في ديسمبر 2000، أدلى نيكولاي باتروشيف، الذي خلف رئيس الوزراء الروسي الحالي، فلاديمير بوتين، في قيادة جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (اف اس بي)، بتصريحات في ذكرى تأسيس «تشيكا» وهي الشرطة السرية البلشفية.

وقد وصف أفراد (إف إس بي) بأنهم: «أفضل الزملاء، ومصدر فخر واعتزاز الجهاز، الذين يؤدون عملهم ليس لقاء المال. وهم يبدون مختلفين، لكن هناك سمة عامة خاصة توحد بينهم، وهي صفة مهمة للغاية، ألا وهي إحساسهم بالمسؤولية. وهم نبلاء روسيا الجدد».وعلى مدى العقد الماضي، مارس أفراد جهاز (اف إس بي) الذي خلف جهاز الشرطة السرية السوفييتي (كي جي بي) في أداء مهامه، دور النخبة الجديدة في روسيا، حيث تمتعوا بممارسة مسؤوليات موسعة، ومنحوا حصانة من الرقابة العامة أو المحاسبة البرلمانية.ميزانية (اف اس بي) لا يتم الإعلان عنها، كما أن العدد الإجمالي لضباط الجهاز ليس معروفاً أيضاً. لكن أكثر التقديرات تحفظاً تشير إلى أن الجهاز يوظف أكثر من 200 ألف شخص.:صلاحيات غير محدودة:على مدى عشر سنوات، أمسك بوتين، الذي عمل في كل من (كي جي بي) و(إف إس بي)، بالسلطة في الكرملين، رئيساً للبلاد ثم رئيساً للوزراء. وقد جعل (إف إس بي) جهاز الأمن الرئيسي في روسيا، وسمح للجهاز بابتلاع معظم ما تبقى من (كي جي بي)، ومنحه صلاحيات العمل خارج الحدود، وجمع المعلومات، وتنفيذ عمليات خاصة.عندما انتخب بوتين رئيساً لروسيا في العام 2002، كان جهاز الاستخبارات السرية الروسي في وضع صعب للغاية. فقد أهمل الجهاز في سنوات الجري وراء الإصلاح الاقتصادي والديمقراطية في التسعينات من القرن الماضي.

وتقلص عدد قادة الجهاز الذين جذبتهم أطماع الثراء في خضم الاقتصاد الرأسمالي الروسي الجديد. والذين بقوا منهم في الخدمة واجهوا تحديين مقلقين ومثبطين للعزيمة، هما الحرب المستعرة في الشيشان آنذاك، والعنف المتزايد بسبب انعكاساتها، في موسكو ومدن أخرى بعيدة عن ساحة الحرب في الشيشان.وواجه ضباط (إف إس بي) ضغوطاً كبيرة بسبب الفساد الذي فاق معدلاته إبان الاتحاد السوفييتي. كما عانى الجهاز من انعدام ثقة الشعب بدرجة كبيرة. ونتج ذلك عن سياسة القمع التي كان يمارسها (كي جي بي) في العهد السوفييتي، ثم الفوضى التي شهدتها الساحة الروسية في العقد الأول التالي لانهيار الاتحاد السوفييتي.وبينما بدا أن (اف اس بي) يتهاوى، منحه بوتين دوراً جديداً وأكثر خطورة. ولكونه ضابطاً سابقاً في (كي جي بي) رأى بوتين أن (اف اس بي) هو الجهاز الوحيد في الدولة الروسية الذي يمكنه الوثوق به. حمل بوتين الجهاز مسؤولية تأمين استقرار دور الكرملين، وبالتالي الدولة برمتها.وعلى مدى العقد الخير كان (إف إس بي) هو المصدر الرئيسي لرفد جهاز الدولة والمؤسسات المملوكة لها بالأفراد الذين يشغلون المناصب القيادية .:تقليص الحريات:ومع تزايد قوته، قلص جهاز (اف اس بي) مساحة الحرية المسموح بها للتحدث صراحة في الشؤون السياسية والحياة العامة. وأرهب الجهاز المجتمع العلمي الروسي، بسلسلة من الأحكام القضائية القاسية ضد علماء اتهموا بالتجسس. كما قيد عمل المنظمات غير الحكومية، باتهامها بالعمل لحساب دول أخرى، كما تجسس على الصحافيين الروس.

ورغم أن كثيراً من المنشقين الروس والصحافيين وبعض أفراد أجهزة الأمن رأوا أن تلك التغييرات تمثل عودة كاملة إلى وضع (كي جي بي) السوفييتي، فإن الواقع يشير إلى أن الوضع أكثر تعقيداً.

فقد كان كي جي بي يمتلك نفوذاً قوياً للغاية لكنه كان خاضعاً للسلطة السياسية. وكان الحزب الشيوعي يسيطر على كل قطاعات ذلك الجهاز. أما (اف اس بي) على عكس سابقه، لا يمكن للغرباء اختراقه. وقد أصبح في الحقيقة، شيئاً آخر مختلفاً تماماً عن كل ما يناظره في الحقبة السوفييتية أو في الغرب.

وهو يشبه بدرجة أكبر أجهزة الاستخبارات في بعض دول العالم الثالث التي لا تفعل شيئاً سوى حفظ النظام الحاكم، ولا تأتمر إلا بأوامر من في يدهم السلطة، ولا يمكن اختراقها، ويملؤها الفساد والوحشية في التعامل مع المشتبه في انخراطهم في أنشطة إرهابية أو انشقاقية.

ويرى ضباط (اف اس بي) الآن أنهم وحدهم القادرون على حماية البلاد من الأعداء داخلياً وخارجياً، ومنقذو الأمة التي دمرتها فوضى التسعينات. وهم يرون أيضاً أنهم ليسوا فقط ورثة (كي جي بي)، ولكن الشرطة السرية التي شكلها القياصرة لمحاربة الإرهاب السياسي، أيضاً.

العودة من جديد

تأسس (كي جي بي) في العام 1954، وجمع مهام لا حصر لها، شملت كل مناحي الحياة. ورغم ذلك حرص المكتب السياسي للحزب الشيوعي على لجمه، تحت تأثير الصدمة الكبيرة التي أحدثتها عمليات التطهير في العهد الستاليني.

ولكونه مندساً في أعماق الحياة فقد عانى (كي جي بي) من كل أوجه القصور التي شابت البيروقراطية السوفييتية ككل. وعمل الجهاز وفق نظام محسوبية شبه خفي. وبدأ أبناء النخب السوفييتية المتعلمون في الغرب يحلون محل العملاء المدربين في الداخل.

وتمكن (كي جي بي) من استغلال مناخ السرية في إخفاء ضعفه، وخلافاته الداخلية القاتلة. وعندما اتضحت إخفاقات النظام السوفييتي خلال حكم الزعيم السوفييتي السابق ليونيد بريجنيف، في السبعينات، روج مدير الجهاز آنذاك يوري أندروبوف، الذي تولى الزعامة فيما بعد، شائعة مفادها أن (كي جي بي) هو الجهاز الوحيد غير الفاسد في الدولة، الذي يمكنه إنقاذها.

ولدى توليه الزعامة في 1982، بث أندروبوف أفكارا صورت (كي جي بي) على أنه مكون من أشخاص أذكياء، وليس من ضباط سريين قساة. وخلال حكم الزعيم السابق ميخائيل غورباتشوف، حاول (كي جي بي) النأي بنفسه عن قمع المنشقين الذي اعتمده خلال الستينات والسبعينات.

وعند انهيار الاتحاد السوفييتي، حاول بوريس يلتسين، أول رئيس لروسيا، بعد الحقبة السوفييتية، إضعاف كي جي بي المتماسك بتقسيمه إلى وكالات أصغر منفصلة، حتى لا ينظم المتشددون في الجهاز انقلابا مماثلا للذي تعرض له غورباتشوف في أغسطس 1991.

وقد عاني (إف إس بي)، الذي خلف (كي جي بي)، خلال فترة حكم يلتسين من إخفاقات وضعف. لكن يلتسين في عامه الأخير عين بوتين مديراً للجهاز. كانت التسعينات سنوات ثوران في روسيا.

في 1998 عجزت روسيا عن دفع ديونها وخفضت قيمة الروبل، مما سبب أزمة مالية أدت إلى إفلاس الملايين وألقت بشكوك على نجاح نموذج النظام الرأسمالي الغربي. ولمع نجم بوتين، من خلال استخدامه القسوة في الشيشان، وتوليه رئاسة الوزراء، مما غذى شائعات عن أن الكرملين كان يتجه لإعادة دمج وكالات (كي جي بي) السابقة.

وبدأ دور (اف اس بي) ينبني على أسس جديدة، أهمها التقارب بين نظام الحكم ممثلا في الجهاز وبين الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. ففي ديسمبر 2002، أعيد افتتاح كاتدرائية سانت صوفيا قبالة ميدان لوبيانكا على مقربة من مقر (اف اس بي)، بعدما أغلقتها السلطات السوفييتية في الثلاثينات. وبدأ الأمن يحمي الأرثوذكسية ضد التبشير الكاثوليكي، مقابل تغاضي الكنيسة عن تجاوزاته.

لقد كان القيصر دائما هو رئيس الكنيسة. ويقوم الاعتقاد الأرثوذكسي الروسي على فكرة أن موسكو هي «روما الثالثة»، بعد روما القديمة والقسطنطينية، وعلى اعتقاد بتفرد روسيا.

وكجزء من هذا التفرد ترى روسيا اليوم أنها محاطة بأعداء كثر، يجب التصدي لهم بواسطة (اف اس بي). وفي غضون سنوات قليلة من حكم بوتين، تطور (اف اس بي) إلى شيء أكثر قوة وأكثر إثارة للخوف من (كي جي بي). لقد أصبح وكالة تتخطى حدودها بكثير ما كان قبلها.

تساؤلات حول المستقبل

عندما تولى بوتين الرئاسة في 2002، صعد معه نجم أجهزة الأمن وخاصة (إف إس بي). كانت تلك الأجهزة تتطلع إلى عودة قوية، بعد فترة التسعينات التي أضعفتها. فتح بوتين، الذي خدم في (كي جي بي) لمدة 17 عاماً، الباب لأجهزة الأمن لأخذ مكانها في صدارة قائمة السلطة والمكانة الرفيعة، وطبقة النبلاء الجدد في روسيا، ما بعد الاتحاد السوفييتي. لكن ذلك لم يحقق النتائج المرجوة.

فقد طارد (اف اس بي) الجواسيس الأجانب، لكن الطرق غير اللائقة التي اتبعها أثارت تساؤلات بشأن مصداقيته. وكان من المفترض أن يكون الجهاز ترسا في آلة دولة يحكمها القانون.

لكن حكم القانون لا يزال هدفا بعيد المنال، حيث ترى أجهزة الأمن أن مصالحها ومصالح الدولة التي تحميها فوق القانون. وقد تحكم في تفكير تلك الأجهزة ميراث قيصري وسوفييتي واضح، إذ أنها مليئة بالشكوك، والانكفاء على النفس، والتحزب.

ورغم كل المميزات التي حصل عليها ضباط الأمن، فإنهم تقاعسوا عن المغامرة وتحمل المسؤولية، مفجرين أسئلة لا تجد لها أجوبة عن دورهم في مستقبل روسيا. وإذا كان الرئيس الروسي مدفيديف يريد تحديث روسيا بحق، والقضاء على ما يسميه «العدمية المقننة»، التي توحشت في السنوات الأخيرة، فهو سيحتاج إلى مدافعين عن الدولة، يؤمنون بذلك، وليسوا غارقين في الماضي.

جهاز الأمن الروسي يفاقم الشكوك في مواقف الغرب

الضباط الذين بقوا في خدمة أجهزة الأمن الروسية، خلال التسعينات، اعتقدوا أن الغرب هو الذي ساعد عناصر متشددة تسعى للديمقراطية لبث الانشقاق في صفوف (كي جي بي) وإضعافه. والنظرة المتحفظة الكارهة للغير التي تسيطر على جهاز الأمن الروسي الحالي «اف اس بي» ساعدت في تكوين توجه روسيا نحو الغرب.

الشكوك داخل الجهاز تجاه الغرب أشعلتها سلسلة من «الثورات الملونة»، التي أدت بين العامين 2000 و2005، إلى إسقاط أنظمة استبدادية في كل من صربيا وجورجيا وأوكرانيا، وقرغيزستان.

ورأى «إف إ س بي» هذه الأحداث على أنها من تدبير الغرب، وأصبح أكثر تخوفا من أن تكون روسيا وحلفاءها السياسيين في المنطقة على القائمة. وفي خطوة لتبرير دوره حاميا للدولة الروسية، لعب جهاز «اف اس بي» على مخاوف الكرملين واستغلها، متهما الاستخبارات الأجنبية، ضمن أشياء أخرى، بدعم الجمعيات غير الحكومية في روسيا، والتي باتت بحلول أواسط العقد الماضي، الرقيب الوحيد الباقي على ممارسات السلطات الروسية.

وفي الوقت نفسه، سعى «اف اس بي» باستماتة إلى اكتساب تأييد حكومات آسيا الوسطى. ولا تزال موسكو تنظر إلى وجود القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي «ناتو» في المنطقة على أنها استمرار لما يعرف باسم «المباراة الكبرى» في القرن التاسع عشر.وفي ضوء ذلك، حول الكرملين روسيا إلى منطقة جذب لاستخبارات معظم دول النظم الاستبدادية في المنطقة، وللمعارضين أيضا.

عمل مشترك

أندريه سولداتوف هو صحافي ومحلل سياسي روسي ومدير موقع «اغينتورا دوت أر يو» على الإنترنت والمتخصص في القضايا الأمنية. وقد أسس هذا الموقع بالتعاون مع الصحافية الروسية إيرينا بوروغان.

وقد اشترك الصحافيان الروسيان في تأليف كتاب جديد بعنوان «النبلاء الجدد: استعادة روسيا للدولة الأمنية والشرعية المستمرة ل(كيه جي بي)»، والذي تم استلهام هذا المقال عنه. وسينشر الكتاب قريباً من قبل دار «الشؤون العامة» وهي عضو في مجموعة نشر «بيرسيوس بوكس».

وسبق لسولداتوف وبوروغان أن سبباً حرجاً للسلطات الروسية بتغطياتهما المتميزة للأحداث، ومنها عملية اقتحام مسرح موسكو. وقد كشفا أن عدد ضحايا الهجوم فاق ال300 قتيل، رغم إعلان السلطات أن العدد لم يتجاوز العشرة.

وقد أمضى الصحافيان ليلة تدخل القوات الروسية الخاصة داخل شقة تطل على مبنى المسرح، حيث تمكنا من متابعة العملية، وأكدا أن التدخل الدموي بالغازات السامة كان مبرمجاً، ولم يسبقه أي عمل استهدف إنقاذ الرهائن.

بقلم ـ أندريه سولداتوف و إيرينا بوروغان

ترجمة ـ عصام بيومي