دعا نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية بلجيكا ستيفن فاناكير، والذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، في حوارٍ خص به «البيان» أطراف عملية السلام في الشرق الأوسط إلى الامتناع عن أي نشاطات ممكن أن تؤثر سلباً على سير المفاوضات بما في ذلك النشاطات الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية.

وطالب فاناكير إيران فيما يخص ملفها النووي بالتعاون والوضوح قائلاً إن غموض برنامج طهران في هذا الصدد لم يترك خيارات كثيرة. وفيما يتعلق بمسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، لفت إلى أن أنقرة غير جاهزة لتصبح عضواً في التكتل بعد. تالياً نص الحوار:

هناك انتقادات للغياب شبه الكامل للاتحاد الأوروبي في عملية السلام في المنطقة، فما هي الطريقة المثلى والخطط الممكنة لكم للتدخل بشكل أكثر فعالية في المفاوضات، وهل تعتقدون أن إنهاء فترة تجميد البناء الاستيطاني ستؤثر سلباً على المحادثات؟

لكي نكون غائبين عما يحصل في الشرق الأوسط، علينا في الاتحاد الأوروبي أن نغير جغرافيتنا. الشرق الأوسط جزء من جوارنا وتحقيق السلام هو أمر نتابعه عن كثب. مؤخراً، دعم رؤساء الوزراء والرؤساء الأوروبيين قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو استئناف المحادثات المباشرة.

وفي هذه المناسبة، فإن الاتحاد الأوروبي اعتبر أنه من المهم الاسترشاد بالرؤية المفصلة التي أعلنها في ديسمبر الماضي بشأن القضايا التي ستفضي إلى التسوية التي يتناقش بشأنها الجانبان. وأخذاً بعين الاعتبار للسياق العسير لهذه المفاوضات، فإن الاتحاد الأوروبي يطلب بشكل واضح من كل الأطراف الكف عن أي نشاطات يمكن أن تؤثر سلباً على سير المحادثات بما في ذلك النشاطات الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية واستعمال العنف من قبل المتطرفين ممن يسعون إلى زعزعة المفاوضات.

وكعضو في اللجنة الرباعية وداعم أساسي مالياً وإنسانياً للشعب الفلسطيني، فإننا ساهمنا منذ زمن في استقرار الشرق الأوسط. ونقف جاهزين في الاتحاد الأوروبي لمنح المزيد من الدعم السياسي والمالي للعملية السلمية، ولربما يحصل هذا في القمة الثانية للاتحاد من أجل المتوسط. وعلى أية حال، نحن نقر بالدور القيادي الذي تقوم به الإدارة الأميركية الحالية للتوصل إلى حل الدولتين، ونؤيد الالتزام المبكر من قبل الرئيس باراك أوباما لحل واحدة من المسائل المهمة على الساحة العالمية.

وإلى جانب الدور الأوروبي والدولي، أود أيضاً أن أنوه بالدور الذي يمكن للاعبين الإقليميين أن يلعبوه لأن السلام في الشرق الأوسط ليس أمراً حكراً على الفلسطينيين والإسرائيليين للتوصل إليه. ويمكن للدول العربية بدورها أن تلعب دوراً رئيسياً بشكل خاص وذلك برفع مساعداتها السياسية والمالية للسلطة الفلسطينية لكي يتحقق السلام.

البرنامج النووي الإيراني

متى تعتقدون، وزير الخارجية، أننا سنصل إلى النقطة التي ستصبح معها الضربة العسكرية لمنع إيران نووية أمراً لا مناص منه، وهل تؤيدون وضع كل الخيارات على الطاولة في حال فشلت الوسائل الدبلوماسية؟

تعلمون أننا قمنا مؤخراً بفرض عقوبات على إيران كأوروبيين كما فرضناها ضمن منظومة الأمم المتحدة. إن الغموض المستمر الذي تمارسه طهران فيما يخص الطبيعة الحقيقية لبرنامجها النووي وعدم احترامها لقرارات مجلس الأمن لم يتركا للمجتمع الدولي خيارات كثيرة، لأن التعاون المطلق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية هو الهدف الواضح المطلوب إبداءه من إيران.

فهذه هي القاعدة التي يتوجب على أي دولة تسعى إلى تطبيق الاستخدام السلمي للطاقة النووية أن تحترمها وذلك من خلال التوقيع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. وهذه أيضاً هي الرسالة التي نقلتها إلى نظيري الإيراني منوشهر متقي حينما استقبلته في مكتبي هنا يونيو الماضي. ونبقى في الاتحاد الأوروبي على استعداد للبدء بالحوار مجدداً مع إمكانية رفع كافة العقوبات، على أن هذا الأمر يعتمد على البدء بتعاون مستمر وكامل مع الوكالة الدولية وعلى احترام إيران لتعهداتها الدولية.

وعلى الرغم من دعوتها المتجددة لكبير المفاوضين الإيرانيين لاستئناف المحادثات، فإن ممثلة السياسة العليا للاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون لا تزال بكل أسف بانتظار عرض ملموس. وفيما يخص طبيعة العقوبات المفروضة، أود الإيضاح أنها تطال أعضاء في الحكومة والحرس الثوري ممن يلعبون دوراً حاسماً في البرنامج النووي وذلك بهدف تقليل الأثر على الشعب الإيراني.

وعموماً، نأسف للصعوبات التي واجهناها في حوارنا مع إيران. أيضاً وفي الشهور الأخيرة، أضحت انتهاكات حقوق الإنسان في إيران بما يتضمن ذلك من حرية التعبير لكل المواطنين الإيرانيين مصدر قلق كبير لدى الرأي العام. ويعتبر الحكم على سكينة أشتياني بالرجم حتى الموت مؤخراً مثال على تصرفات الحكومة الإيرانية التي لا يمكننا أن نتغاضى عنها، حيث طلبنا من السلطات الإيرانية نقض هذا الحكم بشكل لا لبس فيه.

انضمام تركيا للاتحاد

يبدو موقف الاتحاد الأوروبي من قضية انضمام تركيا كمن يقول لشخص ما أن يبقى واقفاً أمام الباب الذي لن يفتح له أبداً، أليس من البديهي بأن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى تركيا كعضو كامل وليس فقط كشريك مميز؟

كما تعرفون، لقد زرت تركيا في الصيف الماضي. وكما فعلت حينما استقبلت بحفاوة في أنقرة واسطنبول، أود أن أوضح أن تركيا ليست فقط بلد نجري معه محادثات انضمام، بل أيضاً شريك استراتيجي مهم بالنسبة إلينا تماماً، كما نحن بالنسبة إليهم. كما أود أيضاً أن أنوه بنقطة أخرى هي جزء من علاقتنا الثرية بأنقرة: تركيا بلد مجاور لإيران والعراق.. وهما دولتان تستحقان اهتمام الاتحاد الأوروبي من ناحية إمكانية أن تلعب تركيا دوراً وسيطاً في المضي بالأمور قدماً مع هذين البلدين. أما فيما يتعلق بعملية السلام في الشرق الأوسط، فيمكن لأنقرة في هذا الصدد أن تؤثر بشكل بناء، كما فعلت في الماضي حينما نظمت محادثات غير مباشرة بين سوريا وإسرائيل.

وفي الشق الاقتصادي، فإن الأداء القوي للاقتصاد التركي، رغم بطء النمو الاقتصادي العالمي، زاد بشكل أكبر اهتمام الاتحاد بالعمل معها. وعليه، فإن هناك أسباباً عديدة جداً تجعلنا نعتبرها شريكاً رئيسياً.. وإذا كان هناك اليوم في الاتحاد الأوروبي من يقول إن تركيا غير مستعدة للانضمام فأنا اتفق معهم. فعلى الرغم من الإصلاحات التي طبقت، لا تزال تركيا غير جاهزة للانضمام بعد، لكن هذا قيل لربما لدول مرشحة أخرى في السابق.

وبالتالي، فإن تقييماً للعملية التي أطلقت بين الطرفين العام 2005 يبدو سابقاً لأوانه. إن تقديراتنا لاستعدادات تركيا للانضمام تبقى إيجابية، حيث تظهر الاتصالات مع المحاورين الأتراك أن أنقرة مدركة تماماً للتحديات التي تنتظرنا. والنتيجة الجيدة للاستفتاء الأخير في تركيا أظهرت أن الحكومة قادرة على الحصول على تأييد شعبي للإصلاحات. وباستطاعتي هنا أن أشجع الحكومة التركية على الاستمرار في جهودها في هذا الخصوص.

العلاقات مع روسيا

السؤال الأخير وزير الخارجية، أين يقف الاتحاد الأوروبي فيما يخص المخاوف المتنامية على مستقبل روسيا الديمقراطي، وهل تعتقدون أن علاقات الاتحاد بموسكو بعد نحو 20 عاماً من نهاية الحرب الباردة تتجه نحو الطريق الصحيح آخذين بعين الاعتبار المخاوف الأمنية من قبل الطرفين فيما يتعلق بالدرع الصاروخية وحرب جورجيا العام 2008؟

لا يمكن الإنكار أن الديمقراطية في روسيا اليوم لا تزال في حالة هشة. فتحركات المعارضة والتظاهرات تواجه أحياناً بإجراءات سلطوية، فيما يشكل الوضع غير المستقر في شمال القوقاز تهديداً لديمقراطية روسيا.

أعتقد أن مستقبل روسيا الديمقراطي مرتبط بشكل وثيق بقدرتها على تحديث وتنويع اقتصادها بشكل أوسع وتطبيق إصلاحات أخرى مطلوبة. نشجع، في الاتحاد الأوروبي، روسيا على اتخاذ الخطوات الضرورية ونحاول أن نساعدها في جهود التحديث.

وفي القمة الأوروبية الروسية الأخيرة في روستوف الصيف الماضي، أطلق الاتحاد الأوروبي والحكومة الروسية سويةً مبادرة «الشراكة من أجل التحديث»، في حين أعلنا بشكل واضح أن قيماً مثل الديمقراطية وسيادة القانون يجب أن تحظى بدرجة متساوية مع قضايا نقل التكنولوجيا وتحرير تأشيرات الدخول. إن أحداثاً مثل الأزمة في جورجيا أو النقاش بشأن الدرع الصاروخية تثبت الحاجة إلى حوار مفتوح وبناء مع روسيا.

إن كان علينا ألا نتفق في كل قضية بحد ذاتها، فإنه يتوجب أن يكون هناك على الدوام حوار واحترام متبادل بيننا. وخلال زيارتي الأخيرة إلى موسكو في شهر مايو الماضي، شعرت باهتمام روسي حقيقي في تطوير علاقات مستقرة وقوية مع الاتحاد الأوروبي. وبالتالي، فأنا واثق تماماً من مستقبل شراكتنا الاستراتيجية مع موسكو.

موقف

فاناكير: مشكلات اندماج المهاجرين ليست عائدة إلى معتقدات دينية محددة

أكد رئيس الدبلوماسية البلجيكية ستيفن فاناكير رداً على سؤال من «البيان» بشأن على من يقع اللوم بخصوص جو الشك بين الأوروبيين والجاليات المسلمة في الدول الأوروبية، أن اندماج المهاجرين في أي مجتمع يشكل فرصة كما يعتبر تحدياً له. واستطرد: «في أوروبا، لدينا مشكلات مشابهة إلى حد بعيد لما نراه في الولايات المتحدة. ومهما كان، علينا تجنب المزاعم بأن مشكلات اندماج المهاجرين عائدة إلى معتقدات دينية محددة».

وأضاف ان «حرية المعتقد جزء من دستورنا، والمدارس البلجيكية تقدم تعليماً دينياً بحسب طلب الآباء. وعليه، فإن هناك مدرسين للديانة الإسلامية يتم دفع رواتبهم من قبل الحكومة». وأردف: «لقد رأينا كيف نال قس أميركي اهتماماً إعلامياً كبيراً بدعوته إلى حرق القرآن، ما يكشف أن المتطرفين من أي جانب يحظون باهتمام إعلامي لا أراه مناسباً. أدين أي عمل متطرف من قبل أي طرف وآسف للاهتمام الذي أعطي لقادة هامشيين لا يعبرون عن التفكير السائد في أوروبا».

ورداً على سؤالٍ آخر يتعلق بقضية ترحيل الغجر من فرنسا التي أثيرت مؤخراً، شدد فاناكير على أن الاتحاد «يؤمن بأن القوانين الأوروبية واضحة في هذا المجال من جهة سماحها للتنقل الحر للأشخاص ضمن الاتحاد الأوروبي». وأفاد أن «هناك شروطاً محددة مرتبطة بهذه الحرية من الواجب بطبيعة الحال أن تحترم. وإن أي طرد مبني على العرق هو أمر غير مقبول». ولفت إلى أنه «تمت مناقشة الأمر في قمتنا الأوروبية الأخيرة. وبرأينا، فإن الطريق واضحة ألا وهي أن نتطلع إلى العمل الجاد على دمج الغجر بشكلٍ أفضل في أي مكان يرغبون بالعيش فيه»

بروكسل- رؤوف بكر