في الآونة الأخيرة، حقق مرشحو ما يسمى «حزب الشاي»، المحافظون المتطرفون، مكاسب كبيرة في الانتخابات التمهيدية لشغل عدد محدود من مقاعد مجلس الشيوخ. لكن توجهاتهم فيما يتعلق بالمسائل العنصرية العرقية والطبقية، التي ساعدت في تضخيمها برامج إذاعة وتلفزيون، لها جذور في تاريخ الفصل العنصري الأميركي.
وهم يمثلون تهديدا خطيرا لميراث الزعيم الأميركي الأسود مارتن لوثر كنغ. كما أنهم يهددون الديمقراطية الأميركية في الصميم، برغبتهم في الالتفاف على قوانين الحريات المدنية، وإعادة الفصل العنصري.في شهر نوفمبر المقبل، ستشهد الولايات المتحدة انتخابات حاسمة لتحديد مصير 37 مقعدا في مجلس الشيوخ. في الوقت الراهن، يسيطر الديمقراطيون على 57 من أصل 100 من مقاعد المجلس، فيما يمثل توازنا هشا بينهم وبين الجمهوريين.وإذا أسفرت الانتخابات عن زيادة عدد مقاعد الجمهوريين وسيطرتهم على المجلس، فستكون هناك شكوك كبيرة في قدرة الرئيس الديمقراطي باراك أوباما على المضي قدما في تنفيذ أي جانب من مبادراته السياسية. ولذلك، فان الحملة الانتخابية الحالية تأخذ شكل إحدى أسوأ الحملات في التاريخ الأميركي.:أفكار خطيرة:وكنموذج على خطورة هذه الحركة وما تمثله من أفكار، خذ مثلا، المرشح جلين بيك، مدمن الكوكايين الذي تعافى للتو من إدمان الكحوليات، وهو أحد مدللي «حزب الشاي»، تلك الرابطة المفككة من الليبراليين المتعصبين، والمحافظين، الذين يعميهم الغضب إزاء «النخب الليبرالية».وبعد تحليقه في أجواء وسائل الإعلام اليمينية المحافظة لسنوات، ظهر بيك على الساحة العامة على المستوى القومي أخيرا.
ويرجع الفضل في ذلك بدرجة كبيرة إلى روجر آيلز، مستشار الحزب الجمهوري السابق في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش الأب. ويشغل آيلز حاليا منصب رئيس شبكة «فوكس نيوز» الإخبارية المؤثرة في الولايات المتحدة.بيك لديه قدرة خطيرة على التأثير في مشاعر المحرومين، من المواطنين الأميركيين من البيض، من أبناء الطبقة المتوسطة، والعمال. وهو يثير فزع الكثيرين، وكذلك الديمقراطيين، وحتى الكثير من الجمهوريين التقليديين، الذين يشعرون بأنه يخاطب المتطرفين. والاستماع إلى «بيك» يعادل حضور مجالس شرب الكحوليات الجماعية المشبوهة.وتتضمن أجندة بيك إنقاذ أميركا مما يسميه «حالة الفساد» الحالية. وفيما يزعم بيك كثيرا انه «ليس سياسيا» وأنه مجرد «مبشر لأميركا» فان مساجلاته تسبب انقسامات لا تتوقف فيما بين الجميع، نحن، وأنتم، وهم، وأولئك. فهو يعتبر أن «نحن» تعني الوطنيين، التقدميين، الاشتراكيين، والنازيين أيضا. وبيك هو راو بارع لقصص «معكوسة» عن مظالم عرقية وطبقية. وعلى الرغم من كل المعلومات التي تفند كلامه، فانه يؤكد أن البيض هم الذين يعانون بشكل جماعي على أيدي العنصريين السود.وهو يضرب المثل بشكل مستمر ورئيسي بالرئيس الأميركي باراك أوباما و«الدوائر السبع من أصدقائه المتشددين». ويقول:« نحن سنستعيد حركة الحقوق المدنية، باسم الحقوق الفردية والحريات. ويضيف: «نحن سنسيطر على هذه الحركة لأننا الذين أسسناها في المقام الأول».بيك هو مؤسس مشروع يطلق عليه اسم «مشروع9 12.»، المصمم بهدف استعادة ذلك النوع من الوحدة الأميركية، الذي يعتقد هو أنه كان سائدا في اليوم التالي لأحداث 11 سبتمبر 2001. وهذا بحق نوع غريب من الحنين إلى الماضي، فتلك الوحدة شكلها الإرهاب، والصدمة والخسائر التي لا تعوض.
نظرة تشاؤمية
ومن جانب آخر، يتسق ذلك مع نظرة بيك التشاؤمية الرهيبة للعالم. فهو يتحدث بلا توقف عن «أنهار الدم» التي ستسيل إذا لم تدرك أميركا قدرها الإلهي.
وعلى أي حال، فان أي نوع من الوحدة يتخيله بيك لا يشمل، فيما يبدو، الناجين من الهجمات وعائلات ضحايا من فقدوا أرواحهم في انهيار برجي مركز التجارة العالمي. وقد وجه إليهم نصيحة بأن «يغلقوا أفواههم» لأنهم «يشتكون بشكل متواصل... وقد فعلنا لهم أفضل ما يمكن».
وقد نظم بيك سلسلة من المسيرات في أنحاء أميركا، تركزت جميعها على «استرداد» ما تم الاستيلاء عليه، ونهبه من قبل «الأميركيين المزيفين».
وكان من أكثر تلك المسيرات إثارة للجدل تلك المسماة «استعادة الشرف»، في يوم 28 أغسطس الماضي، وهو ذكرى مسيرة مارتن لوثر كينغ إلى واشنطن في العام 1963، ويوم تسمية أوباما مرشحا عن الحزب الديمقراطي للرئاسة في العام 2008.
وعندما سئل عن سبب اختياره ذلك اليوم بالذات لتنظيم مسيرته، في منطقة التسوق في واشنطن، الذي كان موقع مسيرة كينغ، قال بيك إن السود لا يملكون مارتن لوثر كينغ.
وكان علينا أن نتحمل مشهد سارة بالين، المرشحة السابقة لمنصب نائب الرئيس، وهي تقف إلى جوار بيك في ذلك الموقع، وهي تعبر عن إعجابها الشديد بحركة الحقوق المدنية التي «تمت استعادتها». ولم تكن قد مرت فترة طويلة على منح بالين تأييدها للدكتورة لورا شليزنغر، وهي شخصية مشهورة أيضا على إذاعة شبكة فوكس نيوز.
ويذكر أن د. لورا، المستبدة الغاضبة على الدوام، التي تلبس عباءة الطبيبة النفسية، كانت قد تلقت ذات مرة اتصالا هاتفيا من سيدة سوداء متزوجة من رجل ابيض، تسأل عما يمكن أن تفعله عندما يتفوه أصدقاؤها بتعليقات عنصرية تنتقص منها كسوداء.
وكان رد د. لورا على السائلة إنها كمن ارتكب جريمة، ويشعر بأن الناس تراقبه، ثم قالت:« استمعي إلى برامج الفكاهة السوداء، ولن تسمعي إلا زنجي، زنجي، زنجي... إذا كنت بهذه الحساسية المفرطة بالنسبة إلى لونك، ولا تملكين روح الدعابة، فلا تتزوجي من غير لونك إذن.» ومن حسن الحظ أن تعليقات د. لورا العنصرية تلك فجرت عاصفة عامة من الاحتجاج. ولكن ما ذا كان موقف السيدة بالين؟ يبدو أنها تتفق مع د. لورا، التي لم تتراجع عن موقفها، بل تكرره.
في ضوء ذلك، كان من الصعب للغاية تصديق تأكيدات بيك وبالين بأن مسيرة حزب الشاي إلى واشنطن لم تكن عنصرية ولا سياسية.
لمحة تاريخية
عبارات مثل «العدالة الاجتماعية» و«استعادة الشرف» قديمة جدا. بعد الحرب الأهلية، بدأت الولايات الجنوبية تفعيل قوانين «منفصل ولكن متساو» كرد فعل عنيف على التعديلات ال14 على الدستور التي صدرت كضمانة سياسية لإنصاف العبيد السابقين.
تم تأييد الفصل بين البيض والسود في الأماكن العامة على أنه لا ينتهك الحقوق السياسية للسود، استنادا إلى قرار المحكمة العليا في قضية «بليسي ضد فيرجسون» في العام 1896.وقد أدى ذلك إلى شرعنة متسارعة لفصل عنصري مقنن في أنحاء الجنوب.
وقد استقر رأي الأغلبية في تلك القضية على أن «التشريع عاجز عن محو الغرائز العنصرية... إذا كان عرق أدنى من الآخر اجتماعيا، والدستور لا يمكنه أن يضعهما على المستوى نفسه.» وبعد نصف قرن من ذلك، جاءت قضية براون ضد بروود، بشأن التعليم لتلغي ذلك الرأي الشائن.
ولكن إلى اليوم، لا يزال دعاة الفصل العنصري، وبعض أنصار المدارس السياسية الحديثة المحافظة، يستنكرون انتصار براون، كونه فرض مساواة اجتماعية على «أولئك الذين ينتقون علاقاتهم بدقة بالغة». وعندما يصر بيك على القول: «نحن الذين يجب أن ندافع عن الحريات المدنية والمتساوية.
وليس العدالة المتساوية. وليس العدالة الخاصة، ولا العدالة الاجتماعية، ولكن العدالة المتساوية.» فانه بذلك يستدعي معاني ومفاهيم عمرها قرن من الزمان، تجعل تعبير «العدالة المتساوية»، مشوبا بالعنصرية التي تمليها قوانين «منفصل ولكن متساو».
وبوعي منه أو ربما بلا وعي، يكرر بيك مواقف الجانب الخطأ في المعارك التي دارت بشأن قوانين «العمل الإيجابي»، والفصل في المدارس، ورفض التمازج الجنسي، والمضايقات في أماكن العمل، ودعوات تحسين النسل، والفصل في المقابر، وغيرها الكثير.
مريض عقلي
هناك من ينظرون إلى بيك على انه مجرد مريض عقلي. ولكن أيا كانت حالته العقلية، فان ما يهم أكثر في ظاهرة بيك هو الدعم الذي يحظى به هذا التيار. المتبرعون بالمال، وشركات الإعلان العملاقة وإمبراطورية الإعلام التي رفعت ذلك المخرف غريب الأطوار إلى ما هو فيه الآن من مرتبة عالية من النفوذ.
وهذا يشمل جانبا كبيرا من مؤسسة الحزب الجمهوري، والكثير من الأشخاص المسؤولين عن استمرار ترويج ما يسمى «إستراتيجية الجنوب»، وهو تكتيك أدى إلى انقسام الجبهة الانتخابية على أساس العرق، والطبقة، والمستوى الاقتصادي لأجيال.
وقد تم تفصيل تلك الإستراتيجية بعناية في مقابلة مع لي أتووتر، الرئيس الراحل السابق للحزب الجمهوري في العام 1981، الذي قال:» في 1954 كان يمكن للناس قول كلمة زنجي، وفي 1968، لم يعد ذلك ممكنا، وكان ذلك مؤلما، داعيا بشكل ضمني إلى الالتفاف على القوانين التي أنهت العنصرية في أميركا.
ويرى البعض أن هناك ما يمكن تسميته «عنصرية سياسية» ضد الجنوب الأميركي، يتم بمقتضاها، نشر الكراهية على نطاق واسع من خلال الثرثرة التي لا تتوقف من جانب برامج الإذاعة، والتأثير الساحق لشبكة فوكس نيوز. وقد أدى ذلك الحشد والتواطؤ الإعلامي إلى التأثير على الرأي العام الأميركي بشدة. وقد تأثرت قطاعات عريضة من الأميركيين بأفكار بيك.
وإذا كان بيك يقود هذا التيار أو يعبر عنه، فان الأفكار التي يروجها، مثل أن اوباما ولد على المريخ، وأن كل المسلمين إرهابيون، وأن قوانين الحريات المدنية تستعبد البيض، وان الرعاية الصحية المجانية نوع من النازية، فان الناس ستعيش في خوف، وستنتخب لمجلس الشيوخ، مرشحة مثل كريستين أودونيل، شبيهة سارة بالين، العاطلة عن العمل، التي تدعي حصولها على شهادة جامعية.
«حزب الشاي» يتحدى النخب السياسية الجمهورية
حتى الآن، استغل «حزب الشاي» أحد أكبر أسرار السياسة الأميركية، في تحقيق انتصارات مرشحيه الانتخابية، مثل فوز كرستين أودونيل في ولاية ديلاوير. والحزبان الرئيسيان الجمهوري والديمقراطي بكل ما لهما من قوة وقدرة على تشكيل الأجندة الوطنية الأميركية، أظهرا قلقا أكبر من اللازم على الاحتفاظ بقوتهما.
وغالبا ما تكون الانتخابات التكميلية خلال العام محدودة الجاذبية للناخبين، مما يجعل المرشحين من قبل الحزبين الكبيرين معرضين للخسارة أمام مرشحي الأحزاب الصغيرة والحركات الأخرى. وقد فاز مرشحو الحركة بفارق بسيط عن الجمهوريين، مما سبب قلقا كبيرا في أوساط الحزب، بحسب جيمس ثوربر، من مركز الجامعة الأميركية لدراسات الكونغرس والرئاسة.
ويقول ثوربر: «من الصعب على الجمهوريين مواجهة حزب الشاي. هذه تشبه حرب العصابات». في الماضي كانت الأحزاب الكبيرة تتعامل مع مثل تلك الحركات من خلال تحويل الاعتمادات والتأييد إلى مرشحين يمكنهم كسب الانتخابات العامة.
لكن المشكلة الآن هي أن الجميع، بمن في ذلك القادة السياسيون، منغمسون في مشكلة تأكيد الشرعية الخاصة بهم. والأدوات التي كانت في السابق مفيدة في التصدي للدخلاء، باتت تعبر بدرجة أكبر عن سلطة مرفوضة.
والملفت أن القادة الجدد في الحزب الجمهوري، مثل سارة بالين، والسناتور جيم ديمنت، والنائب رون بول، هم ثائرون، يصفون أنفسهم بأنهم عملاء مستقلون من أجل التغيير.
أضواء على حزب الشاي
هو حركة شعبية، تعود جذورها التاريخية كحركة احتجاج اجتماعي إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر، عندما ثار الأميركيون على نظام الضرائب المفروض آنذاك، وكانت هذه هي بداية حرب الاستقلال في أميركا، وقد ظهرت الحركة في تجلياتها الحديثة على الساحة في العامين الماضيين فقط، كرد فعل للأزمة المالية العالمية والاستياء من تصرف القادة الأميركيين إزاءها.
وينسبها البعض إلى الحزب الجمهوري، ويعتبرونها انشقاقا عليه، لكن آخرين يرونها حركة مستقلة منافسة. وهي تضم في كوادرها عناصر محافظة متطرفة للغاية، وكثيرا من عامة الشعب.
ليست لحزب الشاي قيادة مركزية، وهو يتكون من 3 حركات أساسية، هي «لا تذهب» و«أميركيون من أجل الرخاء» و«الحرية تعمل». وتنشط هذه الحركات في كل الولايات الأميركية تقريبا، خصوصا في ولايات الجنوب.
- حركتا «الحرية تعمل» و«لا تذهب» تتوليان مسؤولية الأعمال التنسيقية لحركة حزب الشاي. وعلى الموقع الإلكتروني لـ «الحرية تعمل» توجد خريطة عليها المدن التي ستشهد المظاهرات المؤيدة للحركة.
يقول المعارضون لحركة حزب الشاي إن الحركة على عكس ما تدعي ليس لها تأييد شعبي كبير، ولم تنشأ بشكل عفوي من قلب الشعب الأميركي، إلا أن القادة النافذين في الحركة ينفون هذا، ويؤكدون أنها حركة عضوية، نشأت من قلب الشارع الأميركي والطبقة الوسطى، وليست حركة سياسية بالمعنى التقليدي لهذا الاصطلاح.
بقلم: باتريشيا وليامز
ترجمة: عصام بيومي


