أحمر
تكاد لغة زرع الهلع والارتياب، تجاه الغير أن تتحول إلى ثقافة في الولايات المتحدة. محاولات حثيثة تجري لتكريس هذا التوجه.
سلاح خطير يستخدم بصورة متزايدة، في الساحتين السياسية والإعلامية لتأمين الالتفاف حول آيديولوجيا أو دعوة أو توجّه.. أو مرشح للانتخابات. ويستعمل بكثير من الحماقة والاستخفاف والجهل، من دون تبصّر بالعواقب والتداعيات.
وأيضا بكثير من التنكر لقيم التنوع والتعددية، العريقة في التجربة الأميركية ذاتها.
«الاسلاموفوبيا» كانت وما تزال ذروة هذا الخطاب الموتور. لكنه لا يقتصر عليها. طاول قضايا وأطراف أخرى، يتنامى النفور منها؛ بتأثير الضخ التحريضي الفاقع، تحت زعم أن الآخر وراء المشاكل الراهنة أو أنه يتسبب في مفاقمتها.
المرشحة لمقعد في مجلس الشيوخ، كريستين أودونل، تزعم وبعين مفتوحة ، أنها تعلم بخطة تعدّها الصين لوضع اليد على أميركا واحتلالها ! هكذا وبهذه البساطة والسهولة. حاكمة ولاية أريزونا، تقول مرة ، أن المتسللين الى الولاية من المكسيك ، يعبثون بارواح الناس ويقومون بقطع رؤوس ضحاياهم!
رواية تبيّن أنها من نسج مخيلتها، للتحريض ضد الأجانب.
جريدة «واشنطن تايمز» تختار عنوانا لافتتاحية عدد يوم الثلاثاء، 5 أكتوبر يقول: «علم اسلامي فوق البيت الأبيض ». جملة مأخوذة من مقابلة مع داعية إسلامي، من أصل باكستاني، في بريطانيا.
وصول لغة التخويف إلى هذا الدرك وعلى لسان مسؤولين ومرشحين لمناصب هامة ومؤسسات إعلامية تساهم في صياغة الوعي العام ، يؤشر إما إلى جهل خطير وإما إلى افتعال متعمد للتوتر والتأزيم مع الآخرين. تضخيم وتحريف، بهدف نشر الذعر والكراهية وبما يكفل توجيه الرأي العام نحو دعم سياسات الاستعداء والتقوقع.
النموذج الأبرز كان في حملة التأليب ضد الإسلام والمسلمين.
ففي الآونة الأخيرة، بلغت درجة غير مسبوقة في شراستها. ربما تراجعت نسبيا منذ أيام ، بحكم الانشغال بالحملة الانتخابية. لكنها مهيأة للعودة وبقوة. خاصة إذا ما فاز اليمين المحافظ بالأغلبية في انتخابات الكونغرس والذي كان هذا التوجه أحد بنود حملته الانتخابية.
وبكل حال، العدة جاهزة.
القوى التي تدفع بخطاب التهويش والتشويه، مثل تيار «حزب الشاي» وأنصاره وأبواقه ، أطلقت العديد من النشرات الكترونية الخاصة لبث الدعاية والمعلومات التي تخدم أغراضها وتزيد من التفاف الرأي العام حولها.
توآزرها في ذلك مؤسسات إعلامية عاتية مثل شبكة تلفزيون «فوكس نيوز» وجرائد ومجلات، منها «واشنطن تايمز» وغيرها.
شبه مؤسسات تكفل استمرار بل تسعير الحملة ومحاولة فرضها كتوجه رسمي يكون له تعبيراته السياسية والقانونية. منها نشرة «أوقفوا أسلمة أميركا» و«مراقبة الجهاد» و«العمل من أجل أميركا» وغيرها العديد من مثل هذه المواقع التي تدعو إلى استنفار الجهود والطاقات للدفاع عن أميركا.
وكأنها في خطر من هجوم إسلامي ، كما يقول الداعية بيلي غراهام الأبن ، أو أنها «مهدّدة بحكم الشريعة»، كما يروّج رئيس مجلس النواب السابق، نيوت غينغريتش الذي كان من أوائل الذين أطلقوا موجات هذا الخطاب المسموم.
وأثار هذا الانفلات، مخاوف وتحذيرات جهات كثيرة، في الساحة الأميركية ، سياسية ودينية وإعلامية. كان أبرزها اللقاء الموسع الذي حصل في واشنطن قبل أيام، بين رجال دين، مسلمين ومسيحيين ويهود.
شجب المجتمعون لغة التخويف والتحريض ضد المسلمين وكافة الأقليات. كما جرت محاولات إعلامية لتبريد الأجواء ورد الخطاب إلى طاولة الحوار. لكن كافة الردود، على أهميتها، كانت حتى الآن دون الفعالية اللازمة لردع هذا التوجه.
الأسباب متعدّدة. أهمها أن الساحة الأميركية في وضعها الراهن، قابلة لاحتضان مثل هذه البضاعة. وكان من الطبيعي أن يحدث ذلك حالة من التخوف والقلق، في صفوف الجاليات العربية والإسلامية.
في التاريخ الأميركي، محطات سلبية كثيرة ضد الأقليات. تعرّض لها الكاثوليك وأحيانا اليهود. كما عرفتها الجالية اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية، فضلا عن الجالية المكسيكية في فترة الكساد الكبير في الثلاثينات من القرن الماضي. طبعا اليوم غير أمس. تلك الأحداث تعود للماضي. لا مجال لحصولها الآن. لكن مجرد العزف على نفس الوتر، يستحضر معه كابوس الاضطهاد.