يفتح المؤلف بوب وودوارد الباب واسعاً أمام قراء كتابه ليطلعوا على الصراعات المحتدمة التي دارت في البيت الأبيض حول صنع القرار بشأن أفغانستان، حيث نتابع في هذه الحلقة شكوى الرئيس الأميركي باراك أوباما من مناورات جنرالاته ومحاولاتهم التلاعب به، ونشهد جانباً من الصراعات التي دارت بين السياسيين والعسكريين حول ما يتعين على أميركا القيام به في كابول.

ويوضح لنا وودوارد التداعيات السياسية والانفعالية لأوباما في مواجهة الخيارات الأربعة الصعبة التي طرحت عليه، وأكبرها إرسال 85 ألف جندي أميركي إلى أفغانستان، وأقلها إرسال 20 ألف جندي، بينما هناك خياران في المنتصف يتمثلان بنشر 35 ألف جندي أو 40 ألفاً. وكان تعقيب أوباما عليها جميعاً أنها ليست خيارات حقيقية، وهو الرأي الذي صرخ به غاضباً في مواجهة جنرالاته.

المدهش حقاً أن الضغوط وصلت إلى حد مغادرة أوباما لأول اجتماع يعقده مجلس الأمن القومي الأميركي حول أفغانستان بعد دقائق قليلة من انعقاده. وفي غضون ذلك نعلم ان المداولات بين كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين الأميركيين كانت بمثابة حرب الجميع ضد الجميع.

وتوج هذا كله بتشبيه جيمس جونز مستشار الرئيس الأميركي للأمن القومي عدداً من كبار مساعدي أوباما بأنهم يشبهون أعضاء المافيا، ولا يفهمون الحرب ولا يعرفون كيف تمضي العلاقات الخارجية مع الدول.

يقدم بوب وودوارد في كتابه «حروب أوباما» الإدارة الأميركية بكل رجالها وأركانها بصورهم الحقيقية، وعلى حد قوله، يصور لنا وجوههم التي لا نعرفها، لا أدوات تجميل، فهم حسب تعبيره:

«أدوات صماء من الجرانيت بداية من هيلاري كلينتون وروبرت غيتس والأدميرال مولن وبيترايوس وانتهاءً بالجنرال ماكريستال. هذه الكتل الصماء جعلت أوباما يشعر أنه شخص غير محترم بينهم وانه وقع في المصيدة، وفي أوقات أخرى كان يشعر أن القادة العسكريين يناورونه ويتلاعبون به».

بل إن بعضاً من هؤلاء القادة لم يتقبلوا فكرة أن يكون قائدهم الأعلى في مثل هذه السن الصغيرة، فقد كان عمره 14 عاماً فقط في نهاية حرب فيتنام. فعلى سبيل المثال، كان من رأي الجنرال بترايوس في الخريف الماضي أن الاستراتيجية الوحيدة المتوافرة أمام الرئيس الأميركي هي مكافحة التمرد في أفغانستان.

وقد صرح بذلك في العديد من وسائل الإعلام والمقابلات الصحافية التي أجراها آنذاك، لكن الأدميرال مولن رئيس هيئة الأركان المشتركة، كان يقول في المقابل: «نحن بحاجة على الأرجح لمزيد من القوات، بينما يلقي الجنرال ماكريستال بكلمته ويرى العكس تماماً.

وهنا تبرز المشكلة أمام الرئيس أوباما، فهو الشخص الذي عليه اتخاذ القرار، ومن المفترض أن يقوم بالاختيار، وفي نفس الوقت يرى أمامه كتل الجرانيت هذه، وهي تحذره من عدم وجود أية خيارات لديه حتى يصبح عدم الفعل هو الموقف والاختيار، والمؤكد أن أوباما لم يكن سعيداً أبداً بذلك.

لكن بوب وودوارد ينفي أن تكون هناك مؤامرة حاكها كبار مستشاريه. كل ما في الأمر هو أنه فعلاً لم يكن هناك أية اختيارات مطروحة بوضوح على طاولة الرئيس، وكان ذلك عن اقتناع واعتقاد بأن هذه هي الطريقة المثلى للتعامل مع الوضع في أفغانستان.

خيارات صعبة

لكن التداعيات السياسية الانفعالية للرئيس كانت مذهلة. فلقد قدموا للرئيس 4 خيارات: أكبرها نشر 85 ألف جندي وأدناها 20 ألف جندي، وهناك خياران في المنتصف: 35 ألف جندي أو 40 ألف جندي. وكان أوباما يقول لهم «هذه ليست خيارات» وكان محقاً في ذلك. وما حدث هو أن روبرت غيتس قدم له مذكرة سرية تقول إن بإمكانه أن يخفض

عدد القوات قليلاً، لكنه في حقيقة الأمر لم يكن يعني ذلك، انه فقط يريد أن يؤجل إرسال 5 آلاف أو 10 آلاف آخرين ويرسلهم إلى أفغانستان في وقت لاحق.

وفي غرفة العمليات داخل البيت الأبيض، يستشيط أوباما غضباً، ويرفع صوته في وجه غيتس قائلاً: «هذا غير مقبول، إنني أريد خيارات»، ويرد غيتس: «أنت أمامك فقط هذا الخيار» وهو ما لم يحصل عليه أوباما حتى الآن.

وبعد أن يوافق غيتس على نشر 30 ألف جندي فقط في أفغانستان، يعود إلى الرئيس ويخبره أن هناك مطالب أخرى من المخابرات وفرق الوقاية الطبية العسكرية، وهو ما يرفع عدد القوات المزمع نشرها بنسبة 4 آلاف و500 جندي، لكن أوباما يتمسك بموقفه وهو 30 ألف جندي فقط.

تهديد صارخ

وفي المقابل، كان موقف نائب الرئيس جو بايدن، الأكبر سناً ودراية من أوباما. كان بايدن يريد نشر 20 ألف جندي، وليس أكثر، مع التركيز على مواجهة التمرد، فقد كان يخشى أن تتحول مهمتهم مثل مهمة الجنود الأميركيين في فيتنام.

ونحن الآن في أيام عيد الفصح، وبايدن يريد أن يستمتع بإجازته في نانتوكيت، ويرجوه أوباما بألا يذهب بعيداً، ويعود بايدن إلى البيت الأبيض، وكان ذلك في يوم العطلة الأحد، ويظهر بايدن في رواق البيت الأبيض، فيبتسم أوباما ويقول: «بايدن هو بايدن».

لكن جو بايدن يفاجئ أوباما بتهديد لم يتوقعه من نائبه: «إذا لم تنفذ هذه الأوامر، فلسوف يحكمون علينا الحصار في فيتنام»، ويرد أوباما قائلاً: «إنني لن أوقع على مرسوم بالفشل، أنا لن أكون مثل ليندون جونسون، علينا أن نتوصل إلى خطة عمل، خطة خروج، إننا سننهي هذه الحرب».

ويصف وودوارد الرئيس أوباما في كل هذه المواقف بأنه مثل موظف المقاصة أو المزادات، فلقد تمت ترسية العطاء وتم إقفال المزاد على 30 ألف جندي فقط لا غير. لكنه ينقل عن بترايوس في أحد اجتماعاته الخاصة قوله «إن الحرب في أفغانستان ستستمر لبقية حياتنا وحياة جميع أطفالنا».

وتتزايد الضغوط على الرئيس أوباما من جهة مستشاريه السياسيين. ويقول بوب وودوارد إنه ربما تكون هناك استراتيجية في ذهن الرئيس، ويريد أن يقوم بتنفيذها، لكن الضغوط تحاصره من قبل مستشاريه ومن كل الجهات.

ويذكر أن الرئيس قال في أحد اجتماعاته قبل عيد الفصح إنه «لا يوجد شيء يسعد رئيس الأركان رام ايمانويل أكثر من أفصح له عن رفضي لخيار الثلاثين ألف جندي»؟ وهو ما يشير إلى حجم الضغوط الهائلة التي يتعرض لها الرئيس.

غياب الثقة

ويكشف بوب وودوارد ان ديفيد أكسلرود المستشار السياسي لأوباما، لا يثق بشكل كامل في وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون. وعندما أخبر أوباما كبير مستشاريه ديفيد أكسلرود بتفكيره في تعيين كلينتون وزيرة للخارجية، كان الرد الفوري: «وهل تثق بها؟».

إلا أن أوباما الرئيس المنتخب حديثاً، أكد له أنه يعرف أنها ستكون أمينة معه وسيعرف كيف يستخدمها جيداً. لكن بوب وودوارد يصفها بأنها ليست من ذلك النوع الذي يقبل أن يعمل معاً في فريق. وفي أحد الاجتماعات كانت تقول: «أعرف أنه سيكون من الصعب عليه سيدي الرئيس»، وهي هنا تسعى لإلقاء كل العبء على الرئيس والنجاة بنفسها.

ويمضي مؤلف الكتاب ليقول ان مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي جيمس جونز، وهو جنرال المارينز المتقاعد، لا يهتم كثيراً لأمثال أكسلرود، ويقول المؤلف إن الجميع تقريباً في إدارة أوباما يعرف أن ريتشارد هولبروك، رئيس ومتعهد وزارة الخارجية لحافظة أفباك، يتحول إلى شخص تافه وأخرق عندما يكون تحت تأثير الكحول.

والمشكلة الأكبر في كل هذا هي تجاوز الدستور الأميركي، الذي ينبغي أن يخضع له الجميع في إدارة الرئيس الأميركي. فطبقاً للدستور، فإن رئيس الجمهورية هو القائد العام، وهو المسؤول عن سير واتجاه الحروب الأميركية، أما وظيفة كبار ضباط الجيش فتنحصر في تقديم المشورة وتنفيذ أوامر الرئيس. هذا هو الدستور من الناحية النظرية على الأقل. لكن الواقع مع أركان إدارة الرئيس أوباما ربما يكون مختلفاً وأكثر تعقيداً إلى حد كبير.

ويصور بوب وودوارد رئيس الأركان رام إيمانويل كشخص ضالع بشكل عميق في سياسة الأمن القومي. ويقول إنه أبلغ ببرود شديد كبير مستشاري البيت الأبيض ديفيد اكسلورد بأن هناك خطة طوارئ في حالة إلغاء مراسم افتتاح تعيين الرئيس في يناير 2009، بسبب تهديد بوقوع هجوم إرهابي من قبل مجموعة من المتطرفين في الصومال.

بل إن ديفيد اكسلورد ورام إيمانويل لا يشعران بأي قلق من محاولات الجيش دفع أوباما إلى اتخاذ قرارات تتعلق بأفغانستان.

ويعرض مؤلف الكتاب مشهداً افتتاحياً تدور أحداثه في شيكاغو في السادس من نوفمبر عام 2008، أي بعد يومين فقط من الانتخابات التي جرت في مقر الرئيس المنتخب باراك أوباما، وهو مبني كلاكسنزكي الفيدرالي.

حيث حصل أوباما على أول إحاطة له كرئيس منتخب من جهاز الاستخبارات، وهو ما وصفه وودوارد بأنها مثل «إحاطة بلا نوافذ وفي غاية الحساسية». ويشير أيضاً إلى الضغوط التي مارسها أوباما على ايمانويل للقبول بوظيفة نائب الرئيس، لكن ايمانويل «فهم أنه يمكن قبول هذا المنصب في الظروف المناسبة».

وكان لدى أكسلرود الكثير من التحفظات بشأن تعيين منافسته السابقة هيلاري كلينتون في منصب وزيرة الخارجية، وسأل أوباما مستنكراً: «كيف يمكن أن تثق في هيلاري؟»، وذلك عندما فاتحه في تعيينها كوزيرة خارجية في إدارته.

أما جون بوديستا الذي شغل منصب كبير المستشارين في فترة أوباما الانتقالية، فقد وصف أوباما بأنه: «يفتقر إلى الخيال».

وشعر أوباما بالدهشة وتشتيت الانتباه عندما استقبل مدير الاستخبارات الوطنية آنذاك مايكل مكونيل ومدير المخابرات المركزية الأميركية مايكل هايدن في 9 ديسمبر 2009، وهو اليوم نفسه الذي تم فيه إلقاء القبض على رود بلاغوجيفيتش صديق الرئيس، بتهمة بيع مقعد أوباما الذي أصبح شاغراً كسيناتور.

وأعرب ايمانويل عن ذهوله لأنه لا يوجد أحد يعرف مكان أسامة بن لادن، وكثيراً ما تساءل: «كيف ننفق 50 مليون دولار على المعلومات الإستخباراتية، ولا توجد لدينا أية أدلة عن المكان الذي يختبئ فيه الرجل رقم واحد على قائمة المطلوبين في تاريخ الولايات المتحدة؟».

إنهم أعضاء في المافيا

ويقول وودوارد إنه: «من المثير للاهتمام قيام مدير وكالة المخابرات المركزية السابق مايكل هايدن بتحذير رام إيمانويل، رئيس هيئة الأركان من أنه لن يحل مشكلة الملاذات الآمنة في باكستان من خلال شن هجمات الطائرات من دون طيار، وقال له «تعلم من دروس فيتنام ومن الحرب العالمية الثانية: أنت لا يمكنك تغيير الظروف من الجو، لابد أن تطأ قدماك الأرض».

ووصف مستشار الأمن القومي جيمس جونز كل من ايمانويل واكسلورد والسكرتير الصحافي روبرت جيبس بأنهم مثل: «البق في الماء، وأعضاء في المافيا.. إنهم لا يفهمون الحرب ولا يعرفون كيف تمضي العلاقات الخارجية مع الدول».

ويشير بوبوودوارد إلى 4 تحديات هائلة تواجه الولايات المتحدة في أفغانستان، وهي تتعلق برشادة الحكم، والتعامل مع الرئيس كرزاي المريض نفسياً، وتدريب قوات الأمن الأفغانية والعلاقة مع باكستان، والدعم الدولي غير المتوافر بالصورة التي ينبغي عليها.

وقال الجنرال لوت للرئيس أوباما في أحد اجتماعاته: «هذه المخاطر ليست مستقلة، بل متشابكة معاً، وسوف تتدهور الأمور أكثر، فأنت تنتقل من مخاطرة محسوبة إلى مقامرة سيدي الرئيس». ويرد عليه أوباما بالقول: «أعرف أنه كان من الصعب عليك أن تأتي إلى هنا وتخبرني بذلك، ولكننا حسمنا أمرنا»، وهو ما يعني عملياً حسب مؤلف الكتاب ان الرئيس لا يحتاج إلى نصيحته، لكنه يشكره عليها بطريقة مهذبة.

لكن الخلافات تستمر، ففي أول اجتماع لمجلس الأمن القومي حول أفغانستان، يغادر أوباما الاجتماع قبل دقائق من نهايته، ويستمر الجنرال بترايوس ويقول لبقية المجتمعين إنه سوف يرسل مزيداً من القوات إلى أفغانستان، فيرد عليه ايمانويل قائلاً: «سيادة الجنرال أنت تؤدي وظيفتك هنا، فشكراً لك، لكنني لم أسمع أن الرئيس قد اتخذ قراراً كهذا».

الحلقة: ( 4)

الكتاب: حروب أوباما

تأليف: بوب وودوارد

الناشر: سيمون أند شوسر، نيويورك، 2010

عدد الصفحات: 464

عرض ومناقشة: طارق فتحي/ نيويورك