يقطع المؤلف بوب وودوارد شوطا أبعد في إطلاعنا على أسرار معالجة الإدارة الأميركية لتعقيدات الوضع في أفغانستان، فيشير إلى أن جميع مستشاري الرئيس الأميركي باراك أوباما يحكمون على إستراتيجيته في أفغانستان بالفشل، ويقول إن تركيز أوباما على إستراتيجية للخروج من هناك يعني أنه خرج نفسيا من أفغانستان بالفعل.

ويفجر وودوارد مفاجأة أخرى عندما يقدم للقراء نص حوار أجراه مع أوباما وسأله خلاله: هل يمكنك أن تخسر حرب أفغانستان؟« فكان رد أوباما هو أنه لا ينظر إلى هذه الحرب من منظور كسبها أو خسارتها وإنما يريد لأفغانستان أن تكون في وضع أفضل. ويقارن المؤلف بين رد أوباما والرد الذي كان يمكن أن يطرحه سلفه جورج بوش، وهو التأكيد على حتمية النصر في الحرب.

وينقل لنا المؤلف جانبا من وقائع اجتماع بين كبار مسؤولي الإدارة الأميركية والرئيس الباكستااني زرداري ورئيس أركان الجيش الباكستاني أشفق كياني والذي هدد المسؤولون الأميركيون خلاله بقصف مروع لباكستان إذا تعرضت أميركا لهجوم إرهابي كبير، فأبدى المسؤولان الباكستانيان عدم اكتراثهما، وقالا إن الهجمات الإرهابية على أميركا هي شأن أميركي.

يواصل بوب وودوارد في كتابه «حروب أوباما» كشف المزيد من الخلافات التي مزقت إدارة الرئيس أوباما تجاه الحرب في أفغانستان. وبوضوح شديد، يقول مؤلف الكتاب إن تركيز الرئيس الأميركي باراك أوباما على استراتيجية للخروج من الحرب في أفغانستان يعد بمثابة إشارة إلى أنه «خرج نفسيا بالفعل من أفغانستان». وبالرغم من التزامه بإرسال 30 ألف جندي إلى مسرح العمليات هناك، إلا أنه في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، قال مرارا وتكرارا لمستشاريه العسكريين والسياسيين «نحن بحاجة إلى خطة للخروج».

ويستمر المؤلف في وصف الاحتكاك بين مستشاري الرئيس العسكريين والمدنيين، مع دفع الجيش لزيادة عدد القوات بنحو 40 ألفا من أجل مكافحة تمرد طالبان في أفغانستان، في الوقت الذي يبدي نائب الرئيس الأميركي جو بايدن شكوكا مبررة إزاء فعالية زيادة القوات في قمع التمرد. ويقول بوب وودوارد إن أحد العوامل الرئيسية في الاضطرابات في أفغانستان يتعلق بالمنطقة الحدودية المليئة بالثغرات بين هذا البلد وباكستان، والتي تقدم ملجأ آمنا للمسلحين من عناصر حركة طالبان ضد القوات الأميركية.

كشف السر القذر

وعلى حد وصفه، «فإن السر القذر هنا - والذي لم يعد سرا بطبيعة الحال- هو أن الملاذات الآمنة لتنظيم القاعدة وحركة طالبان تقع في باكستان، وتقوم عناصرهم الإرهابية بالاستراحة والاستجمام خلال عطلات الأسبوع، ثم تعود شاحناتهم وسياراتهم لتعبر الحدود المشتركة إلى داخل الأراضي الأفغانية لقتل الجنود الأميركيين».

ويحكي بوب وودوارد في كتابه أنه خلال مأدبة عشاء أقامتها هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية للرئيس الأفغاني حامد قرضاي في مايو الماضي، ذكر روبرت غيتس وزير الدفاع أنه لا يزال يشعر بالذنب لدوره في القرار الذي اتخذه الرئيس الأميركي الأسبق بوش الأب بالانسحاب من أفغانستان عقب الانسحاب السوفييتي عام 1989، وأعرب عن التزامه بعدم السماح مرة أخرى بسقوط أفغانستان، وقال: « لن نغادر أفغانستان قبل الأوان، بل إننا لن نتركه أبدا».

يقول بوب وودوارد إن الصدمة أذهلت الحاضرين لدرجة أن شوكة سقطت من أحدهم، بينما قام آخر بتدوين تصريح وزير الدفاع في ورقة صغيرة ووضعها في جيب معطفه. والسبب واضح هنا وهو أن مثل هذا التصريح يتعارض تماما مع تأكيد أوباما على رغبته في ألا يترك هذه الحرب مشتعلة لمن يخلفه في البيت الأبيض من بعده، وتأكيده أكثر من مرة على انه يريد عودة كل القوات الأميركية قبل انتهاء ولايته الأولى في يناير 2013.

مقارنة بين رئيسين

ومع ذلك يقول بوب وودوارد إن التزام أوباما بمغادرة افغانستان يعتمد جزئيا على حسابات سياسية. وعندما سأل السيناتور الجمهوري ليندسداي غراهام الرئيس أوباما عن الموعد النهائي للانسحاب في يوليو المقبل، قال له أوباما بالنص: «حسنا أنك سألتني هذا السؤال. . ما أود أن أقوله هنا، ونحن في طريقنا لبدء المغادرة، هو أنني لا يمكن أن أجعل هذه الحرب بلا نهاية، كما لا يمكنني أن أخسر الحزب الديمقراطي بأكمله. والناس هنا في أميركا لا يودون سماع أننا سنبقي هناك في أفغانستان عشر سنوات مقبلة».

ولعل أحد الجوانب المهمة في الكتاب، هي أن وودوارد يقدم لنا البيت الأبيض الذي لديه ما يكفل الانتصار في أفغانستان، لكنه يركن إلى الفشل هناك. ويروي بوب وودوارد أنه في الربيع الماضي، و بعد 6 أشهر فقط من إعلان أوباما إرسال 30 ألف جندي إضافي إلى أفغانستان، إلى جانب استراتيجية معدلة لكبح تمرد طالبان والقاعدة: «كان تقريبا كل مسؤول مدني في مجلس الأمن القومي وفي مكتب الرئيس قد أدرك أن مصير هذه الخطة هو الإخفاق التام».

ويفجر مؤلف الكتاب مفاجأة عندما يسجل حوارا مع أوباما يسأله فيه «هل يمكنك أن تخسر الحرب؟». فيجيبه أوباما قائلا: «حسنا، أنا أنظر إليها من حيث كسب الحرب أو خسارتها. أريد للبلاد أن تكون في وضع أفضل الآن».

ويعلق بوب وودوارد على تصريح أوباما قائلا: « كما تعلمون، إذا كنت سألت هذا السؤال لجورج بوش، فقد كان سيقفز من مقعده ويقول إنني مصمم على الفوز في هذه الحرب». لكنه في نفس الوقت يقدم بعض العذر لأوباما ويقول: «إن الرئيس يدرك هنا أن افغانستان قضية صعبة، وكما وصفها أوباما بنفسه قائلا: »لقد تلقيت إرثا سيئا»، يقصد من سلفه الرئيس السابق جورج بوش.

بيت من ورق

وينسب مؤلف الكتاب إلى الجنرال المتقاعد دوغلاس لوت، المستشار الرئيسي لشؤون أفغانستان وباكستان في مجلس الأمن القومي، قوله في أحد الاجتماعات: « إن خطة اوباما لنقل المسؤولية الأمنية تدريجيا من القوات الأميركية وحلف شمال الأطلسي إلى الجيش الأفغاني أشبه ببيت من ورق مصيرها إلى الانهيار».

ولم يكن دوغلاس لوت وحيدا في رأيه هذا، بل اشترك معه في الرأي عدة أشخاص آخرين في مجلس الأمن القومي، الذين أكدوا أنه لا يوجد دليل واحد على قدرة القادة العسكريين الأفغان على تولي زمام الأمن والأمور في منطقة واحدة أو قرية واحدة في بلادهم.

ثم هناك الجنرال المتقاعد كارل ايكنبيري، سفير الولايات المتحدة في أفغانستان وهو واحد من أقسى منتقدي الرئيس الأفغاني حامد قرضاي، وعلى الرغم من أن تركيز السفراء عادة يكون على إقامة علاقات جيدة مع الحكومات المضيفة لهم، إلا أنه قدم إحاطة لنائب الرئيس الأميركي جو بايدن خلال زيارة قرضاي لواشنطن في مايو الماضي، وقال له: «لا يمكننا الاعتماد على هذا الرجل».

ويستمر مؤلف الكتاب في تقديم لائحة اتهام ثالثة لجهود الحرب، وهي هذه المرة تأتي عن طريق مستشار الأمن القومي جيمس جونز، الذي كرس الكثير من وقته محاولاً إقناع باكستان للتحرك ضد معاقل طالبان على أراضيها. جونز يعتقد على ما يبدو انه فشل. ويقول بوب وودوارد: «إذا كان جونز حصل على وظيفة القائد »، فقد كان يعلم بالضبط ما سوف يقوله لأوباما، وهي أن الاستراتيجية مبنية على على حقيقة أن باكستان مجبرة على التحرك قسرا أكثر مما كانت عليه، وفي مثل هذه الظروف، لا يمكنك الفوز».

ليست مشكلتنا

ويقدم بوب وودوارد مشهدا تفصيليا لاجتماع رفيع المستوى بين إدارة اوباما والرئيس الباكستاني زرداي و ورئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال أشفق كياني، والذي يصفه وودوارد بأنه أقوى شخصية في باكستان. وفي هذا الاجتماع السري الذي عقد في 19 مايو 2010، سعي كل من مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية ليون بانيتا، و ومستشار الأمن القومي، الجنرال جيمس جونز إلى إقناع الباكستانيين بزيادة جهودهم ضد عناصر الجماعات الإرهابية في بلادهم، وإعطاء الجيش الأميركي مساحة أكبر للقيام بعملياتهم داخل باكستان.

وفي محاولة لفرد العضلات، حذر مدير الاستخبارات الأميركية ومستشار الأمن القومي الباكستانيين المجتمعين معهم من أن أميركا سترد بضربات انتقامية واسعة النطاق ضد باكستان، في حالة وقوع عمل إرهابي على أراضيها مثل محاولة السيارة المفخخة في تايمز سوير في 30 ابريل الماضي.

ويعرض بوب وودوارد الحوار بالنص هنا:«يقول الجنرال جونز إذا كانت هذه السيارة ذات الدفع الرباعي قد انفجرت ـ لا قدر الله ـ في تايمز سكوير، فنحن لن نكون معك هنا لإجراء هذا الاجتماع، لأن الرئيس أوباما سيجد نفسه ساعتها مضطرا إلى فعل أشياء لا تودون حدوثها لكم في باكستان، ولن يكون في مقدور احد معرفة العواقب، وهذا ليس تهديدا بل مجرد حقيقة سياسية».

والواقع أن تهديدات جونز وبانيتا لم تتوقف عند هذا الحد، بل أوضحا للرئيس الباكستاني ولرئيس أركان جيشه أشفق كياني، أنه إذا شنت جماعة إرهابية باكستانية هجوماً مماثلاً للهجوم الذي وقع في مومباي عام 2008، وأسفر عن مصرع 175 مدنيا، فإن الهنود سيردون أيضا بأعمال انتقامية مروعة».

ولم يقدم جونز تفاصيل حول ما يقصده من تهديدات، إلا أن إدارة اوباما لديها خطة « قصاص»، وهي واحدة من أكثر الأمور حساسية وسرية في المؤسسة العسكرية الأميركية، وتفتح الاحتمالات دون وجود حد أقصى لها. وتعتمد خطة القصاص على تفجير نحو 150 من مخيمات التدريب الإرهابية في باكستان، وذلك في إطار هجوم وحشي تشترك فيه كل فروع الجيش الأميركي تقريبا.

و ماذا كان رد الرئيس الباكستاني زرداري ورئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال أشفق كياني؟ يقول بوب وودوارد إن الاثنين بديا وكأنهما غير عابئين بالمرة بهذه التهديدات، وقالا إنهما: «يفعلان كل ما يمكن القيام به، وإذا شنت جماعة إرهابية باكستانية هجوما على الولايات المتحدة، فإن ذلك ليس شأنهما، وليس مشكلتهما».

لكن مستشار الأمن القومي، الجنرال جيمس غونز رد عليهما قائلا: «بإمكانك أن تفعل شيئا قد يكون من الصعب من الناحية السياسية، لكنه هو الشيء الصحيح الذي ينبغي عليك عمله إذا كنت بالفعل تضع مستقبل بلدكم في الاعتبار.. عليك أن ترفض كل أشكال الإرهاب كأداة سياسية في بلدكم».

خلاصة القول

وحتى بدون وقوع مثل هذا الهجوم على الأراضي الأميركية، تقوم الولايات المتحدة بتوجيه ضربات جوية وصاروخية داخل العمق الباكستاني، كما تقوم وحدات كوماندوس سرية «فرق المطاردة» بانتقاء ضرباتها ضد نخبة المقاتلين الأفغان ومطاردتهم بصورة منتظمة داخل أفغانستان وباكستان في وقت واحد.

المشكلة هي أن هذه السياسة تحقق مكاسب هائلة لأسامة بن لادن، وتؤدي حتما-فضلا عن انتهاكها السافر للسيادة الباكستانية- إلى مزيد من الكراهية للولايات المتحدة، وتعاطف أكبر مع أسامة بن لادن ومساعديه بين صفوف الشعبين الأفغاني والباكستاني، إضافة إلى تنامي مشاعر الاحتقار تجاه الحكومة الباكستانية التي تسمح للأمريكيين بانتهاكهم بهذه الصورة الفاضحة. ويخلص بوب وودوارد إلى أن مثل هذه السياسة تعمل على إذكاء نار الحرب، وليس على إطفائها، كما يريد اوباما.

الحلقة: ( 6)

الكتاب: حروب أوباما

تأليف: بوب وودوارد

الناشر: سيمون أند شوسر، نيويورك، 2010

عدد الصفحات: 464

عرض ومناقشة: طارق فتحي/ نيويورك