عبر شبكة هائلة من التفاصيل الدقيقة يخرج بنا مؤلف «حروب أوباما» لنطل على الفضاء الفسيح ولتتألق أمام عيوننا الحقيقة الواضحة، وهي أن الولايات المتحدة فقدت قدرتها على تحديد مهمتها في أفغانستان، وبعد تسع سنوات من وجود قواتها هناك لم تعد تدري ما الذي تفعله على وجه الدقة بعد أن راوغها الهدف الأصلي الذي مضى بها إلى هناك.
هذه الحقيقة نفسها هي التي ستدفع المؤلف بوب وودوارد إلى التساؤل: من هو باراك أوباما حقا؟ وهو تساؤل يبرره إطلالة على جوانب شتى من معاناة أوباما الداخلية ونضاله الفكري وصدامه مع قيادات المؤسسة العسكرية الأميركية وتعامله الصعب مع كبار مستشاريه في البيت الأبيض، حيث يبدو في كل هذه الحالات على درجة عالية من التشكك وعدم الاستقرار. ويقول إنه لم يسمع أبدا أوباما يردد عبارته الشهيرة: «نعم نستطيع» في صدد الانتصار في أفغانستان، ولو مرة واحدة.
ويؤكد مؤلف الكتاب أن الانقسامات بين مستشاري الرئيس الأميركي لم تقتصر على أفغانستان فحسب، وإنما امتدت كذلك إلى باكستان، التي يشير إلى أن الولايات المتحدة لديها أدلة وبراهين تؤكد أنها تعمل لصالح القاعدة وطالبان وتتعمد تأخير الضربات الجوية الأميركية لتحذير قادتهم مسبقا ليتمكنوا من الفرار والاختباء.
بعد شهور على وصوله إلى البيت الأبيض، يصرح باراك أوباما لمؤلف الكتاب بوب وودوارد قائلاً: «إنني الآن أشعر مثل الرجل الذي قضى وقتا طويلاً من يومه منتظرا ركوب الحافلة، ولما صعد إليها، وجلس على مقعده بجوار النافذة، أدرك أن الكرسي غير مريح، وأن الحافلة لن تأخذه إلى الجهة التي يريدها».
ويعتقد بوب وودوارد أنه ستأتي لحظة سيتحمل فيها أوباما المسؤولية بمفرده، لحظة سيختفي فيها كل أركان الإدارة الأميركية الحالية من العسكريين والسياسيين، ولن يبقى سوى باراك أوباما بمفرده على المسرح. سيذهب بترايوس، وجونز وغيتس ومولن وماكريستال، ولن يبقى سوى أوباما. وهل يصدق على الرئيس أوباما الوصف الذي أطلقه عليه وزير دفاعه روبرت غيتس بأنه مثل بائع السجاد؟
لقد رفض غيتس طلب الرئيس بالبقاء في منصبه حتى انتهاء ولايته الأولى في عام 2012، وفضل أن يتقاعد العام المقبل على أقصى تقدير. ويحدد بوب وودوارد هذه اللحظة بأنها ستحدث بعد عامين عندما يرشح أوباما نفسه لولاية ثانية كرئيس للولايات المتحدة. ويعلق نائب مستشار الأمن القومي توم دونيلون على هذه اللحظة قائلاً «يا الهي.. إلى أين سيسير هذا الرجل»، يقصد باراك أوباما.
أما بالنسبة لميشيل أوباما سيدة أميركا الأولى، فيقول بوب وودوارد عنها أن كل ما يهمها هو الإشراف على قوائم الطعام في البيت الأبيض، وعودة أوباما كل مساء لتناول العشاء معها ومع ابنتيها.
ما هي المهمة؟
وينتقل مؤلف الكتاب إلى إثارة سؤال: «يبقى حتى الآن بلا إجابة،، ويتعلق بطبيعة وأهداف المهمة التي من أجلها ذهبت الولايات المتحدة إلى أفغانستان؟ فنحن لانزال بعد 9 سنوات في هذا البلد، فما هي رسالتنا؟ ألا ينبغي لنا أن نحدد مهمتنا حتى نتعرف إلى أفضل الطرق لتحقيقها»؟
يقول بوب وودوارد إن الهدف الأصلي من الذهاب إلى أفغانستان لم يتغير، وهو العثور على أسامة بن لادن، لكن المشكلة أن أسامة لم يعد هناك الآن».
ويستمر مؤلف الكتاب في تسليط الضوء على الانقسامات التي حدثت بين أوباما والجيش، ويقول إن أحد مطالب المستشارين العسكريين التي رفضها أوباما هو تدريب أكثر من 400 ألف من عناصر القوات الأفغانية المحلية للمساعدة في قمع تمرد القاعدة وطالبان في أفغانستان، وقاموا لإقناعه بتقديم العديد من محاضرات الشرح والعرض له، لكنه لم يوافق، وكان يرد على هذه المحاضرات بأسئلة من نوعية «ما الدليل على نجاحكم في هذا؟ وهل من الضروري القيام به».
من هو أوباما؟
والسؤال الذي يحاول أن يطرحه بوب وودوارد خلال صفحات الكتاب هو: من هذا الرجل الذي يدعي باراك أوباما؟ من هو رئيسنا؟ من هو القائد العام للقوات المسلحة؟ فلأول مرة يقدمه المؤلف لنا وهو يواجه معاناته الداخلية، ونضاله الفكري وصدامه مع العسكر، وتعامله مع كبار مستشاريه في الجيش، وفي البيت الأبيض. وهو يبدو في جميع هذه الحالات على درجة عالية من عدم الاستقرار والتشكك.
وفي كل المناقشات التي أجراها مع أوباما ومستشاريه، يقول وودوارد إنه لم يسمع الرئيس الأميركي يقول عبارته الشهيرة التي صاغها خلال حملات الرئاسة الانتخابية «نعم نستطيع» إنه لم يسمعه يتفوه بكلمة النصر أو الفوز ولو لمرة واحدة في جميع خطبه العلنية. ويعلل ذلك يقوله أن الرئيس أوباما يؤمن بأنه لن يجد في بلده الموارد الكافية لتحقيق الفوز في أفغانستان، ويصرح بأنه لن يبقى هناك لعشر سنوات.
أوباما مثل رئيس شركة يطمئن المساهمين بكارثة جديدة
لكنه يعود ويهاجمه بقسوة شديدة بعد حواره الذي أعرب له فيه عن استعداد الولايات المتحدة لامتصاص هجوم آخر مشابه لهجمات الحادي عشر من سبتمبر. ويقول إنه شعر بالدهشة من تعليق الرئيس، بالرغم من أنه يعرف حجم التحذيرات التي تقدمها إليه التقارير المخابراتية بشأن حدوث هجمات إرهابية في المستقبل على الأراضي الأميركية.
ومع ذلك يقول بوب وودوارد إن الرئيس أوباما يتصرف هنا مثل الرئيس التنفيذي لشركة جولدمان ساش حين يخرج مثلا إلى جمع من حملة الأسهم والسندات لكي يطمئنهم فيقول لهم «لا تخافوا نحن بإمكاننا أن نتحمل كارثة مالية أخرى».
مشاجرات في البيت الأبيض
ويقول بوب وودوارد إن الرئيس أوباما، وبعد فترة وجيزة من جلوسه في البيت الأبيض، فقد الثقة في مستشاريه العسكريين. وها هو يقول لأحد كبار مستشاريه السياسيين: «إنهم ـ أي العسكريين ـ يطبخون شيئا، ويريدونني أن أسير في الاتجاه الذي يحددونه هم».
ولذلك فقد انفجر فيهم قائلاً خلال اجتماعه معهم في غرفة العمليات بالبيت الأبيض يوم 11 نوفمبر 2009: «ما هو الخيار الذي تركتوه لي؟ إنكم لم تقدموا لي خيارا واحداً». وكان حاضرا في هذا الاجتماع كل من رئيس هيئة الأركان المشتركة الأدميرال مايك مولين والجنرال ديفيد بترايوس الذي أصبح فيما بعد رئيسا للقيادة المركزية الأميركية، ووزير الدفاع غيتس.
واحتج مولين قائلاً: «أعتقد أن ما حاولنا القيام به هنا هو تقديم مجموعة من الخيارات»، وبعد فترة صمت يقول مولن «سيدي الرئيس أخشي أنه لا يوجد مسار آخر أمامك».
ويشير بوب وودوارد إلى أن هذا الانقسام بين المدنيين والعسكريين في إدارة أوباما مازال قائماً إلى اليوم، ويستند في ذلك إلى أكثر من 100 من المقابلات والملاحظات والمذكرات السرية، التي دونها على لسان كبار الموظفين داخل الإدارة الأميركية.
النقطة الأكثر إثارة
ولا تتوقف الانقسامات داخل الإدارة الأميركية بشأن أفغانستان فقط، بل تمتد أيضاً إلى الموقف وسبل التعامل مع باكستان. مؤلف الكتاب يذكر في كتابه أن «الولايات المتحدة كشفت بالأدلة والبراهين أن الباكستانيين (الذين يزعمون مساعدتهم للولايات المتحدة) يعملون لصالح الجماعات الإرهابية في أفغانستان، و يتعمدون تأخير الضربات الجوية الأميركية من أجل تحذير قادة القاعدة وطالبان حتى يتمكنوا من الفرار والاختباء»
. وهو هنا يريد أن يقول أن الأهداف الأميركية من حربها في أفغانستان تختلف تماما عن الأهداف التي يسعى إليها الباكستانيون. فهم كما يقول عبر صفحات الكتاب يشتركون مع الأفغان في الفساد وسوء الإدارة بالرغم من حصول البلدين على ملايين الدولارات شهريا من الخزينة الأميركية. إنهم فقط يبحثون عن الحصول على المزيد من الأموال، علي حساب الأهداف الأميركية.
ومع ذلك تبقى النقطة الأكثر إثارة في الكتاب، وهي إذا كان القائد العام للقوات المسلحة يؤمن بفشل الاستراتيجية التي يعمل من خلالها ألوف الرجال والنساء الأميركيين في أفغانستان، فكيف يتركهم هكذا لمصيرهم المجهول؟ وكيف يسحب من الخزينة الأميركية كل هذه الأموال لينفقها على استراتيجية مصيرها إلى الفشل والإخفاق حسب اعتقاده؟
صحيح أن أوباما لم يكن هو الذي شن الحرب على هذا البلد، وصحيح أنه ورث هذه التركة من سلفه الرئيس جورج بوش، لكنه هو باعتباره القائد العام للقوات المسلحة، الذي أصدر الموافقة على إرسال 30 ألف جندي أميركي إلى ساحة المعركة هناك، وهو يعرف أنهم سوف يفشلون في مهمتهم؟ كل هذه الأسئلة يتركها بوب وودوارد في كتابه بلا إجابة واضحة.
جيش من المرتزقة
لكن ربما تكون النقطة الأكثر إثارة للاهتمام في كتاب وودوارد هي أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية تعمل سرا في أفغانستان، ولديها جيش يصل عدده إلى 3 آلاف من المرتزقة الأفغان مهمتهم الولي هي اغتيال مقاتلي طالبان والقاعدة. ويتكون هذا الجيش في معظمه من الطاجيك الأفغان والأوزبك والهزارة وجميع الأعداء التقليديين للأغلبية البشتون وقد تم تدريبهم على العمل من داخل الأراضي الباكستانية حيث من غير المسموح رسميا حتى الآن للقوات الأميركية العبور إلى باكستان.
ويجري التنسيق في بعض الأحيان مع هذه العناصر عند شن الضربات الجوية باستخدام الطائرات بدون طيار على المناطق القبلية الباكستانية والأفغانية، والتي تتسبب في خسائر جسيمة بين المدنيين. كما تشرف أيضاً وكالة المخابرات المركزية على إدارة ميليشياتها السرية الخاصة في جنوب أفغانستان.
ولعل ما كشفه وودوارد في كتابه بشأن هذه النقطة تحديدا، سيزيد القلق داخل الولايات المتحدة نفسها من تنامي الدور شبه العسكري الذي تقوم به وكالة المخابرات المركزية الأميركية ال«سي.آي.ايه» في أفغانستان والعراق، وربما أيضاً في اليمن والصومال والسودان وكينيا وأوغندا وغرب إفريقيا.
الحلقة: ( 7)
الكتاب: حروب أوباما
تأليف: بوب وودوارد
الناشر: سيمون أند شوسر، نيويورك، 2010
عدد الصفحات: 464
عرض ومناقشة: طارق فتحي/ نيويورك
