يشتغل في الجزائر نحو نصف مليون طفل دون السادسة عشرة حسب تقييم رسمي، وما يزيد عن مليون و300 ألف حسب دراسة صدرت عن الهيئة الجزائرية لترقية الصحة وتطوير البحث وما يقارب مليونين بتقدير جمعيات الدفاع عن الطفولة. وهذه السن هي التي يفترض أن يكون فيها الطفل اجباريا في المدرسة بأطوارها الأساسية الابتدائية والمتوسطة حسب القانون المعمول به منذ عقود.

ومهما كان الرقم واختلاف التقديرات بين الجهات الرسمية وغير الرسمية، فان الجميع يعترف بوجود وضع مخالف للقانون يتطلب معالجة اختلفت الآراء بشأنها وحول آلياتها.وينتسب قسم من الأطفال العاملين إلى ورش ومصانع وحقول ومرافق خدمات، ومنهم أيضا من يشتغل لنفسه بجمع بقايا الحديد والبلاستيك والخردة لإعادة بيعها. وتشتغل نحو 200 ألف فتاة في البيوت وفي ورش الحياكة والخياطة والحلاقة، وأعمالهن في الغالب هامشية. وتنص القوانين الجزائرية على أن التعليم إجباري مدة تسع سنوات على الأقل ، وهي فترة التعليم الابتدائي والإعدادي ولا تطرد المدارس أي تلميذ قبل سن السادسة عشرة وتسمح له بإعادة السنة ان فشل في تحقيق معدل النجاح والانتقال إلى الصفوف العليا.

كما توفر له في حال إخفاقه في امتحانات آخر المرحلة ومغادرته المنظومة التربوية بديلا، حيث تحتضنه مراكز التكوين المهني لتلقينه حرفة يمكن ان يواجه بها الحياة.

والتعليم في الجزائر منذ الاستقلال العام 1962 مجاني في كل المراحل من الابتدائي إلى الدكتوراه، وأكثر من ذلك يحصل معظم الطلاب في الثانويات والجامعات على منح دراسية تساعدهم على توفير مستلزمات الدراسة.

وبحسب الإحصائيات الرسمية فان أكثر من 80 بالمئة من الاطفال في سن الدراسة يوجدون بأقسام المدارس ومراكز التكوين المختلفة، لكن آخر الدراسات أثبتت تآكل كتلة المتعلمين بفعل زحف غير مسبوق نحو عالم الشغل المبكر. وجاءت هذه الدراسات متزامنة مع أخرى تشير إلى اتساع رقعة الفقر في البلاد وزيادة الفجوة الاجتماعية إلى وضع لم يكن يتخيله أحد.

واندلع في الجزائر جدل غير مسبوق في المدة الأخيرة حول موضوع تشغيل الاطفال وظروفه وآثاره على المجتمع، وطرح الموضوع في البرلمان والمنظمات والجمعيات كما عالجته الصحافة بإسهاب وتخصص له مساحات واسعة.

ولأول مرة خرج الحديث عن أسوار القانون التي كانت تضبط كل تناول لهذا الموضوع. وكشف لاول مرة عن تسجيل حالات كثيرة خاصة في الريف يمتنع فيها الاولياء عن التحاق ابنائهم بالمدارس منذ البداية ويفضلون مشاركتهم في النشاط الزراعي أو الرعوي.

تأسيس لجنة من 13 وزارة بينها وزارتا سيادة )العدل والداخلية( لمكافحة عمالة لكن عملها غير مجد لأنها تراقب قانون المنع ولا تواصل عمل البحث عن اسباب اقدام الاطفال على العمل وهم في سن الدراسة ولا توفر لعائلاتهم ما يجعلها في غنى عن شغلهم.

وأكد مصطفى غالي وهو مالك مصنع صغير للأحذية أن تشغيل الطفل ليس دائما عملا سيئا، فهو قد يعيل أسرة. فالأطفال الذين يوجدون في وضع عائلي سليم لا يشتغلون ولا يفكرون أبدا في الشغل. المحتاج للقوت هو فقط من يعمل لكسبه بنفسه.

وقال مصطفى إن عشرات من الأطفال مروا على مصنعه يجمعون بقايا الجلود وينظفون ويرتبون البضاعة ويشحنونها في المركبات، ومنهم من تحول إلى صانع بحكم المشاهدة والاحتكاك مع الصناع. وأكد أن عددا كبيرا منهم كانوا برفقة أوليائهم حين طلبوا الشغل بمعنى أن قرار الشغل كان عائليا ولم يكن من الطفل وحده. وهو ما يعني انه يلبي حاجة عائلية.

ويذهب محمد مؤمن أستاذ الفلسفة المهتم بالشأن الاجتماعي والنقابي في الاتجاه نفسه ولاحظ أن القانون الخاص بمنع تشغيل الاطفال «جاف» فيما كل المسائل ذات العلاقة بالحركة الاجتماعية يفترض أن تكون مرنة حتى لا تصطدم بواقع مناقض وقال بأن إجبار العائلات على تعليم أطفالها قرار صائب نظريا، لان ذلك من صميم إعداد البلد للتطور والرقي، لكن يجب أن يستند ذلك إلى واقع غير واقعها...

ومن غير الممكن لاية دولة ان تصدر قانونا اجباريا مثل هذا وهي تدير ظهرها للعائلات التي يفرض عليها هذا القانون. في تقديري يجب أولا الاستثمار في تلك العائلات بعدم تركها تواجه العوز والمحن ثم بعدها قنن كما تشاء.

هل يعقل أن تجبر من لا يجد خبزا على الذهاب إلى المدرسة... الواقع ليس ما يجول بخاطر المشرع. عند كل الناس الخبز أولى من المدرسة، ومتى توفرت ضرورات الحياة لا حاجة إلى قانون يجبر الناس على الذهاب إلى المدرسة، عندها يصبح التعليم هو الحاجة الملحة لأن الحاجات الأخرى متوفرة.

وحمّل جلول جودي النائب في البرلمان عن حزب العمال السلطة مسؤولية انتشار ظاهرة عمالة الاطفال، وقال ان الدولة تساير زيادة الأغنياء غنى والفقراء فقرا، وهو وضع خطير دفع بمئات الآلاف من العائلات إلى وقف أبنائها عن الدراسة والزج بهم في «فم الذئب» وهو يقصد ورش القطاع الخاص التي لا ترحم على اعتبار ان المؤسسات التابعة للقطاع العام تلتزم القانون ولا تقبل بتشغيل الاطفال اقل من سن الرشد.

وأكد أن تأسيس لجنة من 13 وزارة بينها وزارتا سيادة (العدل والداخلية) لمكافحة عمالة الاطفال غير مجد لأن عملها يقتصر على إصدار تقارير حول مدى تطبيق قانون المنع ولا تواصل عمل البحث عن أسباب إقدام الاطفال على العمل وهم في سن الدراسة ولا توفر لعائلاتهم ما يجعلها في غنى عن شغلهم. وقال «ما يجري هو إصدار قوانين بالمراسلة، فالوضع الاجتماعي للفقراء غريب عن مؤسسات الدولة التي تصدر القوانين ولا يوجد أي تقارب بين هذه المؤسسات والواقع...

لقد حاولنا في البرلمان ان نلفت الانتباه لهذا الخلل لكن يبدو ان الرأي الغالب في المؤسسات لا يفهم لغة الواقع» وأكد أن التعليم مجاني وإجباري لكن الظروف التي تجعل منه فعلا إجباريا غير متوفرة، فالفقر منتشر ويدفع بأعداد كبيرة إلى مغادرة المدرسة مبكرا أو عدم الالتحاق بها اصلا».

نذر مافيا الطرق

وأعربت الآنسة دنيا بصير وهي أخصائية في علم النفس عن تخوفها من أن تعود الجزائر إلى عهد «ماسحي الأحذية» جراء حاجة العائلات إلى الاستعانة بشغل ابنائها لضعف مدخول الاب أو لانعدامه.

وكان «ماسحو الأحذية» في زمن الاحتلال وخلال السنوات الأولى بعد الاستقلال في الستينات يملأون الشوارع والساحات ويصطفون أمام أماكن تجمع الناس كالأسواق والمقاهي وصالات السينما بحثا عن لقمة عيش بتلميع أحذية المارة، إلى أن صدر قرار من الرئيس الراحل هواري بومدين بإنهاء تلك «الحرفة» وضم كل الاطفال إلى المدارس ومراكز التكوين المهني.

وقالت دنيا «ارى كيف يتسابق الاطفال وبأيديهم قطعا من القماش لمسح زجاج سيارات المارة عند التوقف أمام إشارات المرور في البريد المركزي (وسط العاصمة المحرر) الا يشبه المنظر زمن تلميع الأحذية الذي اختفى من البلاد منذ عقود؟ لقد تراجعنا كثيرا...

وانظروا كيف يتزاحم اطفال في سن المدرسة في كل أوقات اليوم ويصطفون على الأرصفة لتلقي بعض الدينارات مقابل حراسة سيارات متوقفة على الطريق، وهذا نوع مقنع من التسول، وتلميع الأحذية أشرف وضعا من هذا الذي يحدث اليوم أمام مرأى الشرطة والسلطات.

هم بالآلاف بلا مستقبل ويستثمرون في الكسل والكسب السهل والطمع.» لكن سليم . ب وهو طفل في الرابعة عشرة من حي الفاتح من مايو بوسط العاصمة يعتبر ما يقوم به عملا وليس تسولا، وقال» أحرس السيارات المتوقفة على الطريق قرب بيتنا، وحين يأتي أصحابها لمغادرة المكان أطلب منهم دفع 30 دينارا لقاء حراستي. ثمة من يتفهم الوضع ويدفع وهناك من يقول لي ببساطة لم أكلفك بحراستها وينصرف دون دفع، وأنا أوكل عليه ربي...

على كل أحصل على ما يجعلني في غنى عن طلب مصروف الجيب من العائلة... أنا اشعر أنني اشتغل لأنني اشتري ملابسي بما أحققه من عملي وأساعد والدتي أحيانا» وحين قلت له «ما تقوم به خارج القانون وأنت فعلا تحرس دون أن يكلفك احد»، فاجأني بالقول «اشتغل هكذا أحسن من أن أسرق، أليس كذلك؟» .

وهو جواب حاسم يغلق الباب أمام المزيد من الاسئلة، ما دفعني لطرق باب آخر فسألت ضابط شرطة «لماذا تتساهلون مع هؤلاء الاطفال وهم يبتزون الناس علنا؟» فقال «لو منعناهم لتحولوا إلى مجرمين وربما يوجد بينهم من يعيل اسرة...

هم هكذا يتدبرون أمرهم مع المواطنين» وفهمنا من كلامه ان السلطات أصدرت أوامر للشرطة بغض الطرف عن تلك الممارسات، مع أن الكثيرين بمن فيهم رجال الأمن يعتبرونها خطرا كونها تشكل بداية لنوع من «مافيا الطرق» سوف يستعصى استئصالها وتفتح المجال لجروح جديدة في جسم المجتمع المثخن اصلا.

وصارت الظاهرة محل تهكم على المشرفين على تسيير الشأن العام حتى في الصحافة، ويقال مثلا ان «حراس الأرصفة» مشمولون في قوائم التشغيل التي يتغنى بها كل يوم وزير التضامن الوطني جمال ولد عباس وهو من المقربين جدا من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وأن تلك القوائم الوهمية هي من خفضت نسبة البطالة في البلاد إلى ما يقل عن 12 بالمئة من مجموع اليد العاملة النشطة.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي