار السياسي والحزبي والبرلمان، وقدرة رجال الأعمال المتسيسين هؤلاء على تسخير كل الوطن وحشد كل طاقاته وإمكانياته لخدمة مصالحهم الخاصة، بل إن ما يزيد الأمر سوءا هو انتقال الصراعات والمنافسات الشخصية لهؤلاء إلى الساحة السياسية وتصبح هي الحاكمة في الحياة السياسية والبرلمانية والحزبية، وتكون النتيجة الطبيعية هي أن يدفع الملايين من أبناء هذا الشعب فاتورة جشع وطمع وصراعات هذه الحفنة العفنة من رجال الأعمال الذين تزوجوا بالسلطة.

وأضاف ما الذي يمكن أن يتوقعه أي شخص عندما تصاغ القوانين لخدمة نفوذ بعض رجال الأعمال، ما ينتظر عندما تعدل القوانين الموجودة خصيصا من أجل جمال عيون بعض رجال الأعمال ليحقق المزيد من العز والثراء، ما الذي يمكن أن نأمله عندما يتصرف البعض داخل البرلمان كأنه إرثا ورثه عن أبويه، فيسوق نواب الحزب الحاكم سوقا إلى ما يريد ولا يستطيع أحد أن يفتح فمه.

لكل ذلك كان أمرا طبيعيا أن يظل البرلمان المصري مجرد أداة في يد مجموعة المنتفعين من النظام، كان أمراً طبيعياً أن يبقى مجرد ديكور لتجميل الوجه القبيح للأوضاع السياسية، سيبقى أمر طبيعي أن يظل أعضاء البرلمان من المعارضة والمستقلين كمن يحرثون في البحر لكن النظام حريص كل الحرص وبشتى الوسائل والطرق ألا يسمح بأن يفقد أغلبية الثلثين في المجلس الموقر.

الكويت ـ بدر سالم ـ رام الله ـ محمد إبراهيم ـ المنامة ـ غازي الغريري ـ بيروت ـ وفاء عواد ـ القاهرة ـ عماد الأزرق