أيسلندا، بلد يقع في أقصى الشمال قارس البرودة من قارة أوروبا.. لا تكاد أخبار العالم تسمع بتطورات أموره.. اللهم إلا إذا استجدت أحداث بالغة الأهمية من قبيل ذلك اللقاء الذي سبق إلى عقده في العاصمة الأيسلندية ريكيافيك زعيمان كان لكل منهما شأنه الخاص في سياسة بلاده وتأثيره الأعمق في مجريات الأمور العالمية..

يومها قَدِم إلى ريكيافيك كل من ميخائيل غورباتشوف من كرملين ؟ موسكو فيما جاء إلى عاصمة أيسلندا رونالد ريغان من البيت الأبيض في العاصمة واشنطن.

وسجلت الحوليات السياسية هذه القمة المذكورة بوصفها، على نحو أو آخر الاجتماع الأخير المعقود على هذا المستوى بين غريمي الحرب الباردة التي كان عمرها قد قارب وقتها النصف قرن من عمر زماننا الراهن.

بعدها نسى الناس ريكيافيك بل وأيسلندا بأسرها في غمار ما تَوالَى بعدها من أنباء أفادت كما هو معروف بتداعي، ومن ثم انهيار بل وزوال الاتحاد السوفييتي نفسه، وبعدها طبعاً انتهت ولاية ريغان ليركن في كاليفورنيا إلى حياة الدعة والتقاعد وفتور الذاكرة..

فيما انتهت مهمة غورباتشوف التي كانت أشبه بوظيفة ؟ وكيل التفليسة ؟ السنديك المشرف على تصفية أصل من الأصول المالية ؟ والمادية - وبعدها أخلد بدوره إلى حياة من التقاعد التي يحوطها بلا شك ذكريات الناشط الدينامي في صفوف الحزب الشيوعي الروسي فما بالك بسابق خدمته زعيماً للدولة السوفييتية بجلالة قدرها التي ما لبثت أن انسحبت إلى زوايا النسيان.

أيسلندا.. والإفلاس

لكن العالم ما لبث أن عاد إلى تذكر أن في شمال الكرة الأرضية بلداً اسمه أيسلندا.. ولكنها كانت تذكرة مريرة بكل معنى.. إذ كانت أول وأشد من اكتوى بنيران أزمة الرهونات والديون واشتقاقات القروض المصرفية التي أطلّت برؤوسها البشعة منذ خريف وصيف عام ,2008. وبعدها.. رُوعت أوساط الاقتصاد العالمي بنبأ إعلان إفلاس الدولة في أيسلندا.

وفيما جاءت أخبار هذا الإفلاس من موقعها الذي ألمحنا إليه في شمال أوروبا.. فقد ترامت الأخطار المهددة بإفلاس حكومي آخر.. في جنوب القارة الأوروبية هذه المرة.. وفي اليونان التي مازالت إطلالتها المميزة نسبياً على شواطئ البحر المتوسط الدافئة..

فضلاً عن موقعها بالغ التميز إلى حد التفرد في الذاكرة الثقافية الأوروبية بوصفها المهد الأول لجذور النهضة الكلاسيكية فناً وإبداعاً وفكراً وفلسفة.. كل هذا سلط أضواءً أكثر من كاشفة على الأزمة التي سبق وأحدقت باليونان ابتداء من أواخر عام 2009 الماضي، وامتداداً مع مطالع عامنا الراهن. وكم تابع العالم أيامها جهود المفوضية الأوروبية ومجموعة الثماني من الدول الصناعية، السوبر ؟

متقدمة ودوائر الاقتصاد والمال في الاتحاد الأوروبي إضافة إلى مجموعة مؤسسات بريتون وودز الشهيرة وقوامها كما هو معروف كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمؤسسة المالية الدولية، هذه المجاميع المتضافرة من المؤسسات الإقليمية والعالمية هي التي خّفت بالطبع إلى تهيئة حزمة من تدابير الإنقاذ وبحجم عشرات المليارات لإنقاذ اليونان أو بالأدق تعويم سفينة اقتصادها التي كادت تغرق في المياه الدافئة بين بحر الادرياتيك والبحر الأبيض المتوسط.

قمة 2000

ورغم أن كان هناك من ظل ينبه إلى درجة التحذير إلى أن ما حدث في أيسلندا، وما صادفته أثينا اليونانية جنوباً هي في التحليل الأخير علامات كاشفة وإشارات منذرة إلى أن ثمة أخطاء ما برحت تشوب النظام الاقتصادي العالمي ولدرجة تهدد بانهيار نظم مالية تقوم على أمرها حكومات قومية، فما بالك بما جاءت به الأزمات المالية التي ما برحت ماثلة، من خيبة الآمال وإحباط الجهود التي ظل الفرقاء يبذلونها منذ انعقاد أهم مؤتمر قمة شهده العالم في مثل أيامنا هذه من عام 2000 .

وكان مكانها مدينة نيويورك بمناسبة انعقاد دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة ويومها انتعشت في الوجدان الكوكبي آمال عذبة وأمنيات عراض تجسدت فيما صدر عن الدورة التاريخية المذكورة من أدبيات سياسية ؟ اقتصادية كان على رأسها ما يلي:

إعلان الألفية الغايات الإنمائية الثماني للألفية.وقد جاء الإعلان والغايات تجسيداً لما استقر عليه منذ 10 سنوات الإجماع العالمي، بالسعي قدماً نحو تحقيق الأهداف الجوهرية التي تتراوح بين الوصول بحجم آفة الفقر وجموع فقراء الكرة الأرضية إلى النصف بحلول عام 2015، وبين المضي نحو تعميم التعليم الابتدائي لجميع أطفال العالم.

وخفض وفيات الأمهات من جراء الأمراض النفاسية ومعها وفيات الأطفال الرضّع دون الخامسة من العمر، وتعميم خدمات الصحة الأساسية للجميع وخاصة ما يتعلق بمكافحة الأوبئة الفتاكة التي تتراوح بدورها بين إصابات الملاريا وآفة فيروس نقص المناعة البشرية المؤدي إلى الإضافة بمرض الإيدز فضلاً عن التعاون الدولي على إنقاذ بيئة كوكب الأرض.

دورة الأمم المتحدة

عشر سنوات انقضت كما لا يخفى على أحد ؟ منذ اعتماد الغايات الأهداف الإنمائية للألفية.. وخمس سنوات هن الباقيات فقط على موعد التطلع إلى إنجاز ما سبقت المنظومة الدولية وأعلنته، وفق إجماع عالمي جاء وقتها محفوفاً بالآمال والتطلع إلى المستقبل على صعيد عالم كان يرنو إلى ألفية جديدة من تاريخ البشر على أديم كوكبنا.

وفيما تعكف الدورة المعقودة حاليا في نيويورك للجمعية العامة للأمم المتحدة، هي الدورة الخامسة والستون، على ما يمكن أن نصفه بأنه عملية جرد أو استعراض كشوفات الحساب لما تم إنجازه وفي الأغلب ما لم يتم إنجازه على طريق بلوغ الغايات الأهداف الإنمائية للألفية السابق ذكرها..

فثمة اعتراف بات سائدا في مختلف الأوساط بأن أهم العقبات التي حالت، ومازالت تحول، بين أن يكون كشف الحساب أو «مانيفستو» الجرد واعدا أو مبشرا إنما يتمثل في أن العالم أصابه على غير توقع أو انتظار تلك الأزمة المالية الخانقة التي أفضت على نحو ما أسلفنا إلى إفلاس بلد في شمال أوروبا مازال يعاني من عقابيل ما لحق باقتصادياته من جراحات.. بينما عاودت آلام الجراح الاقتصادية بنية البلد الواقع في جنوب أوروبا رغم ما سبق وأن تلقاه من حُقن الإنقاذ وجهود الإسعاف..

حيث ترامت آخر الأنباء مع منتصف سبتمبر الحالي لتفيد للأسف بأن رئيس وزراء اليونان، السيد باباندريو مازال يواجه موجات من الاحتجاج أو الاعتصام أو الإضراب من جانب جموع العاملين في بلاده.. دعك من مهاجمة مواكب المسئولين اليونانيين بمقذوفات من البيض أو الطماطم.. بل من.. الأحذية في بعض الأحيان!

مذكرة الصندوق

وإذا كان العمال والموظفون اليونانيون يعبّرون من جانبهم عن معاناة يكابدونها في معايشهم اليومية، فلا يسع المحلل السياسي أو الاقتصادي إلا أن يتدبر ملياً أحدث تقرير صادر منذ أيام عن صندوق النقد الدولي.

وقد احتوته مذكرة بالغة الأهمية وجهها الصندوق إلى نواب وزراء مالية مجموعة العشرين، وهي الصورة المحّدثة والمكبّرة كما هو معروف من مجموعة الثمانية ومن ثم فهي تضم أهم الفعاليات الدولية المؤثرة.. إنتاجاً وموارد وتصنيعاً وتقنية في مسيرة الاقتصاد العالمي ومصيره..

باختصار شديد يحذر الصندوق الدولي من أن ثمة مخاطر منذرة وشديدة الوطأة باتت تهدد ما وصفته المذكرة المشار إليها بأنه ظاهرة التعافي الذي طرأ على الاقتصاد العالمي في النصف الأول من العام الحالي، حيث ما برحت الحكومات تناضل.. في جهود حثيثة..

وميؤوسة في بعض الأحيان.. إزاء فداحة المديونية الداخلية والخارجية التي ألمّت باقتصادياتها القومية، وحيث لايزال القطاع المالي والمصرفي بالذات يعاني من الاستضعاف المنذر بتجدد الأزمات، وهو ما أفضى بدوره إلى استمرار القيود المفروضة على عمليات الإقراض المصرفي فأدى إلى نقص السيولة ومن ثم تفشي ظاهرة الإحجام عن التوسع اللازم في مشاريع الإنتاج والخدمات، وبالتالي في زيادة حجم الصادرات.

الاستهلاك والإسراف

وإذا كان من خبراء الاقتصاد من يعود بجذور الأزمة الماثلة أو حتى المتنامية إلى إصابة الأسواق بآفة الكساد، فالأمر يعود بدوره إلى ما وصفه الاتحاد الأوروبي من تغيرات طرأت على أنماط إنفاق واستهلاك الأسر المعيشية على اختلاف المجتمعات:

صحيح أن ثمة دعوة ذاعت في الولايات المتحدة، وعبرت عنها في صيف العام الماضي مجلة «تايم» الأمريكية الشهيرة حين نشرت ملفا كاملا تحت العنوان التالي: نهاية البَطَر (أو نهاية السرف والإهدار) وكانت تلك بداهة دعوة إلى الحد من الإغراق في السلوك الترفي وفي التهالك على اقتناء السلع الكمالية وصولا إلى نوع من الاتزان الاستهلاكي أو التوازن بين الامكانات والاحتياجات.

البطالة

لكن الصحيح أيضاً أن المسألة في قطاعات شتى من أميركا وأوروبا، بل في أنحاء شتى من العالم تحولت من حكاية مكافحة البطر أو السرف إلى حكاية التقشف ومن ثم الانكماش في مجال الاستهلاك أي استهلاك.

ولم يكن ذلك سلوكا يدعو الى الترشيد، وهو أمر محمود في ذاته أوصت به الرسالات السماوية ذاتها.. ومن ذلك القول الكريم: «والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا.. وكان بين ذلك قواما».

لقد تحولت السلوكيات في أوساط واسعة، وعلى مستوى طبقات شتى إلى حالة من الامتناع بصورة أو بأخرى عن الاستهلاك.. سواء بسبب ارتفاع الأسعار أو بسبب تآكل الإيرادات وعدم الثقة فيما يأتي به الغد. وعندنا أيضا أن في مقدمة هذه الأسباب تلك الآفة التي ما برحت تتحدى التعافي على مستوى أقطار شتى من العالم: إنها آفة البطالة.

من هنا قد نتفهم ارتياع الأوساط الأوروبية عندما استمعت في أوائل سبتمبر الحالي إلى وثيقة حملت اسما بات ذائعا هو: «بيان بارسو أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ».

وهو الخطاب السنوي الذي حرص فيه سدنة الاتحاد الأوروبي على احتذاء نموذج «حالة الاتحاد» الذي يلقيه رئيس الولايات المتحدة كل سنة.. أما بارسو فهو السيد خوسيه مانويل بارسو. وكان محور البيان الأساسي هو: أن نسبة البطالة في دول الاتحاد الأوروبي مازالت مرتفعة للغاية.

ومضى بارسو يقول: إن على أوروبا أن تثبت للعالم أن اتحادها ليس مجرد كيان إقليمي يجمع بين 27 كيان وطني.

على أن أهم ما استرعى اهتمامنا في خطاب ستراسبورغ المذكور عبارة يمكن أن نستعيدها على مسامع كل من يهمه الأمر في منطقة عالمنا العربي الكبير.. والعبارة تقول في حسم بليغ ما يلي: إما أن يطفو الجميع معاً (فوق سطح المشكلة) وإما أن يغرق كل طرف منا على حدة.

ثورات الجياع قادمة في أوروبا

أيسلندا، البلد الواقع في أقصى الشمال القارس من قارة أوروبا استحوذ على الأضواء لأول مرة مع انعقاد آخر قمم الحرب الباردة في عاصمتها ريكيافيك بين الرئيسين ؟ وقتها ؟ السوفييتي غورباتشوف والأميركي رونالد ريغان.

بعدها بعشرين عاماً سلطت أضواء، مُؤسية هذه المرة، على ريكيافيك مع إعلان إفلاس الدولة في أيسلندا نتيجة للآثار المتراكمة عن سوء إدارة الديون المصرفية والرهونات العقارية التي تجسدت فيها الأزمة المالية العالمية، التي أخذت بدورها بخناق دولة في أقصى الجنوب الدافئ هذه المرة من أوروبا وهي اليونان، حيث شهدتها مطالع العام الحالي وهي على شفير هاوية اقتصادية خطيرة لولا أن تداركتها جهود الاتحاد الأوروبي ومجموعة المؤسسات المالية الدولية فكان أن أمدتها بإمكانات التحفيز والاستمرار.

ورغم ذلك جاءت الأيام القليلة الماضية لتكشف عن استمرار احتجاجات العاملين باليونان ضد إجراءات التقشف الحكومية ولتوضّح أن الأزمة المالية العالمية ما برحت مستمرة على نحو ما حذرت منه المذكرة الصادرة مؤخراً عن صندوق النقد الدولي..

فضلاً عما نبهت إليه محتويات بيان السنيور باروسو رئيس المفوضية الأوروبية الحالي محذرة من أن العالم مازال يعاني آفة فقد الثقة التي تحول دون التوسع في الاستثمارات وتنمية الصادرات، كما أنه يكابد ظاهرة الانكماش في ميدان الاقتصاد نتيجة أسلوب الإحجام والتقشف في تعامل الأسر المعيشة مع الأسواق فضلاً عن استحكام أزمة البطالة التي تحرم العائلات والأفراد بداهة من إمكانات الاستهلاك أصلًا.

والغريب في الأمر أن كافة الإجراءات التي اتخذت، وأيضاً الإجراءات المطروحة كلها تمس الناس العاديين من الفئات المتوسطة وأصحاب الدخول المحدودة والفقراء، وكأن نفقات هؤلاء ودخولهم وأساليب معيشتهم المتواضعة هي السبب في الأزمات المالية والاقتصادية.

هذا بينما تحشد المليارات المستقطعة من الموازنات العمومية للدول لدعم المؤسسات المالية الكبيرة وكبرى البنوك التي هي المتسبب الرئيسي للأزمة بمضارباتها ومراهناتها الخاطئة وسياساتها الفاشلة في الإقراض.

كما تذهب مليارات كثيرة لدعم شركات الإنتاج الكبرى لتعوض خسائرها في العامين الماضيين بعد أرباحها وعائداتها الخيالية التي حققتها خلال العقود الماضية، ورغم هذه التعويضات تذهب هذه لشركات العملاقة فتسرح الآلاف من العاملين فيها لتزيد من نسب البطالة المستفحلة في المجتمعات.

وهكذا تزيد الأزمة الأثرياء ثراء وتزيد الفقراء فقرا، ورغم الإجماع العالمي على فشل سياسات المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، إلا أن هاتين المؤسستين مازالتا تفرضان شروطهما وإملاءاتهما على الدول التي تنفجر فيها الأزمات.

هذه الإملاءات التي تصيب الطبقات المتوسطة والفقيرة في صميم معيشتها، ولهذا دائماً نشهد المظاهرات والإضرابات من هذه الطبقات دون سواها في هذه الدول، بينما لا نسمع أية اعتراضات من الأغنياء أو أصحاب البنوك والمؤسسات الكبرى، وهم الذين من المفترض أن الأزمة أصابتهم في الصميم.

في ظل هذا الخلل الاقتصادي والاجتماعي الذي تشهده دول أوروبا المتحضرة في ظل الأزمة المالية العالمية، فإنه كما يتوقع المحللون والخبراء أن تداعيات الأزمة سوف تزداد وتشتعل وسوف تؤدي بالقطع إلى انفجار اجتماعي كبير سوف تشهده معظم دول أوروبا، هذه الدول التي تتمتع شعوبها دون غيرها من شعوب دول القارات الأخرى بقدر كبير من الحريات والحقوق.

ولديها مؤسساتها المدنية من نقابات واتحادات عمالية وسكانية لها تأثير كبير على المجتمع وعلى الحياة، وهذه الجهات لن تسمح بالتمادي في الضغط على الشعوب، وسوف يؤدي المزيد من الضغط إلى انفجار مؤكد لن تقوى الحكومات الأوروبية على مواجهته، وهو ما يعني كما يقول البعض أن «ثورات الجياع قادمة في أوروبا».

محمد الخولي