يعتبر انسحاب الوحدات الأميركية القتالية من العراق لحظة سياسية حساسة، كما أن تصريحات بابكر زيباري، رئيس أركان الجيش العراقي، بأن القوات العراقية ستظل غير قادرة على تسلم المسؤولية الكاملة عن أمن العراق حتى عام 2020 حظيت باهتمام استثنائي من المراقبين، غير أنهم أشاروا إلى أن هذه التصريحات تتضارب مع ما صرح به قائد القوات البرية علي غيدان من أن قواته جاهزة 100% لتحمل المسؤوليات الأمنية، وهذا قد يشير إلى أن زيباري ينظر للأمور من منظور أكثر اتساعاً.

ويشير المراقبون المعنيون بمتابعة تطورات العراق إلى أن تهيئة الظروف الأمنية التي تساعد على تهميش عمليات التمرد والإرهاب في العراق تتطلب تكاتف جهود جميع الأجهزة الأمنية، ولا ينبغي أن يكون من مسؤوليات جهاز بعينه فحسب، وهذه النظرة الشمولية هامة لتحقيق النجاح الأمني.

وتثير تلك التصريحات المتناقضة جملة من الأسئلة تشكل مصدر قلق للمسؤولين عن الحملات العسكرية، مثل متى يمكن أن تتوقف نهائياً عمليات التمرد والإرهاب؟ وما الذي يحدد بالضبط انتهاء هذه العمليات؟

من الصعوبة بمكان الإجابة عن هذه الأسئلة، خاصة أن مفاهيم الحرب والنصر في زمننا المعاصر قد تغيرت، فما عادت صيغة النصر التقليدية التي تفرض على المهزوم توقيع اتفاقية استسلام وإلقاء السلاح هي السائدة، فالحملة العسكرية الأميركية في أفغانستان، مثلاً، ينبغي أن تنتهي، لكن هل يعتبر ذلك نصراً لأميركا وحلف «ناتو» بعد كل تلك الأرواح التي أزهقت والأموال التي أنفقت؟

كما أن من الصعب تحديد أطر المرحلة الانتقالية التي يتم فيها تسليم الأمور لقوات الأمن المحلية، ومن غير المعروف كم ستطول تلك المرحلة، لكن في كثير من الأحيان فإن عمليات التمرد تتوقف بمجرد زوال السبب الذي أدى إليها، أما في العراق ودول مثل ايرلندا الشمالية فقد يكون الوضع مختلفاً، إذ أن هناك قوى تمرد تبذل الجهد الحثيث لمنع قيام دولة مستقرة ذات نظم حوكمة تتجاوز الانقسامات الطائفية والعرقية.

هناك في العراق من سيظل يتربص بانتظار الفرصة السانحة لكي يقوم بعمليات تزلزل الاستقرار الأمني، وهذا ما قد يؤول إليه مستقبل العراق بشكل كبير، خاصة أن البعد الطائفي في العراق أعمق منه في دول مثل ايرلندا الشمالية، التي نجحت في نهاية المطاف في التوصل إلى اتفاقية سلام، لا يتوقع أن ينجح العراق في التوصل إلى مثلها.

إعداد ـ يوسف جباعته