ليس من الغريب أن تجد طالبا للعلم في مراحل سنية صغيرة، لكن من الصعب أن تجد من تعدَّى السبعين من العمر وما زال مصرّا على طلب العلم.. هذا ما فعله عم فتحي أو الدكتور «فتحي محمود»، فصاحب هذا الاسم يبلغ من العمر 71 عامًا وما زال طالبًا بكلية الطب جامعة القاهرة، ورغم التحاقه بالجامعة العام 1964 إلا أنه لم يتخرج حتى الآن، وما زال يجلس في مدرَّجات الطلاب يستمع إلى شرح أساتذة في عمر أبنائه..

لم يقف الأمر عند ذلك، لأن فتحي هو بطل مصر في كمال الأجسام لمدة ثلاثة أعوام، وبرغم كبر سنه وكونه طالبًا إلا أنه لا يزال يبحث عن بنت الحلال، حياة هذا الرجل ـ الناقش على الحجر باعتباره ممن سعوا إلى التعليم في الكبر ـ نرصدها بالكلمة والصورة عبر سطور الحوار التالي..

46 عامًا على التحاقك بالجامعة وحتى الآن لا تزال طالبًا لم تحصل على شهادة التخرج.. لماذا؟

أؤمن بأن طالب كلية الطب أمامه الكثير حتى يستطيع أن يُمسك بالسماعة ليفحص مريضًا أو يمسك مشرطًا ليزيل الداء عنه، حتى لو بلغت مدة دراسته بكلية الطب 100 عام، فأغلى شيء في الكون هو حياة المريض.

وأي خطأ قد يُعرضه لفقدان هذه الحياة؛ لذلك أرى أن معظم الخريجين حاليًا في كلية الطب لا يصلحون للعمل أساسًا في تخفيف الآلام عن المرضى؛ لأنهم يحفظون ولا يفهمون وشاغلهم الأكبر هو التخرج حتى يطلق عليه الناس كلمة «طبيب» أو «دكتور» بغض النظر عن معلوماته وثقافته الطبية.

وأرى أن أمامي الكثير في مجال الطب لكي أتعلمه، فأنا رجل لا يسعى وراء الشهادات، بل أتعلم لأُشبع رغبة حقيقية في نفسي من أجل التعلم؛ أقرأ أحدث ما وصل إليه العلم؛ لأن كل يوم يحمل الجديد في الطب؛ أقرأ موسوعة يََّكٌِّقيليف ُن وٍِّفَ قيٌُُه؟ التي تتكون من 8 أجزاء، وشارك فيها أكثر من 1500 أستاذ متخصص في الطب؛ ودائمًا يحلِّق في ذهني طالب في الفرقة الأولى بكلية الطب بأوروبا اكتشف دواءً لمرض اسمه ِفهم، وسُمي اسم الدواء على اسم الطالب.

ماذا عن حياتك قبل الجامعة؟

التحقت بكلية الطب جامعة القاهرة العام 1964 بعد دخولي مرحلة الثانوية العامة ثلاث مرات في مدة تصل إلى 9 سنوات من أجل تحقيق حلمي بدراسة الطب في أكبر جامعات مصر وهي جامعة القاهرة، ففي أول مرة بالثانوية العامة حصلت على مجموع يؤهلني للالتحاق بكلية الحقوق، وفي المرة الثانية أهَّلني مجموعي لدخول كلية التجارة، أما في المرة الثالثة فقد استطعت أن أحصل على المركز الأول بمحافظتي «كفر الشيخ» لألتحق بجدارة وتفوق بكلية الطب جامعة القاهرة.

لماذا كان التركيز على دراسة الطب؟

خلال مراحل الدراسة الابتدائية والإعدادية والثانوية كنت متفوقًا ومحبًّا للقراءة، وكان زملائي ينادوني بالدكتور فتحي، وفي أحد الأيام بالمدرسة الثانوية أعطاني أمين المكتبة المفتاح الخاص بها وطلب مني تنظيم دخول الطلاب إلى المكتبة، وكنت في قمة سعادتي بعد هذا الإجراء.

حيث أتاح لي فرصة الاطلاع على كل الكتب بالمكتبة، وبعد قراءتي للكثير منها استهوتني الكتب الخاصة بمواد الكيمياء والفيزياء والأحياء، وهذه المواد يتم تدريسها في كلية الطب، ومن هنا جاء عشقي للطب ودراسته؛ لذلك قررت الالتحاق بكلية الطب رغم أنه كان المرتبة الثالثة من حيث المجموع في الستينيات من القرن الماضي.

هل أنت ممنوع من حضور المحاضرات حاليًا بالكلية بحكم كبر عمرك؟

لا يستطيع أحد أن يمنعني من حضور المحاضرات؛ لأنني اجتزت نصف مواد السنة النهائية والتي تسمى بالبكالوريوس في كلية الطب، ووفقًا للقانون يحق لي استكمال دراسة المواد المتبقية في أي وقت من العام الدراسي أو الأعوام الدراسية المتتالية، وأنا حاليًا أقوم بتجهيز حقيبتي الطبية يوميًا وأذهب إلى الجامعة لحضور محاضراتي مع زملائي من الطلاب الشباب.

مَن يكفل مصروفاتك الدراسية والاجتماعية وأنت لا تمتلك أي وظيفة حتى الآن؟

أعيش في السكن الخاص بالطلاب المغتربين القادمين من المحافظات المختلفة ويدرسون في جامعة القاهرة، وهذا السكن الملقَّب ب«المدينة الجامعية» أتواجد فيه منذ أول يوم لي في الجامعة وحتى وقتنا هذا.

وقد حدثت وقيعة بين أهلي في قريتي بمحافظة كفر الشيخ وبيني بسبب ممارستي للرياضة في القاهرة، وقد انقطع عني المصروف وانقطعت علاقاتي بأهلي بعد أن ظنوا أن الرياضة ستعطلني عن دراساتي.

وبعد انقطاع المصروف كتبت ورقة إلى رئيس السكن أطلب فيها الإقامة مدى الحياة، وكانت المفاجأة في الموافقة على إقامتي بالسكن، أما عن متطلباتي المتعلقة بالأموال فقد كان يكفلها الطبيب أحمد شفيق، عميد كلية الطب السابق والجرَّاح العالمي المشهور؛ حيث اقتنع برسالتي في الحياة وأبدى إعجابه بتفكيري في دراسة كل ما هو صغير أو كبير في مجال الطب.

كيف يتعامل معك طلاب الجامعة؟

الطلاب في الكلية أو السكن يتعاملون معي كمرجع أساسي لهم في كل ما يبحثون عنه من معلومات، سواء في مجال الطب أم أي مجال آخر، وفي يوم الجمعة من كل أسبوع يتم تنظيم جلسات طلابية يتم خلالها مناقشة تاريخ إحدى الكليات، وكذلك مناقشة أهم المشاكل التي تواجه الطلاب وكيف يتم حلها، كما يتضمن الحوار أيضًا النقاش في الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد، وفي حجرتي استقبل يوميًا العديد من الطلاب للاطلاع على المعلومات التي يحتاجونها في مكتبتي الشخصية.

الدكتور فتحي ما زال عازبًا.. هل لديك أمل في الزواج؟

أنا لم أتزوج حتى الآن، وأعلم أن الزواج نصف الدين إلا إنني أترك هذا الأمر لله، وعلى ثقة بأن الله سيرزقني بنت الحلال في الوقت المناسب.

ألا يأخذك تفكيرك في دخول موسوعة «جينيس» للأرقام القياسية كأكبر طالب في العالم؟

الأعمار بيد الله، ولكن أريد أن أطمئنك بأنه طالما هناك نَفَس في الحياة فسوف استمر في استكمال تعليمي، كما أنني أعرف بأنني في المركز الرابع في الموسوعة بعد «نوال أوشنز» البالغة من العمر 95 عامًا، والتي تخرجت العام الماضي في جامعة هاينز بولاية كانسانس، و «موزيل ريتشارد» سون وعمره 90 عامًا، والذي تخرج منذ شهور في جامعة أولاهوما، والعجوز الصيني «وانغ جيانبانغ» الذي تخرج في كلية حقوق.. لكنني رغم تفوقهم إلا إنني لدى طموح أكبر منهم.

وما هو؟

أنا أكتب حاليًا كتاب عن حرب 1956 وأرصد فيه الحقب التاريخية، كما أنني أجتهد للحصول على جائز نوبل للمساج الطبي، وذلك لعملي في هذا المجال لمدة تزيد على 50 عامًا، وقمت بعمل مساجات لعدد كبير من المشاهير في مصر والعالم العربي، وأنا لن أفقد الأمل في ذلك، وما زلت أسعى إلى تحقيق الهدف.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية