ينطلق بنا مؤلف كتاب «حروب أوباما» وسط غابة الخلافات التي توشك أن تكون صدامات بين مساعدي الرئيس الأميركي باراك أوباما السياسيين والعسكريين ليكشف العديد من الحقائق التي تهم القارئ العربي بصفة خاصة، وفي مقدمتها أن النقاشات المناظرة التي أجراها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش مع مساعديه لم تكن تدور حول ما إذا كان سيتم غزو العراق ومبررات الغزو من عدمه وإنما حول كيفية تنفيذه، كما أن نموذج التحرك العسكري الأميركي في العراق بلغ من قوة التأثير لدى صانعي القرار الأميركي إلى حد التساؤل طوال الوقت عما إذا كان هذا النموذج ملائما للتطبيق في أفغانستان من عدمه.

ويكشف المؤلف النقاب عن أن بوش قد غادر البيت الأبيض من دون أن يترك وراءه إستراتيجية أميركية فيما يتعلق بالعديد من الدول وفي مقدمتها إيران واليمن والصومال وهو ما ألقى بعبء إضافي على المشاركين في عملية التوصل إلى إستراتيجية أميركية حيال أفغانستان. ونكتشف في غضون ذلك تراكم مشاعر القلق لدى العديد من المسؤولين الأميركيين من إمكانية شن ثلاث هجمات نووية إرهابية متزامن ضد مدن أميركية كبرى في مقدمتها لوس أنجليس وإنديانا بولس من دون أن يتاح لنا فهم مبررات هذه المشاعر وما إذا كانت لها أرضية موضوعية من عدمه.

يواصل بوب وودوارد كشف الخلافات والمناقشات الداخلية والصعوبات التي يواجهها الرئيس أوباما في الحصول على المشورة، بشأن ما ينبغي القيام به حيال أفغانستان، ويعرض صورا متتالية ومكثفة للصراع الداخلي بين أركان إدارته العسكرية والسياسية حول من الذي يحظى قبل الآخر بأذن وعقل الرئيس الأميركي.

ويغوص مؤلف الكتاب في تفاصيل العلاقة بين أركان إدارة واحدة، من المفترض أنها تعمل كفريق واحد متكامل، بينما الحقيقة هي غير ذلك، بل إن أعضاء هذه الإدارة يتجهون في مواقف كثيرة إلى الصدام حول البقاء أم الخروج من أفغانستان وما هي التكاليف ومن سيدفع الفاتورة في النهاية؟هل هم العسكريون بقيادة بترايوس والأدميرال مولين؟ أم المدنيون بقيادة أوباما نفسه، ومستشاريه السياسيين الذين أتى بهم منذ عامين إلى البيت الأبيض؟

ويعترف المؤلف بصعوبة الموقف الذي واجهه الرئيس الأميركي أوباما لا يزال يواجهه حاليا، لدرجة أنه فكر في تغيير عنوان الكتاب من «حروب أوباما» إلى «من الصعب أن تكون رئيسا». وفي معظم فصول الكتاب، يمكنك أن تلمس أن بوب وودوارد حاول أن يؤكد أن الرئيس أوباما وحزبه الديمقراطي يريدان الخروج من أفغانستان، لكن بترايوس والذين معه من العسكريين لهم وجهة نظر محافظة، وهي «أنه علينا أن نكافح للفوز حتى لو لم نعرف المدة التي سوف يستغرقها تحقيق النصر».

مقارنة قاسية

ويعقد بوب وودوارد نوعا من المقارنة بين الرئيس أوباما وسلفه الرئيس جورج بوش، ويقول عن الأخير إن: «الرئيس بوش كان أولا وقبل كل شيء مثل الكالسيوم في العمود الفقري، وكان يقول عن نفسه: «لو أصبحت رئيسا ضعيفا فسوف يضعف الفريق كله بأكمله.. إذن أنا الذي تحوم حوله الشبهات، ويمكنني أن أؤكد لكم، سيكون هناك الكثير من الشك».

ويواصل المؤلف وصفه للرئيس بوش بأنه: « كان مثالا لنفاد الصبر ويشعر بالقلق ازاء القرارات التي يتخذها والنتيجة غالبا ما كانت التهور واللامبالاة، وربما الأكثر إثارة للقلق هو ردود الفعل المتأخرة التي يبديها ازاء النصائح والحقائق التي يعارضها». ويشير بوب وودوارد إلى أن الرئيس بوش، خلال الاجتماعات التي عقدها بخصوص العراق، كانت جميع مناقشاته تدور حول كيفية غزو العراق وليس حول هل يتم القيام بالغزو أم لا. حتى بالنسبة لأسامة بن لادن، كان بوش حازما وحاسما «أريده حيا أو ميتا.. لن نتركه». كان بوش يعرف ما يريد وكانت لديه ارادة تحقيق النصر والضرب بقوة. وعلى الجانب الآخر، يقف الرئيس باراك أوباما، استاذ القانون، ويفكر ويعيد النظر في مسألة أفغانستان من جميع الزوايا والوجوه.

أوباما يستكتب مستشاريه

وفي النهاية ستجد أن الرئيس أوباما أخذ قليلا من روبرت غيتس، وبعضا من رام ايمانويل، وقليلا من الجنرال جونز، ثم يجلس إلى عسكرييه ويقوم بإملاء - وليس كتابة - استراتيجيته، التي تكونت من ست صفحات، وهو ما يكاد يحدث للمرة الأولى في العسكرية الأميركية أن يقوم القائد الأعلى بإملاء استراتيجية لكبار مساعديه العسكريين.

وبالرغم من أن أوباما لم يطلب من القادة العسكريين التوقيع على هذه الاستراتيجية، ولكنه كان يقول لهم: «اريد من الجميع الالتزام بهذه الوثيقة.. اريد من كل واحد هنا أن ينظر مباشرة في عيني ويعلن أنه سوف يلتزم بما جاء في الوثيقة». ويطلب من الأدميرال مولن عدم قول أي شيء يخالف وثيقته في العلن، أو حتى بين القادة العسكريين الآخرين الذين لم يحضروا جلسة إملاء الوثيقة.

وتبدو هنا القضية الأفغانية في غاية الصعوبة بالنسبة لأوباما، ولا نعرف هل هي قضية صعبة أكثر مما ينبغي؟ هل أوباما يملك الأدوات التي تؤهله للتعامل معها؟ هل لديه الوقت الكافي؟

ويقول في أحاديثه الخاصة بعيدا عن الجمهور إنه: «إذا رأى تقدما تم احرازه، يمكن أن يعطي نفسه مهملة زمنية أطول»، وهنا تستمع إليه وهو على يقين من: «أننا نريد خطة خروج»، وسوف نرى في الشهور المقبلة أو في العام المقبل إلى أين مضت الأحداث مع الرئيس.

كفيف يقود ضريراً

ويبدي بوب وودوارد اعجابه الشديد بشخصية قائد القوات المركزية ديفيد بترايوس الذي يعرفه منذ أكثر من 20 عاما. ويقول عنه إنه يستيقظ كل صباح الساعة الثامنة، لكنه عادة ما يصحو في منتصف الليل بسبب الأرق وخوفه من أن يكون ضحية النجاح الذي تحقق في العراق. ودائما ما يسأل المحيطين به:هل يمكن تطبيق نموذج العراق على أفغانستان؟ وذات مرة كتب مذكرة سرية إلى الرئيس أوباما الذي مررها إلى الأدميرال مولن دون أن يقرأها. وكانت المذكرة تحاول الإجابة عن سؤال بترايوس:الي اي مدى يمكننا تطبيق نموذج العراق في أفغانستان؟وكان من بين النقاط التي أثارها في مذكرته هي حاجة الرئيس إلى فهم واستيعاب كل شيء عن كل قبيلة في أفغانستان قبل اتخاذ القرار.

لكن، وعلى حد قول ديريك هارفي وهو ضابط المخابرات المفضل لدي بترايوس: «اننا مثل الأعمى الذي يقود شخصا أعمى مثله في أفغانستان». ووصف بترايوس نفسه حكومة أفغانستان بقيادة الرئيس حامد قرضاي بأنه عبارة عن: «عصابة من المجرمين».

وخلال صفحات الكتاب يسعى بوب ووداوارد إلى رسم صورة أوباما كرئيس بلا استراتيجية واضحة في أفغانستان وبلا استراتيجية خاصة سواء للصومال أو في اليمن أو في التعامل مع ايران النووية، وهو مايستدعي بالضرورة عقد المقارنة بينه وبين الرئيس السابق جورج بوش. ويقول إن أنصار أوباما اعتقدوا أن الرئيس السابق جورج بوش «فقد شهيته لعمل خطط طوارئ لإيران والصومال واليمن، ويرون أنه لابد من تطوير خطط طارئة بخصوص هذه البلدان، وتحديثها بصورة مستمرة تبعا لتطور الظروف والأحداث السياسية السائدة».

صورة هيلاري

ويصور بوب وودوارد هيلاري كلينتون وموقفها من زيادة عدد القوات في أفغانستان بانه اقرب ما يكون من الانتهازية السياسية. فهي كانت تقف في صف الذين يطالبون بزيادة عدد الجنود المرسلين إلى هناك بأكثر من 40 الفا، وكانت اشبه بمن يضغط على الرئيس لكي يتخذ قراره، وفي حقيقة الأمر لايوجد امامه أي خيار يرجحه على الآخر. ويقول أيضا عنها أنها تسعى لتحقيق أهداف خاصة بها إلى جانب تحقيق أهداف ادارة الرئيس أوباما أيضا.

ويتوقع بوب وودوارد لها أن تقوم بترشيح نفسها في انتخابات 2016 الرئاسية، وساعتها ستكون اصغر سنا من الرئيس الراحل رونالد ريغان عندما تم انتخابه. ويؤكد مؤلف الكتاب أن هيلاري في جميع رحلاتها الخارجية ولقاءاتها مع رؤساء الدول وزعماء العالم، يعاملونها باعتبارها الرئيس المقبل للولايات المتحدة.

ويفسر بوب وودوارد رفض الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون لتولي زوجته المنصب، ومساندة ابنتها تشيلسي ودفعها لأمها للقبول به، بأنها رغبة المرأة التي عادة تعيش أطول وتنعم بصحة أوفر من الرجل، وهو ما سيساعدها على خوض الانتخابات الرئاسية بعد خمس سنوات من الآن.

الجنرال جونز كان من رأيه ارسال 20 الفا فقط إلى أفغانستان. وقام بالفعل بكتابة مذكرة سرية على جهاز الحاسب الآلي الخاص به تحكي مبرراته بالوصول بعدد القوات إلى هذا الحد، لكنه لم يرسلها إلى الرئيس، ولم يطلعه عليها ولا حتى شفاهية. ويسأل مؤلف الكتاب: «هل يمكن أن تتصور مثلا وزير الخارجية هنري كيسنجر يحجب رأيا عن رئيسه؟

نصيحة باول

ويكشف مؤلف الكتاب استدعاء أوباما لوزير الخارجية السابق كولين باول وطلب منه المشورة. ويرد عليه باول الذي عمل رئيسا لهيئة الأركان، وخدم في الجيش لأكثر من 35 سنة، رد قائلا: «سيدي الرئيس ليس لأن هناك إجماعا بين العسكريين، إنهم علي صواب.. أنت القائد الأعلى هنا.. ولا يعني ايضا بما أنك الرئيس انك الشخص صاحب القرار في مثل هذه الأمور».

ويضيف: «وهنا تتعقد الأمور أكثر، فهناك حقائق سياسية في باكستان، وفي مقابلها حقائق سياسية في الولايات المتحدة، وكل ما لدينا خطة انتقام مشابهة لتلك الخطة التي أعقبت الهجوم الارهابي في 11 سبتمبر. وساعتها لا نعرف ماذا سنقول للباكستانيين. ويأتي بعد ذلك التعامل مع 20 أميركيا وأوروبيا تحولوا إلى تنظيم القاعدة وآمنوا بأفكار أسامة بن لادن، وهم سيسعون إلى القدوم إلى بلادنا.. إنهم يخططون لذلك وسيقومون بتنفيذ مخططاتهم، وهناك أيضا 100 اخرين يتم تدريبهم انني اكاد اسمع طبول الحرب: «انهم يتدربون على ترويع مدننا الكبرى.. هجوم على إنديانا ثم هجوم آخر على لوس انجليس والنتيجة معروفة».

مخاوف عميقة

ويصور بوب ووداورد رد فعل الرئيس أوباما على كل هذه المعلومات بقوله إن أميركا يمكن أن تستوعب هجوما مماثلا لهجوم 11 سبتمبر. لقد كان ما يقلق الرئيس أكثر هو هجوم إرهابي على المدن الأميركية باستخدام الأسلحة النووية. ويذكر أن أحد كبار القادة في وكالة المخابرات الأميركية تحدث عن إمكانية شن ثلاث هجمات نووية تتم في وقت واحد من خلال الجماعات الإرهابية. وأميركا لن تكون مستعدة لمثل هذه الهجمات «لن نعرف ماذا نفعل».

ويكشف بوب وودوارد، للمرة الأولى، أن تقريرا استخباراتيا تلقاه الرئيس أوباما افاد بأن اسامة بن لادن مازال قادرا على اجراء اتصالات مع أتباعه، وأنه يتمتع بالقوة نفسها، ومايزال قادرا على قيادتهم بالقدر نفسه الذي كان قبل هجمات 11 سبتمبر 2001. واذا نظرت إلى ما تقوم به الحكومة الباكستانية حاليا ستجد أن الباكستانيين في الوقت نفسه يخوضون معركتنا ضد الارهابيين، يقومون بالتواصل مع إرهابيين آخرين، ولكي يحدث تغيير في مفهوم باكستان ورؤيتها للمعركة ضدهم، فإن هذا سيستغرق عقودا من الزمان.. اننا نتحدث هنا عن تغيير ثقافة وتغيير مفاهيم ونشأة وتعليم.

الحلقة: ( 5)

الكتاب: حروب أوباما

تأليف: بوب وودوارد

الناشر: سيمون أند شوسر، نيويورك، 2010

عدد الصفحات: 464

عرض ومناقشة: طارق فتحي/ نيويورك