ما أشبه اليوم بالبارحة. لقاء قيادات العالم في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، للمشاركة في افتتاح دورتها السنوية العادية المتواصلة منذ أيام؛ يعيد نسج المشهد المكرور نفسه، ليس فقط من حيث المظاهر الاحتفالية والأمنية التي تواكبه، فهذه جزء من المناسبة، بل أيضاً من حيث تزايد القصور والانحسار في الدور الأساسي المنوط بهذه المؤسسة:
تعزيز السلام في العالم والعمل على تسوية نزاعاته بالطرق الدبلوماسية. ومثل هذا التآكل يدعو، في ضوء الظروف والتحديات غير المسبوقة التي يواجهها العالم اليوم؛ إلى القلق والتخوف.
صحيح أن ضمور دورها، ليس بالأمر الطارئ. عوامله تتراكم من البداية. لكن على الأقل كان هناك، في السابق؛ قدر من التوازن والتسويات يحفظ لها ماء الوجه. ثم لم يكن العالم بحاجة إلى حضورها الفاعل، كما هو اليوم.
في العقدين الأخيرين، تسارع التراجع وبلغ مؤخرا حدود الشلل. مع أن حدّة الصراعات الدولية الكبرى، لم تعد كما كانت عليه أيام الحرب الباردة. ومع ذلك يتوالى تهميش هذا الكيان الدولي الهام.
طبعا على يد الكبار، الذين طالما تعاملوا معه كأداة لخدمة سياساتهم. وبالتحديد الولايات المتحدة الأميركية، التي تصادر وظيفته. والمفارقة، أن ذلك يحصل في لحظة تبدو فيه هذه المؤسسة بمثابة الضرورة التي لا غنى لأحد عنها؛ وباعتراف الجميع.
الدورة الراهنة وما سبقها، منذ نيّف وسنة؛ خير دليل. مؤتمر المناخ، الذي عقد في ديسمبر الماضي برعاية الأمم المتحدة؛ انتهى بصدور بيان، فرضته الحاجة إلى حفظ ماء الوجه وتلافي إعلان الانهيار التام لأعماله. لا توافق نتج عنه ولا التزامات.
ولو على الخطوط العريضة. تمّ ترحيل تحدياته إلى لقاء البرازيل القادم. مع أن تحذيرات العلماء من خطورة تفاقم الاحتباس الحراري، تكاد تتحول إلى صراخ.
فضلا عن أن التغييرات المناخية بدأت تظهر بصورة ملفتة، في أكثر من بقعة في العالم. وكانت الأمم المتحدة قد أعدت لهذا المؤتمر على مدى السنوات الأخيرة وحشدت له كل أسباب النجاح.
في آخر النهار أطاحت حسابات الكبار، خاصة واشنطن، بكل التحضيرات والدواعي والضرورات. نداءات المنظمة الدولية ذهبت سدى. وهكذا انتهى أيضاً المؤتمر الدولي الذي انعقد في مقرها بنيويورك، حول منع انتشار السلاح النووي. بعد شهر من المداولات والنقاش، كان المخرج بالتأجيل كذلك؛ إلى المؤتمر اللاحق في كوريا الجنوبية، عام 2012.
واشنطن منعت البت ببند « شرق أوسط خال من أسلحة الدمار»، حماية للترسانة النووية الإسرائيلية وتركها خارج المساءلة والمسّ. تعطلت جهود الأمم المتحدة، مرة أخرى؛ مع أن هناك توصية سابقة بخصوص تنظيف الشرق الأوسط من النووي.
لكن كالعادة، عندما يطول التحرك الدولة العبرية، لوضعها تحت سقف القانون الدولي؛ ترمي واشنطن بثقلها لقطع الطريق؛ ويكون دور الأمم المتحدة هو الضحية، في النهاية.
وهكذا هي الحال، إزاء قضايا الفقر والمجاعة والأمية، في العالم. قبل عشر سنوات تعهدت دول العالم، بنداء من الأمم المتحدة وتحت سقف مقرها الرئيسي؛ بخفض هذه المشكلات إلى النصف أو أكثر، مما كانت عليه في التسعينات.
عام 2002، جرى الاتفاق على ان تخصّص الدول 7,0 من دخلها القومي، لهذا الغرض. قبل أيام التقت هذه القيادات، على هامش أعمال الجمعية العمومية، لمراجعة « أهداف الألفية «؛ التي التزمت بتحقيقها، مع حلول عام 2015. المفترض أن يكون قد تحقق ثلثاها، حتى الآن. لكن ما تحققن كان دون المطلوب وبفارق كبير. لم يلتزم سوى خمس دول صغيرة بالحصّة المالية المقررة.
واشنطن خصصت فقط 2,0 من إنتاجها، لهذا الغرض. تراوحت الذرائع بين التلطّي وراء الأزمة المالية وبين وضع الملامة على الفساد والديكتاتوريات في الدول الفقيرة. لكن الفقر فيها سابق للأزمة. ثم أن الأنظمة الديكتاتورية الفاسدة، سبق وحظت إما بدعم المتذرعين وإما بسكوتهم؛ وفق ما اقتضته مصالحهم.
في خطابه الأول، العام الماضي، أمام الجمعية العمومية؛ قال الرئيس أوباما « ليس لدولة أن تحاول السيطرة على بلد آخر». وشدّد على عودة الأمم المتحدة «للانخراط» ولعب دورها.
وهذه السنة في خطابه بمؤتمر «أهداف الألفية»، قال بأن « أميركا لن تعود إلى فرض مشيئتها، بل ستسعى إلى الشراكة». كلام كبير وواعد. لكن حتى الآن، على الورق.
قصقصة أجنحة الأمم المتحدة ما زالت مستمرة. من المناخ إلى النووي في الشرق الأوسط، مرورا بتقرير غولدستون وانتهاء بمصائب عالم الجنوب. هذا على سبيل المثال. ردّ الاعتبار لها لن يتحقق طالما بقيت الدولة العظمى تعمل على تهميشها.
واشنطن ـ فكتور شلهوب
