وصل تراجع إدارة أوباما أمام الحكومة الإسرائيلية، في موضوع المفاوضات، إلى حدّ أنها لا تريد أكثر من حفظ ماء وجهها.
بات كل همّها محصورا في حجب عجزها، الطوعي بكل حال، وضمان عدم انفضاح أمره بصورة مكشوفة. لذلك هي تتحرك بصورة «مذعورة »حسب تعبير جريدة «واشنطن بوست»، لانقاذ العملية.
أرسلت المبعوث ميتشيل على وجه السرعة إلى المنطقة، لهذه الغاية. مصادر الإدارة حرصت على التكتم بخصوص ما في جعبته من مقترحات. لكن الاعتقاد السائد في أوساط المراقبين، أنه لا يحمل من جديد يتعدّى مطالبة إسرائيل القبول بصيغة تعطي الانطباع بوقف ما للبناء، وفي ذات الوقت مطالبة الطرف الفلسطيني ومعه العربي، بتسهيل المهمة وعدم ترك طاولة المحادثات. فتفشيل الإدارة ممنوع. المطلوب الآن القبول بما تعرضه إسرائيل، على أن يتولّى المبعوث تدوير زوايا عرضها وتلميع ظاهره.
عمليا، المطلوب غضّ النظر والقبول بمخرج يترك لإسرائيل المضي، بدرجة أو بأخرى، في بناء المستوطنات ونهب المزيد من الأراضي الفلسطينية. سياسة خبيثة متوارثة اعتمدتها كافة حكومات الدولة العبرية المتعاقبة، بحيث يصير الواقع الجديد هو الموضوع الراهن للتفاوض، وخلفه تغيب القضايا الأساسية ويجري تاجيلها. بالأحرى تغييبها ودفنها. الأمر الذي يكفل استمرار الدوران في الحلقة المفرغة إياها والمتواصلة منذ أوسلو.
الرئيس اوباما يكتفي بالإعراب عن اعتقاده بوجوب تمديد وقف الاستيطان. أكد على ذلك في خطابه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، قبل ايام. إسرائيل تجاهلت هذه الرغبة، لأنها بلا أسنان. أقطاب حكومتها توزعوا الأدوار. نتانياهو يراوغ ويرفض تجديد التمديد، بذريعة أن تركيبة حكومته لا تسمح له بذلك. وواشنطن تستخدم هذه الذريعة كورقة.
الوزير ايهود باراك، ياتي إلى واشنطن ليضفي طابع الليونة على الموقف الإسرائيلي إزاء العقدة، فيما هو يطرح المزيد من التعجيز. فقد تردد، اثناء زيارته، انه عرض في محادثاته مع الوزيرة كلينتون وقف الاستيطان مقابل اعتراف الجانب الفلسطيني بيهودية دولة إسرائيل. وعندما سئل الناطق الرسمي في الخارجية الأميركية عن مدى صحة هذا العرض، رفض الإجابة،على اساس أن ذلك فيه«تجاوز للمسموح» الحديث عنه.مما يزيد من صدقية الرواية.
في ذات الوقت، تولّى الوزير ليبرمان، في كلمته امام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وضع النقاط على الحروف، عندما قال ان عملية السلام ليست ضرورية الآن،وأن عملية بناء الثقة، بين الفلسطينيين والإسرائيليين تتطلب لوحدها «عدة عقود».كلام يعكس حقيقة سياسة إسرائيل الرافضة لأي تسوية وسلام غير سلامها . الخارجية الأميركية، رفضت أيضا التعليق حول ما إذا كان ما قاله ليبرمان يمثل موقف الحكومة الإسرائيلية.
أن تعرب إدارة أوباما عن «خيبتها » وانزعاجها لعدم تمديد فترة وقف الاستيطان، ما عاد يكفي. وأن تشيد بالموقف الفلسطيني، ما عاد ينفع. إسرائيل تمارس الابتزاز والتعجيز، علنا وجهارا. والإدارة الأميركية ترد بالمزيد من التطمين والمداراة والعمل على تحسين وتسويق شروط حكومة نتانياهو. وهذه الأخيرة لا سقف لها.
كان المطروح دولة فلسطينية والكف عن النهب الاستيطاني. ثم تقزّم الطموح وصار بحدود التوسل لنتانياهو كي يتكرم بوقف البناء لفترة قصيرة. وربما لوقفه في شريط معين أو حيّ صغير. وحتى هذا تعذّر تحقيقه.
على كل حال، سبق وتوقف ولو بصورة ملتوية البناء لفترة عشرة أشهر، من دون أن يؤدي ذلك إلى أي تقدم. واشنطن بقيت خلال تلك المدة، متفرجة وتاركة الحبل على غاربه للتحايل الإسرائيلي، الذي رفع من سقف شروطه التعجيزية، مثل مطلب الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل، الذي تعرف حكومة نتانياهو بأن الجانب الفلسطيني لا يقوى على القبول بهذا الشرط الملغوم. تعجيز ولد من رحم عجز إدارة أوباما الاختياري.
واشنطن- فكتور شلهوب