المشروع الإسكاني قيد الإنشاء حاليا في منطقة «آلمون» يوفر منازل عائلية رحبة وبأسعار جيدة، بها حديقة، وتطل على مناظر خلابة. المنطقة المحيطة التي تسمى عنطوط، تستقر هي الأخرى على تلة تشرف على تلال الضفة بالقرب من القدس، وهي شعاع من الخضرة في منطقة جدباء.
ويتوفر للسكان هواء عليل، كما أن القادمين الجدد الذين انتقلوا من القدس أخيرا، يتمنون لو أنهم فعلوا ذلك منذ سنوات. ولو أن أحدا يعتزم شراء منزل، لسره كثيراً أن يشتري واحداً في مستوطنة آلمون، لولا مشكلة وحيدة، هي أن هذه المنطقة تقع في أراضي الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة.
فهذه المنطقة هي مستوطنة يهودية، لا يزيد عدد المقيمين بها على ألف ساكن، وأقيمت في الثمانينات من القرن الماضي. ومثل بقية المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة تعد مستوطنة آلمون غير شرعية ولا قانونية، بمقتضى القانون الدولي.
لكن سكانها ربما لا تنطبق عليهم الصورة النمطية للمستوطنين المتعصبين، الذين تنتشر أخبار تطرفهم في وسائل الإعلام، الذين تدفعهم نزعات دينية أيديولوجية ضالة لادعاء الحق في الأرض الفلسطينية.
فهناك ندرة واضحة في الاعلام الإسرائيلية في المستوطنة، كما لا تنتشر شعارات المستوطنين في الشوارع، كما في مستوطنات أخرى. وإذا صارت آلمون جزءا من دولة فلسطينية مستقلة، فمن غير المتوقع أن يثير مستوطنوها حرباً من أجل الاحتفاظ بها، على العكس مما توعدت به حركة المستوطنين الأيديولوجية. وبدلاً من ذلك، سيحزمون أمتعتهم وينتقلون إلى ما يسمى أراضي إسرائيل.
تطورات أيديولوجية
وقد بدأت حركة المستوطنات فور احتلال إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة، ضمن ما استولت عليه بعد حرب 1967. كان المستوطنون في البداية يتصرفون على أسس أيديولوجية، ولكن بحلول الثمانينات قررت الحكومة اليمينية، التي جاءت إلى السلطة في ذلك الوقت، أن تحفز عدداً أكبر من الإسرائيليين، الذين لا يمتلكون حافزاً سياسياً كبيراً، على التوجه إلى الأراضي الفلسطينية والاستيطان بها.
وقد زعمت إسرائيل على الدوام أن المستوطنات رصيد استراتيجي وعسكري لها. ولخص ارييل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، وهو من أشد المؤيدين لحركة المستوطنات، ذلك التوجه في العام 1998، عندما قال عن الأراضي المحتلة:
«كل فرد هناك يجب أن ينتقل، ويجري، ويستولي على تلال أكثر، ويتوسع في السيطرة على الأرض. كل شيء لا نستولي عليه سيكون في حوزتهم (أي الفلسطينيين)».
رغم ذلك، في العام 2007، عندما استطلعت حركة «السلام الآن» الإسرائيلية آراء المستوطنين بشأن دوافعهم للحياة في المناطق التي يقيمون بها، ارجع 77% منهم السبب في ذلك إلى مستوى المعيشة الذي يتمتعون به في المستوطنات، بما يعني أن العامل الاقتصادي، والقرب من المدن الإسرائيلية، أهم الاعتبارات الأساسية لبقائهم هناك، وليس الأيديولوجية.
ويمكن تقسيم هذه النسبة إلى قسمين: فهناك معسكر المستوطنين المتشددين ذوي الدخول المنخفضة والذي يتوسع بسرعة كبيرة، وقد تقاضى أعضاؤه ثمن الخروج من القدس للانتقال إلى الضفة المحتلة، حيث انتقلوا إلى مستوطنات قريبة مثل مودين إيليت، وبيتار إيليت. وهناك معسكر العلمانيين أو المستوطنات المختلطة، مثل آلمون.
وهذه المستوطنات غالباً ما تكون مقامة قرب الخط الأخضر، المعترف به دولياً خطاً للحدود بين إسرائيل والضفة الغربية المحتلة. وهم يقيمون هناك لأن الدولة الإسرائيلية تريد منهم البقاء في تلك المناطق.
إغراءات كبيرة
وعلى مدى عقود من الزمان، سعى التخطيط الحكومي الإسرائيلي، إلى إغراء الإسرائيليين بالمال لكي ينتقلوا من القدس، شأن بقية المناطق الأخرى، إلى مستوطنات في القدس الشرقية الفلسطينية وفي الضفة الغربية. وقد أدى ذلك إلى حصول الإسرائيليين الذين يقيمون في الأراضي الفلسطينية المحتلة على إغراءات ومنافع كبيرة، وفق موازنة تحددها الدوافع الأيديولوجية.
المستوطنات والموارد التي تنفق عليها، والبنية التحتية والقوة العسكرية اللازمة لحمايتها وإبقائها، كل هذه عوائق كبرى في طريق المفاوضات الجارية لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وتحت ضغوط دولية، على مدى السنوات العشر الماضية، نفذت إسرائيل تجميداً جزئياً على بناء المستوطنات. ورغم ذلك، لا تزال الحوافز تعرض بقوة على الإسرائيليين للانتقال إلى العيش في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حتى انه ومع تنحية السياسة جانبا، سيبدو لهم من الغباء عدم استغلال هذه الحوافز.
وللتأكد من مدى السهولة التي يمكن بها شراء بيت في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وسط هذا التجميد المعلن للاستيطان، تظاهرت بأنني إسرائيلية تريد الشراء، وتبحث عن بيت ذي سعر معقول للإقامة به.
وفي ضوء الميزانية التي حددتها، قال وسيط العقارات إنها لا تكفي لشراء منزل في القدس مقترحاً أن اشتري البيت في مستوطنة «بيسجات زئيف» أو «نيف ياكوف»، وكلتاهما في القدس الشرقية.
وعلى الرغم من أن هذه المناطق مصنفة على أنها مستوطنات من قبل المجتمع الدولي، فإن إسرائيل تنظر إليها على أنها من ضمن أحياء القدس، وأعطت أولوية للإسراع بتطوير الوجود اليهودي فيها، على حساب إيجاد سكن معقول السعر في القدس الغربية.
وبالتأكيد لا يمكنني شراء بيت ذي مساحة معقولة في مستوطنة «بولشر راموت» أو «غيلو»، اللتين تقعان ضمن حدود بلدية القدس. لذلك نصحني وسيط العقارات مرة أخرى، أن اشتري البيت في مستوطنة «غيات زئيف»، التي تبعد نحو عشر دقائق شمال شرق القدس. وبسؤالي عن وحدات جديدة، يشير السكان إلى عملية تجميد البناء المؤقتة، التي انتهت أخيرا.
لكن حركة «السلام الآن» تقول إن شهر أغسطس الماضي شهد بداية البناء في 600 وحدة جديدة على الأقل، في أكثر من 60 مستوطنة، في انتهاك صارخ لقرار تجميد البناء.
انتهاك «التجميد»
يقودني بحثي عن بيت، أخيراً، إلى مستوطنة «آلمون»، الني تقع إلى الشرق من القدس. في الطريق أمر على نقطة تفتيش إسرائيلية، لكن بإيماءة بسيطة وقيادة سيارة تحمل أرقاماً إسرائيلية يتسنى لي المرور بسهولة، وبكل ترحيب. يؤكد المقاول الذي يوجد رقم هاتفه على لوحة إعلانية ان هناك 70 وحدة تحت الإنشاء في الموقع، رغم قرار التجميد.
سعر الوحدة في مستوطنة «آلمون» أرخص كثيراً من نظيرتها في الجانب الإسرائيلي من الخط الأخضر، لأن «آلمون» مبنية على أرض فلسطينية، صادرتها إسرائيل، ولم تدفع فيها شيئاً.
ليس هناك قوى عرض وطلب لتحديد القيمة، مثلما هي الحال في أي مدينة أخرى. بدلا من ذلك، تقوم وزارة الإسكان الإسرائيلية بتقنين الأسعار، لتبقيها منخفضة، لجذب المستوطنين. كما سيحصل المقاول على دعم حكومي كبير لتوصيل المياه والكهرباء وهو ما سيترجم إلى تخفيض كبير آخر للمشترين.
ولا تقف الإغراءات عند هذا الحد، فبحساب الأقساط المستحقة، التي ستكون معقولة للغاية، يتوفر لدى المشتري سبب آخر للإقامة عبر الخط الأخضر. ويحصل الإسرائيلي على إعانة من الحكومة تضاف الى القرض الذي يقدمه له البنك لشراء البيت، مع شروط سداد مخففة. وتزيد الإعانة إذا كان للمشتري أبناء، أو خدم في الجيش، أو هاجر إلى إسرائيل حديثا.
ولشراء بيت في «آلمون»، يمكن الحصول على إعانة كبيرة، لكن هذه الإعانة ستتضاعف أربع مرات تقريبا، إذا قررت شراء البيت في مستوطنة «بيتار إيليت»، أو مستوطنة «آرييل» التي تقع على مسافة 25 كلم داخل الخط الأخضر على الجانب الفلسطيني، أو مستوطنة كريات أربع المتشددة القريبة من الخليل. وتفسر وزارة الإسكان ذلك بأن الإعانة تزيد كلما زاد «تقييم التهديد الأمني»، كل منطقة على حدة. كما أن الوحدات التي توجد على الحدود مع لبنان تحصل على المميزات نفسها.
منح لا ترد
ويقول خبير المستوطنات درور إيتكس انه أحياناً تتحول قروض الإسكان التي يحصل عليها المستوطنون للسكن في الضفة الغربية المحتلة إلى منح لا ترد، بعد فترة من الحصول على القرض.
وتقول جماعة «بتسليم» لحقوق الإنسان، انه بين العامين 1997 و2002، أنفقت الدولة الإسرائيلية قرابة 419 مليون شيكل أو 72 مليون يورو على دعم قروض الإسكان النقابية، وحصل عليها ملاك 1800 شقة معظمها في الضفة الغربية.
وبالتدقيق في الحسابات، اكتشف المراقبون الحكوميون أن هذه المبالغ لم تكن مذكورة ضمن ميزانية وزارة الإسكان. ورداً على الانتقادات التي وجهت إليها، قالت الوزارة إن هذه المبالغ لم تكن موجهة إلى «الشعب بأكمله»، وان الإعلان عنها كان سيسبب اضطرابا لا داعي له.
لقد استحوذ المشروع الاستيطاني على سياسة إسرائيل، نتيجة استمرار احتلالها للأراضي الفلسطينية، منطلقا من خليط من المعتقدات القومية الدينية والتوسع السياسي والمخططات العسكرية. وتصف «بتسليم» ذلك بأنه أحد مشروعات إسرائيل الرئيسية، التي تواصلها عن عمد ولا ترغب بإنهائه، حسبما تشير الصحافية الإسرائيلية عكيفا الدار.
ويتذكر الصحافي والمؤلف الإسرائيلي المخضرم داني روبنشتاين أيام الثمانينات، عندما كان مقاولو البناء يقدمون سيارة لمن يشتري بيتا في إحدى المستوطنات.
كما يقول ميير مارغاليت عضو مجلس القدس عن حزب ميريتس اليساري، انه في الوقت ذاته من القرن الماضي، استثمر الإسرائيليون أموالهم في وحدات بالمستوطنات، وتركوها خالية، لعلمهم أنه سيأتي يوم تعرض عليهم الدولة تعويضات مالية لإخلائها. ويضيف: «كان هذا السلوك (سراً شائعاً) بين المستوطنين».
بقلم: راشيل شابي ترجمة: عصام بيومي
