بذلت إسرائيل جهدا ملحا للحصول على أسلحة نووية. ويرى بعض المراقبين أن ذلك كان على خلفية من الخوف من الإبادة الجماعية، ويقولون إن هذا الخوف نفسه يجب أن يشجع إسرائيل على ضبط النفس النووي. ففي النهاية، لو حصل خصوم إسرائيل بدورهم، على القنبلة النووية، فربما تواجه الدولة العبرية خطر التدمير، أخذا في الاعتبار مساحتها الصغيرة، وكثافتها السكانية العالية. وعلاوة على ذلك، فإن فكرة قتل أعداد كبيرة من الأبرياء من أجل حياة الإسرائيليين ليست فكرة أخلاقية.

وقد أدى مزيج من التصميم وضبط النفس، إلى نوع من السلوك النووي في إسرائيل يختلف اختلافا جذريا عن سلوك الدول النووية الأخرى جميعها. فإسرائيل لا تنفي ولا تؤكد امتلاكها للأسلحة النووية. وترفض الحكومة الإسرائيلية ذكر أي حقائق أو معلومات عن نشاطاتها النووية، والإسرائيليون كأفراد يفعلون الشيء نفسه، إما بدافع العرف أو خوفا من القانون.

والإسرائيليون يمتنعون عن إفشاء أسرار البرنامج النووي الإسرائيلي بالدرجة الأساسية، نتيجة الرقابة التي تفرضها الحكومة على وسائل الإعلام ونتيجة الرقابة الذاتية أيضا. وهذا الوضع يعرف باسم «الغموض النووي».

الغموض النووي

وقد تم إقرار سياسة وممارسة «الغموض النووي» وحددت تفاصيلها بمقتضى اتفاق سري بين رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير والرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون في العام 1969. ورغم أن هذه الاتفاق لم يعترف به أبدا ولم يتم توثيقه، فانه تم الكشف عنه في العام 1991 من جانب الصحافي الإسرائيلي آلوف بين. كما ظهرت معلومات أخرى عنها من خلال مذكرات سرية صدرت حديثا، بشأن لقاء نيكسون وغولدا مائير في العام 1969.

وقد اصدر تلك المذكرات هنري كيسنغر مستشار الأمن القومي السابق في عهد نيكسون. وحسب تلك المذكرات نص اتفاق نيكسون ومائير، الذي جاء بناء على توصية من كيسنغر نفسه، على أن الولايات المتحدة ستتغاضى عن برنامج إسرائيل النووي، وستغطي عليه، طالما أن تل أبيب لم تعلن عن امتلاكها للسلاح النووي، من خلال الإعلان الرسمي أو تجربة تلك الأسلحة.

منذ ذلك الحين، أكد كل رؤساء الولايات المتحدة ورؤساء حكومات إسرائيل الالتزام بهذه السياسة. وفي أحدث تأكيد على ذلك، قال الرئيس الأميركي باراك أوباما في لقاء بالبيت الأبيض مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في السادس من يوليو الماضي، ما نصه: نحن نعتقد بشدة بأن إسرائيل في ضوء مساحتها الصغيرة، وتاريخها، والمنطقة التي تقع بها، لديها احتياجات أمنية من نوع خاص. ومن حقها أن تكون قادرة على الرد على التهديدات، والولايات المتحدة لن تطلب من إسرائيل اتخاذ أي خطوات يمكن أن تقوض مصالحها الأمنية.

وفي إسرائيل، تعد سياسة الغموض النووي، بالنسبة للمسؤولين الحكوميين، والمحللين الأمنيين، وحتى الجمهور العام، واحدة من قصص النجاح الاستراتيجي والدبلوماسي الإسرائيلي. فقد وفرت لإسرائيل أفضل الأوضاع الممكنة: فقد أصبحت لديها قدرة الردع النووي للرد على أي تهديد لوجودها، مع عدم تعرضها لأي إحراج سياسي يمكن أن يسببه الإعلان عن امتلاكها تلك الأسلحة.

ولو أن إسرائيل كانت قد أعلنت عن برنامجها النووي، لكانت دفعت ثمنا باهظا. فقد هددت الدول العربية التي كانت قد تأقلمت بعض الشيء مع وجود القنبلة النووية الإسرائيلية هددت في العام 2008، بالتخلي عن معاهدة منع الانتشار النووي، إذا أعلنت إسرائيل رسميا عن برنامجها النووي. كما أن دولا عربية معينة يمكن أن تواجه ضغوطا شعبية متزايدة لتحدي الاحتكار الإسرائيلي للسلاح النووي في المنطقة.

ربما كانت سياسة الغموض مبررة، عندما كانت إسرائيل قد حصلت للتو على القنبلة، ولم تشأ الولايات المتحدة أن تواجه هذه الحقيقة علانية. رغم ذلك، فسياسة إسرائيل النووية اليوم تتصادم مع أعراف نووية جديدة، ومع المبادئ الديمقراطية. كما أنها تظهر أن إسرائيل دولة غير مسؤولة نوويا.

تحديان رئيسيان

ويواجه احتكار إسرائيل النووي في الشرق المنطقة حاليان تحديين اثنين رئيسيين. الأول هو وجود قوى على مشارف المنطقة، مصممة على امتلاك التكنولوجية النووية، معلنة أن برنامجها مخصص للاستخدامات المدنية السلمية فقط. والثاني هو الضغط الدولي المتصاعد لإنشاء منطقة خالية من السلاح النووي في الشرق الأوسط، حسبما ورد في الإعلان الأخير للمؤتمر الذي عقد، أخيرا، لمراجعة سياسة منع الانتشار النووي.

وهناك تحد آخر هو أن سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو تجاه الفلسطينيين ينظر إليها على نطاق واسع، داخل وخارج، إسرائيل على أنها تقوض إمكانية إنشاء دولة فلسطينية، وحل إقامة دولتين متجاورتين للفلسطينيين والإسرائيليين. ومع الأخذ في الاعتبار أن وضع إسرائيل كدولة نووية بحكم الأمر الواقع، يعتمد بدرجة كبيرة على شرعيتها السياسية عموما، فإن تقويض هذه الشرعية السياسية بتدمير عملية السلام سيؤثر بالضرورة على وضعها النووي.

وفوق ذلك كله، هناك إدراك عالمي متزايد لكون وضع الدولة النووية بحكم الأمر الواقع هو وضع خطير، لسبب رئيسي هو أن الردع لم يعد يعتمد عليه لمنع امتلاك واستخدام السلاح النووي من قبل الدول والأطراف التي لا تحمل وصف الدولة. وقد زاد ذلك من تأييد هدف جعل العالم خاليا من الأسلحة النووية، وهو ما يطرح سؤالا مهما مفاده: هل تستطيع إسرائيل أن تبقى خارج النقاش العالمي في هذا الصدد.

يرى بعض المراقبين أنه يمكن لإسرائيل أن تزيد مصداقيتها النووية بطرق مختلفة، لكن كل هذه الطرق ستحتاج منها إلى تخفيف سياسة «الغموض النووي»، من دون التخلي عنها بالكلية. لقد كانت هذه السياسة معقولة واستراتيجية قبل 40 عاما، ولكن في المناخ الإقليمي والعالمي اليوم ، فإن سيئاتها أكبر من حسناتها.

في العام 1958، بدأت إسرائيل سرا بناء مركز نووي في منطقة صحراء ديمونا بمساعدة فرنسية. ولم تعلم الولايات المتحدة بذلك حتى أواخر العام 1960. وقد شكل الرد على ذلك تحديا أمام صانعي السياسية الأميركيين آنئذ. فقد جاء ذلك بعد 15 عاما على حدوث المحرقة وقبل ظهور قوانين من الانتشار النووي. كان قادة إسرائيل يعتقدون أن لديهم حجة قوية لاقتناء القنبلة النووية، رغم أنه كان هناك انقسام حول الإعلان عن ذلك، أو إبقائه سرا، وهو الرأي الذي أيده ديفيد بن غوريون، رئيس الوزراء آنذاك.

في الستينات، كانت أميركا تنظر إلى إسرائيل كدولة صغيرة صديقة محاطة بدول تريد تدميرها، وحظيت إسرائيل بتأييد بين الناخبين الأميركيين، لكن فكرة كونها دولة نووية كانت مناقضة للمصالح الأميركية والعالمية والإقليمية. خشي الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي أنه في غياب موقف عالمي حاسم لحظر الانتشار النووي، فسيزداد عدد الدول النووية، وأن محاولات إسرائيل امتلاك قنبلة نووية سيقوض جهود الولايات المتحدة لتأسيس عرف دولي لمنع الانتشار النووي.

ضغط أميركي

كما خشي كيندي من أن يؤدي امتلاك إسرائيل للقنبلة النووية إلى زيادة نفوذ الاتحاد السوفيتي السابق على الدول العربية، الأمر الذي قد يؤدي إلى مواجهة حامية بين موسكو وواشنطن حال تفجر حرب أخرى بين العرب وإسرائيل. وفي ربيع العام 1963 ضغط كيندي على بن غوريون لترتيب زيارات سنوية أميركية لديمونا للتأكد من تنفيذ تعهدات بن غوريون بسلمية برنامج إسرائيل النووي.

بدأت تلك الزيارات في العام 1964. وكرر رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك ليفي أشكول تعهدات غامضة سابقة بأن لا تكون إسرائيل هي البادئة بإدخال السلاح النووي إلى المنطقة. وقد قضى ذلك فعليا على احتمال إجراء إسرائيل تجربة نووية علنية. لكن إسرائيل سلكت طرقا ملتوية بشأن مواعيد الزيارات وعدم إتاحة الحرية الكاملة للمفتشين الأميركيين، وإخفاء العمليات الأساسية. وهو ما جعل الاستخبارات الأميركية لا تتوصل إلى أي دليل على أنشطة إسرائيل العسكرية النووية. وقد قبلت إدارة الرئيس جونسون هذا الوضع لأنها لم تكن راغبة بالدخول في مواجهة مع إسرائيل بشأن برنامجها النووي.

في العام 1967، كانت إسرائيل قد طورت سرا سلاحا نوويا بالفعل، بينما كانت واشنطن تسعى لحشد التأييد لاتفاقية منع الانتشار النووي. ضغطت واشنطن على إسرائيل للانضمام للمعاهدة، لكنها رفضت الانصياع. وعندما وصل الرئيس نيكسون ورئيسة الوزراء غولدا مائير إلى السلطة بات واضحا للمسؤولين الأميركيين، وخاصة نيكسون وكيسنجر، أن إسرائيل باتت تمتلك قنبلة نووية. وكان لابد من تفاهم جديد بين الجانبين. وخلص كيسنجر إلى أن أفضل تصرف هو إقناع إسرائيل بإبقاء برنامجها سرا.

وحتى اليوم، لا تزال سياسة الغموض النووي تحظى بالتأييد العام في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، التي ترى أنه طالما بقيت إسرائيل الدولة النووية الوحيدة في المنطقة فيجب استمرار الغموض. ورغم إصرار مسؤولين إسرائيليين كبار على أن الغموض ليس مقدسا، ويمكن التخلي عنه، فقد أكدت كل المراجعات للسياسة النووية الاسرائيلية على أنه لا غنى عنه، وأن إنهاءه سيعرض إسرائيل للمخاطر. وبعد اتفاق نيكسون-مائير باتت واشنطن شريكا صامتا في سياسة الغموض النووي الإسرائيلية. وقدمت واشنطن لإسرائيل تغطية دبلوماسية كبيرة وتلتها في ذلك معظم الدول الأخرى.

بقلم: أفنر كوهين مارفن ميلر\ ترجمة: عصام بيومي